الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 695الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, تيمورية جديدة

Share

" كدب في كدب " !!  هذا هو عنوان الكوميديا الجديدة التى كتبها الأستاذ عمود تيمور بك وأخرجها الأستاذ زكي طلمات ، ولعل أبرز ما يلفت النظر إليها لأول وهلة أن موضوعها كعنوانها يدور حول الكذب وان شخصياتها كلها تلوذ بالكذب وان فرقة المسرح الحديث تسدت تمثيلها في مستهل هذا الشهر على اعتبار أنه - فيما بذاع عنه - شهر الكذب أيضا !

وإذا فنحن معذورون إذا دفعتنا هذه الملابسات واحتشادها على هذا النحو المريب إلي الظن بأن هذه الرواية ليست إلا " تقليعة " فكاهية لم يقصد بها مؤلفها سوى الإمتاع والمؤانسة . لكن الواقع أن الأمر ليس كذلك ، بل على النقيض من ذلك . فهذه الرواية ليست إلا امتدادا ناضجا ومتطورا للجهود المتواصلة التي يبذلها تيمور بك في سبيل  إيجاد المسرحية المصرية المثلى بطريقته الخاصة التي تميز بها . ومع أننا قد نجد من يختلف معه حول تقدير المدي الذي بلغته ، إلا أن هذا لا يقلل من شأن النتائج الجدية التي أسفرت عنها محاولاته الكثيرة الغزيرة والتي تعتبر هذه التيمورية الجديدة من أكثرها امتيازا واكمالا . وربما كان أهم هذه النتائج هو توجيهه النظر بطريقة عملية إلى إمكان النهوض بالمسرحية المصرية عن طريق الاستفادة من التمثيليات الغربية ومحاكاة اتجاهاتها وتفهم التيارات الفنية والعلمية التي تؤثر فيها وتكيف مادتها ومضمونها وقواها أيضا . . فكل انتاجه أو معظمه ينحو ذلك المنحي الذي يهدينا ولا يهدينا سواه إلى أسرار التأليف المسرحي جهد المستطاع . وإن كان من شئ يمكن مؤاخذته عليه في هذا فهو أن استقراء رواياته يدل على شغفه الخالص بالمسرح الفرنسي الحديث وحده أو أكثر من غيره ، وليس من المقطوع به أنه أفضل من

وضح هذا أو اقترضاء افتراضا فليس من الصواب أن يقصر الاهتمام عليه دون غيره .

*من أجل ذلك نلمح في إنتاجه كثيرا من السمات التي نلمحها في إنتاج المحدثين الفرنسيين الذين يجعلون من مسرحهم حقل تجارب لمحاولة تطبيق النظريات السيكولوجية ، سواء في معالجة موضوعاتهم أو في تكوين شخصياتها وتحريك مجموعاتها تطبيقا مسرحيا ولئن كان هذا واضحا في رواياته السابقة كالصعلوك والمنقذة ، وابن جلا فإنه أشد وضوحا في روايته الجديدة . ومرد ذلك إلى أنه عالج في تلك الروايات أثر الدوافع السيكولوجية في سلوك شخصية واحدة أو شخصيات فردية ، بينما عالج في هذه الرواية أثر هذه الدوافع في مجتمع بأسره . وتحقيقا لهذا لم يركز اهتمام كمارته في تصوير شخصية بعينها وإنما تخير للتعبير عن فكرته أنماطا نموذجية مختلفة ، حاول - وكان هذا لزاما عليه - أن يعنى بتجسيدها كلها ، حتى يصح اعتبارها رمزا مركزا لما نراء في الحياة من أنماط ، وحتى تصبح روايته كلها بمثابة نظرة سيكولوجية للمجتمع الذي نعيش فيه والذي هو كما ينبغي أن يكون - صورة مصغرة للمجتمع الإنساني الحديث .

