على الرغم من أننا لا نزال ندعو القائمين على أمر المسرح . عندنا إلى إيثار المترجمات الممتازة على غيرها ، إلا أننا نتردد كثيرا قبل أن تهنئ ( الفرقة المصرية ) على اختيارها هذه الرواية " المترجمة ، في موسمها الحالي بعد أن ظلت طوال مواسمها الماضية تقدم روايات مؤلفة أو مقتبسة أو منتحلة غالبا .
ذلك لأنه وإن يكن من المقطوع به أن التأليف المحلي لم ينضج بعد نضجا يؤهله للاعتماد عليه وان الاقتباس في عرف كبار النقاد ليس إلا تشويها للاثار الفنية ، وأن الانتحال عمل في ذاته سوء صفاته ، فكذلك من المقطوع به أيضا أن اختيار المترجمات اختيارا مجديا ليس أمرا يسيرا بل هو أمر جد عسير ، إذ يتطلب كثيرا من الخبرة والدقة والفهم وسلامة التقدير لضمان صلاحيتها للنقل .
لهذا يتعين علينا قبل أن نحكم على مدى صلاحية هذه الرواية لمسرحنا أن تنظر إلي قيمتها الفنية ، وإلى جدواها ، وكذا إلى قدرة الفرقة التي قدمتها على النهوض بتمثيلها وإخراجها ، وإلى الجهود التي بذلتها لتعريف الجمهور بدقائقها ومغزاها . . الخ .
فمما لا جدال فيه أن الروابات الأوربية تتفاوت في قيمها . فكما أننا نجد من بينها روايات تكاد ترتفع إلى الذروة الإغريقية كذلك نجد من بينها روايات تكاد تهبط إلى حد يصعب معه نسبتها إلى الفن إطلاقا . زد على ذلك أن من الروايات الجيدة ما قد تعزي جودتها إلى دقة تعبيرها عن عصرها . فهذه لا يجوز نقلها من بيئتها إلا إلى بيئة شبيهة بها . وإذا انفق - وهذا هو الغالب عندنا - أن نقلت إلى بيئة مغابرة لها ، فلا أقل من ان يشرح لجمهور
المتفرجين ما بين البيئتين من فوارق ليتسني لهم فهمها وتذوقها وتمثلها :
غير أننا نحب أن نتجاوز عن هذا كله حين النظر إلي رواية ( النسر الصغير ) على اعتبار أنه من المهم لدينا الآن بالنسبة لبدائيتنا في الفن والمسرح أن تنقل من الروايات ما يزيدنا تمرسا بالأوضاع المسرحية ، وليس لنا أن نطمع في أكثر من ذلك . وإذا يكفي أن تنظر إلي هذه الرواية من هذه الزاوية وحدها وعلى هذا الأساس وحده قبل كل شئ .
معلوم أن المسرح الفرنسي بعد ما بلغ قمته في العصر الكلاسيكي أى في القرن السابع عشر ، بدأت تضعف قوته ودوافعه الخالقة في القرن الثامن عشر وذلك لأن الكتاب وقتئذ انحرفوا به عن وجهة اسلافهم الفنية وأهدافهم الإنسانية الخالصة ، وأصبحوا يستخدمونه استخداما مباشرا كوسيلة من وسائل الإصلاح ونشر الأفكار والمعارف حسبما قضت به ظروفهم . فلما اشتعلت الثورة عقب ذلك زادته ضعفا على ضعف وأطاحت فيما أطاحت بالبقية الباقية من مقوماته نتيجة لما أصاب البلاد من اضطراب عنيف حول النشاط والإنتاج الأدبي كله إلى الجدل السياسي .
ومعلوم أيضا أن الفترة ( ١٨٠٠-١٨١٥ ) شهدت ميلاد الرومانتيكية الفردية التي حالت دون العودة إلى المسرح الكلاسيكي ، إذ أن هذا المسرح كان معبرا عن المجتمع الارستقراطي الذي دمرته الثورة ، بل حالت دون العناية بالمسرح بصفة عامة ، لأن "الفرد" قد أحس بفرديته إحساسا تلاشي معه الإحساس بمجتمعه وبما حوله . فانطلقت مشاعره التي كانت مكبوتة فيما مضي ووجدت انفعالاته
متنفسا رحيبا وتبدل الشعور بالطمأنينة التى تلازم المجتمعات المستقرة على وضع رتيب إلى شعور بالتشاؤم والشك ومن ثم تولدت وتكاثرت ميكروبات ذلك المرض الذي يسمونه مرض العصر mal du slecle وترتب على هذا جميعه ان أصيب المسرح بهزال شديد جسدا كاد يودي به لا سيما في النصف الأول من القرن التاسع عشر .
صحيح أن بعض الكتاب حاولوا كتابة تمثيليات مختلفة ، غير أن هدفهم الأول لم يكن سوى مجرد تحطيم مواضعات المسرح الكلاسيكي وتعمد مخالفتها ، وهي مواضعات ذات قيمة كبرى . هذا فضلا عن أنهم - لوقوعهم تحت مؤثرات عصرهم الفردي الانفعالي - كانوا مفتقرين دائما إلى قوة الملاحظة والقدرة على خلق الشخصيات وإدارة الحوار وتصميم البناء المسرحي بصفة عامة ، حتى إنهم لم يستطيعوا أن يصوروا في رواياتهم سوى أنفسهم دون أن يقصدوا ذلك . وصحيح كذلك أن الإمعان في هذا الاتجاه أحدث أكثر من رد فعل ، فظهرت خلال هذه الرومانتيكية وبعدها اتجاهات واقعية ورمزية وبرناسية وميلودراماتيكية وغيرها ، لا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ، ولكن كان من الصعب أن يجد الفن المسرحي في ذلك مجالا صحيحا أو أسسا وطيدة ينهض عليها من رقدته الطويلة ، لأن هذه الاتجاهات جميعها تلوذ بالفردية على نحو ما ، في حين أن المسرح فن اجتماعي الغاية والوسيلة .
من هنا شهدت هذه الفترة روايات تمثيلية كثيرة نسبيا ، لكنها كانت غير ذات كيان فني وكانت معاييرها بأيدي ممثليها لا مؤلفيها ، لدرجة أن النقاد والجمهور وأصحاب المسارح لم يكونوا يهتمون أو يتحدثون أو يفاضلون بين موضوعاتها بل بين القائمين بأدوار البطولة فيها من امثال : ساره برنار ولوسيان وجويتري وريجان .
ورواية ( النسر الصغير ) ليست إلا إحدي هذه الروايات . فقد كتبها إدمون روستان E.Rostand في تلك الحقبة الجديبة . ومع أنه يعتبر من أشياع الرومانتيكية
الحديثة الممتازين وروايته هذه تمثل هذا الاتجاه خير تمثيل إلا أن النقاد لا يكادون يذكرونها إلا ليذكروا فقط أن بطلتها وممثلتها الأولى هي ساره برنار .
وإذا فنحن لا نظلم ) الفرقة المصرية ( إذا قلنا إنها - وقد اختارتها في مستهل موسمها - لم تحسن الاختيار .
لكننا مع هذا نؤثر أن لا تتسرع في الحكم عليها بسبب رواية لم تتبين بعد هدفها ، فلعل فيه ما يسوغ اختيارها على أى نحو من الأنحاء . ولذا يتحتم علينا أولا أن نوجز موضوعها :
في قصر شاميرون بالقرب من فيينا عاصمة النمسا يعيش النسر الصغير - وهو ابن نابليون بونابرت - أسيرا أو شبه أسير تحت حراسة شديدة دبرها وأحكمها وزير النمسا السياسي الداهية مترنبخ ، لكي لا يعلم الابن شيئا عن سيرة أبيه وبطولته وعبقريته ، فربما يستوحيه حين يشب عن الطوق ويعيد سيرته الأولى ويزلزل عروش أوربا عامة والنمسا خاصة ، ورغم هذه الحراسة تتسرب إليه بعض الأنباء الصحيحة كما يوحى إليه أن شعب فرنسا لا يزال يتشبث به ، فيحاول الهرب مع المخلصين من أتباعه ، لكنه يفشل ثم تشتد عليه وطأة المرض الذي أصابه منذ طفولته ويموت ، والمهم أنه في مختلف أحواله يلهج بذكر فرنسا وعظمة أبيه وامبراطوريته .
والخلاصة أن هذه الرواية عبارة عن " حكاية " تتضمن سردا تاريخيا لحياة ابن نابليون من وجهة نظر مؤلف رومانتيكي يذهل عن الواقع ويحلم بالماضى وامجاده ، وكل ما يهدف إليه هو تمجيد الجنس الفرنسي والإمبراطورية البونابرتية ، ولاشئ أكثر من ذلك .
وقد سبق أن أوضحنا أن مثل هذه الموضوعات لا يمكن أن تكون صالحة مسرحيا إلا - وهذا مع التجاوز الشديد - إذا توفرت فيها إمكانية التأثير في الجمهور لدرجة قصوي .