ولكن إلى أي حد وفق في ذلك ؟ إن العبرة ليست بمجرد محاكاة أحدث الإتجاهات ، بل بالقدرة علي استيعابها وتمثلها والاهتداء إلى مواطن الانتفاع بها واستخدامها فوق خشبة المسرح استخداما فنيا . وإذا فالحكم على هذه الرواية رهن بالحكم على طواعيتها الفنية ؛ فهل استطاع تيمور بك أن يحقق هذه الطواعية في قالبها ومضمونها معا ؟

الحق أن معرفتنا للصعوبات التي تواجه المحدثين الفرنسيين أنفسهم حتى ليعترف الناقد " هيلده زالوشر " بعجزهم في هذا المضمار تشهد بنجاح مؤلفنا نجاحا ملحوظا في تخطيط

إطار روايته بحيث أتاح لشخصياته حرية الحركة والتعبير عن دخائلها ومكنونانها ، ويسر لها الانتقال من مشهد إلي آخر في غير تكلف . وقد وضح هذا تماما منذ المشهد الأول إذ أدار حوادثه في مقهى مجاور لحلبة من حلبات السباق . وأمكنه بذلك أن يجمع بين أنماطه المتباينة بسهولة خلال فترات الاستراحة بين الأشواط . فنحن نري في بداية إحدى هذه الفترات (فواز بك ) وهو رجل رخي البال ميسور الحال جالسا إلى إحدي الترابيزات ، وتري صديقه  (العمدة ) وقد أقبل عليه بهندامه المودرن ، المتأنق الحال علي مدي فهمه بمقتضيات التحضر . . ثم نرى  (كريمة) وهي إحدى فتيات الطبقة الراقية جالسة في غاية الرشافة مع صديقة لها إلي ترابيزة أخرى تحادثها عما تلقاء في بيتها من تعنت (نصار بك) زوج امها الذي احتال عليها حتي أضحى مطلق التصرف في أموالها . . ثم نرى (كريم ) الشاب الثري يجر وراءه سكرتيرة غيره ليطالبه بضرورة الحصول على مال يعوض خسارته الفادحة . . ثم نرى إحدى الغانيات تلتقي بعشاقها وتستحوذ على نقودهم لتعطيها لعشيقها السمار الأفاك . . نرى هؤلاء ونرى غيرهم من الأنماط يروحون ويجئون  ويتعارفون ويلتقون وينصرفون ، ونسمعهم يتحادثون ويتهامسون ويتغامزون دون أن ننكر شيئا مما نراء أو نسمعه فليس من المستغرب ان يطرقوا مثل هذا المكان وأن تجمعهم - على الرغم من تباينهم-  ونتائج متشابهة تولدت عن رغبتهم الجامحة في اجتلاب الكسب ودرء الخسارة بأي وسيلة ، وأن يتطبعوا بما تستلزمه المقامرة من جشع وتظاهر ونفاق وتأهب دائم لانتهاز الفرص .

لذلك لم يكن من العسير على مؤلفنا أن يجمع وسط هذه الجلبة الصاخبة بين (كريم) و (كريمة) ، وان ييسر أسباب التلاقي والتعارف بينهما ، وأن يربطهما كليهما برابط الرغبة في الزواج العاجل ، ولو لم يشعر أحدهما نحو الآخر بالحب الذي يدفع إلى هذه الرغبة . فهذا الشاب ضائق مما يعانيه من تدهور مالي ، وحسب أن زواجه من هذه الفتاة هو السبيل الوحيد لانقاذه من هذا التدهور ؛ إذ أنها كما يبدو - واسعة الثراء . وهذه الفتاة ضائقة كذلك بما تعانيه في بيتها ، ونحسب أن زواجها من هذا الشاب

هو السبيل الوحيد لانقاذها مما تعانيه ! إذ أنه - كما يبدو واسع الثراء . وبينما حلم كلاهما بالثراء الوهمي يفاجئها زوج أمها  (نصار بك ) ليلقي عليهما درسا وعظيا في مدى ما يجب أن تعطاه المراة العصرية من حرية ، وينحي باللائمة على الشبان الذين هم السبب الأساسي في إفسادها وإغرائها ، ويغلظ في القول تدريجيا مةظاهرا بالأخلاص (لكريمة)  وسهره على راحتها ، فيهتاج  (كريم) ويصفعه صفحة وحشية شديدة ينتهي على أثرها الفصل الأول .

وببدأ الفصل الثاني في صالون بمنزل (نصار بك)، حيث يقد (كريم ) ومعه سكرتيره . وكذا( فواز بك) ومعه العمدة ، وذلك ليعتذر الصافع للمصفوع أولا وليبدي له وثقيه في الزواج من كريمة ثانيا . وكان منطقيا أن يقبل ( نصار بك)  اعتذاره . وأن يمهله في إجابة رغبته الأخرى بحجة أن إنجازها يستلزم بعض التفكير وينصرفون جميعا من عنده فيتبين لنا أن هذه الحجة كانت مجرد تمويه ؛ فقد اعتزم تزويجها لشخص آخر هو صديقه (العمدة)  لسببين : السبب الأول أن هذا العمدة يعاونه في استلاب أموال أمها ، والسبب الثاني أنه يطمع في الاختلاء بدوره بالفتاة ، كلما ذهب زوجها المرتقب إلى قريته بحكم وظيفته

ويجتمع  (كريم) و (كريمة ) مرة أخرى في مقهى آخر ، بدعوة من  (فواز بك ) الذي يبذل قصاري جهده للتوفيق بينهما ، لا لكي ينتشل الشاب الثري من الإفلاس الذي تردى فيه فحسب ؛ بل كذلك لكي يتسنى له استرداد النقود التي اقرضها له في حلبات السباق من قبل ويحدث أن عنسر في نفس الوقت والمكان - مصادفة - أعضاء جمعية تسمى " جمعية الزواج السعيد " كل أغراضها أن فهي لأعضائها غرصة الزواج كيفما اتفق ، وحينما تعلن رئيستهم إمام الخاطبين والمغطوبات يطلب (فواز بك ) منها إعلان خطبة  (كريم وكريمة)

ثم يبدأ الفصل الرابع ، فنجد أنفسنا في منزل (فواز بك ) وقد آوي فيه ( كريمة ) لا ندري لماذا . ولعله أشفق عليها بعد أن ماتت أمها ، وتبددت أملاكها واختفى خطيبها أيضا . والواقع أنه لم يكن ليختفي لولا أن افتضح أمره وأشهر إفلاسه . غير أنه عقب هذه الصدمة تاب إلى

رشده ، وظل يبحث جاهدا عن عمل ، حتى إذا وفق في الالتحاق بوظيفة صغيرة في إحدي الشركات ، عاد فورا إلى منزل ( فواز بك ) ليرد إلى ( كريمة )رسائلها الزائفة التي كانت قد أرسلتها إليه خلال فترة غرامهما المصطنع ؛ ومن عجب أن يحدت ذلك في نفس اللحظة التى اعتزمت هي فيها إحراق رسائله الزائقة التى كان قد أرسلها إليها كذلك . وما يكاد يلتقي بها حتى يصارحها وتصارحه بأن كليهما كان يغرر بالآخر . . وسرعان ما يصارحها ونصارحه بأن كليهما الحب الآخر !!

وهكذا نجد أن تيمور بك يحرك كل شخصياته في مجتمع يظهر غير ما يبطن . فهل معنى ذلك أنه يريد أن يتخذ من السرح منبرا  يلقي علينا من عليائه محاضرة عن مساوئ الكذب ومزاياه ؛ أم أنه وهو مولع بالملاحظة يرسم لنا صورة عميقة للواقع الذي يعيش فيه ؟ أم أنه يحضنا - كما قال بلسان إحدي شخصياته - على الارتضاء بما في الحياة من شرور ، وإلا فالنزوح عنها ؟ أم أنه يساير الاجتماعي الفرنسي " برنار دي ما تدفيل " في قوله : ( إن من يفحص سيرة الجنس البشري يقتنع بتعذر إيجاد أي مبدأ اخلاقي أو تصور أى قاعدة لفضيلة باستثناء الواجبات التى يقتضها حفظ المجتمع البشري بالضرورة ) ؟!