وبديهي أن ذلك إذا كان متوفرا في هذه الرواية بالنسبة
للجمهور الفرنسي فإنه ليس كذلك بالنسبة لجمهورنا ، بل هو على التحقيق عكس ذلك ، وبصفة خاصة في مثل ظروفنا الراهنة التي تضطرنا فيها فرنسا إلى كراهيتها نتيجة لموقفها المعروف إزاء قضيتنا الوطنية وقضية شعوب المغرب الشقيقة ؛ فإذا أضفنا إلى ذلك أن مؤلفها الفرنسي أيضا لم يحسن صياغتها الفنية من حيث إنه لم يوضح مغزاها إيضاحا مسرحيا ، إذ لم يستنطق الحوادث به ولم يستخدم الأدوات والوسائل الدراماتيكية من حوار وشخصيات وصراع وحبكة وعقدة في إبرازه . وإذا أضفنا إلى هذا وذاك أن هذه الرواية سبق أن مثلتها الفرق المصرية المختلفة مرارا حتى ليتعذر أن نجد مبررا معقولا لإعادة تمثيلها ، وضح عاما أننا نورط أنفسنا في حيرة شديدة ودهشة أشد إذا نحن حاولنا معرفة الباعث أو البواعث التي دفعت المسئولين عن الفرقة المصرية إلى اختيار هذه الرواية بالذات .
يقولون إن نجاح المترجمات التي شهدها المسرح المصري في العام الماضي كان له اثره في هذا . ويخيل إلى - علاوة على هذا - أن ( حب الظهور ) الذي يستبد بمعظم المثلين القدامي من جهة ، وشغفهم بالأداء الرومانسي الذي يعتمد على التنغيم والتفخيم والتهويل في الصوت والحركة من جهة اخرى . هما سبب ترحيبهم باختيار رواية من هذا الطراز الذي لا يهيىء سوي إبراز بطولة الممثلين ولا يصلح له سوى الأداء الرومانسي .
وإلا فقد كان من الممكن أن تتخير هذه الفرقة أي رواية من أي طراز آخر من المسرح الفرنسي ذاته .
كان من الممكن أن تتخير حتى إحدي روايات العصور الوسطى كنموذج للمواصفات الفنية البدائية التي تتشابه مع مواضعانا . أو إحدي روايات عصر النهضة كنموذج لكيفية التطور والانتقال والارتقاء . . أو إحدي روايات القرن السابع عشر كنموذج ممتاز يصح أن نتطلع إليه يوما ما . أو إحدي روايات القرن الثامن عشر التي مهدت للاصلاح لعلنا ونحن نمهد للاصلاح أيضا أن نستفيد منها . . أو إحدى روايات العصر الحديث الذي تحتل مذاهبه وفنونه
مكانا ما في أذهاننا . إذ أننا نسمع بها أو نقرأ عنها على الأقل بداعي الترابط الفكري العالمي .
لكن يظهر أن الفرقة المصرية بقدر ما كانت سطحية في محاولاتها المحلية السالفة التى عرفت بها ظلت كذلك في محاولتها الجديدة .
ولعل مما يؤيد ذلك أنها لم تفكر مطلقا في تعريف الجمهور بروايتها ومذاهب مؤلفيها وطرائق إخراجها - سواء في الماضي أو في الحاضر ، بل إني لأخشى أن أقول إن بعض ممثليها أنفسهم لا يحاولون التعمق في فهم ذلك أو بعضه . فقد كنت أشهدهم في روايتهم هذه - مع الأسف الشديد - يتحدثون عن قصر شامبرون والجمهورية الأولى والثانية ولويس فيليب بطريقة تدل على أنهم يحفظون - أو يلقنون - هذه الأسماء أكثر مما يعرفون مدلولاتها ومسمياتها .
ومع الأسف الشديد كذلك تجلت هذه السطحية في الإخراج أيضا ، فلم يكد يتحرر المخرج الفاضل من محاكاة ( الفرقة الفرنسية للكوميديا ) التي مثلت نفس هذه الرواية في العام الماضي بدار الأوبرا وقامت بدورها الرئيسي " جان بوائل ، مع فارق ملحوظ بين " الأصل " و " التقليد " وقد يكون لضآلة أدوات واستعدادات الإخراج عندنا أثره . ولكن هذا لا يدعو إلي إغفال مطابقة الحوادث والحوار المشاهد والمناظر إغفالا تاما ، فكنت تسمع ( النسر الصغير ) مثلا يقول : " هأننا في هذه الحجرة السوداء . . " بينما الحجرة ليست سوداء ، وكنت ترمى مخدع نابليون وكأنه مخدع رجل متوسط الحال . وكنت ترى الأضواء في منظر تحاك فيه الدسائس كالأضواء في منظر تشبع فيه البهجة ؛ فإذا عرفنا أن معالم القصر الذي جرت فيه أحداث الرواية وتفاصيله وأثاثه وسرره قد أفاضت السجلات التاريخية في وصفها بدقة بحيث يصعب تجاهلها أو تبديلها على المسرح . . وعرفنا أن معاني الرواية لا عمق فيها بحيث يسهل فهمها . . إذا لعرفنا إلى أي حد لم يوفق مخرجنا ، مع أنه - كعادته - قد نحا في إخراجها نحوا واقعيا مألوفا لا يتطلب جهدا كبيرا .