اعتقد ان هذه الرواية تفقد كثيرا من قيمتها لو أننا قومنا مضمونها بالمعايير الأخلاقية . وإنما تستقيم النظرة الفنية إليها إذا وضعنا في اعتبارنا العوامل التي كيفت الحياة الفنية بين جدران المسرح الفرنسي الحديث الذي طاب لمؤلفنا أن يحاكيه . ولا مجدي لنا في هذه الحالة عن الإشارة إلى الؤثرات الفكرية التي محاول النقاد الأوربيون نفس وجودها في الإنتاج الفني ، فكما أنهم يربطون بين النزعة العقلية Rationalisam التى رانت على مسرح القرن السابع عشر وبين النهج الديكارتي ، ويربطون أيضا بين النزعة النفسية التي سادت للمسرح الحديث وبين نظريات فرويد ويرجون ، كذلك يربطون بين بعض مسرحيات المحدثين وبين نظرية" دركيم Durechim" بصدد (الكتلة البيكولوجية ). وفكرتها الأساسية أن الأفراد إذ يكونون مجموعا أو زحاما يفقدون شخصياتهم الفردية ويتصلون معاً ويصيحون " كلا" له كيان جديد خاص وشخصية جديدة قائمة بذاتها .

والراجح أن تيمور بك تأثر في روايته هذه بهذه النظرية ، فإننا بغير افتراض وجود هذا العلاقة قد نتهمه ظلما بالفسور أو ضعف الملاحظة ، طالما أنه صور لنا مجتمعا كاملا طفي الكذب على " كل " شخصياته بلا استثناء وهذا ما لا يستساغ نقبله تقبلا تاما بغير ذلك الافتراض .

لكننا من ناحية الأداء الفني لا نجد ما يحول بيننا وبين محاسبته . فهو وإن كان قد أبلى بلاء حسنا في صيافة فكرته فلم نلحظ اعتزازا كبيرا في تصوير شخصياتها ولا تصدعا في بنائها ولا تلكؤا في نمو أحداثها ، إلا أنه - حذرا من التحس الذي يؤدي غالبا إلى المفاجات والمبالغات - قد عالجحها في هدو كاد يصل إلى درجة الفتور كما أنه - إمعانا في تظليل الحوادث بغية تبرير استطرادها - أفاض في هذا الاستطراد أحيانا إفاضة يأباها التركيز المسرحي تارة ويأباها " التقليد الهوراسى" الذي يقضي بمساوقة الناحية الشعورية عند المشاهدين تارة اخرى . ونضرب لذلك مثلا بنهاية الفصل الأول . فقد كان من المكن أن يستغني عن مشهد التعارك بين (نصار بك) و (كريم ) أو ان يقيمه خارج المسرح ويرمز إليه داخل المسرح بطريقة ما . إن كان لا بد من حدوث تعارك عضلي بينهما .

هذا من جهة . ومن جهة اخرى فإنه وإن كان قد أفلح في الاهتداء إلي موضوع هو بذاته كوميدي إلا أنه لم يصبر نفسه في تهيئه ملاحمه الكوميدية . من هنا أحسنا المسئولية التي ألقاها على كاهل المخرج والممثلين والمتاعب التي واجههم بها حتى استطاعوا الموازنة بين الأداء الحرفي والتعبير الروائي وتكملة الفجوات ، وإن كان ذلك قد أبرز مهارتهم في استنفاذ فكرته من الجمود الذي أوشك أن يحيط بها ، بقدر ما أبرز خيبة ( الكومبارس ) الذين كانوا بجوار زملائهم أداة تشويه .

غير أن الرواية في مجموعها تزكي اتجاه مؤلفها نحو اقتحام المشارف الأوربية الشائكة . وربما يكون في ذلك ما يباعد بينه وبين جمهورنا ، والخمهور عنصر أساسي في المسرح ؛ ولكنني ، مع هذا ، لا أتردد في تهنئته على متابعته للنشاط الفني الحديث متابعة تحفزه دائما إلى مثل هذه المغامرات الفكرية.

اشترك في نشرتنا البريدية