يرفع الستار فإذا بنا فى منزل شاب يدير مع أعوانه خطة لمهاجمة الإنجليز فى منطقة القنال . وما يكادون ينصرفون وبهم هو باللحاق بهم حتى تحاول أمه أن تمنعه من الخروج وتستعين على ذلك بخطبيته تارة وبأبيه تارة أخرى خشية أن يصاب بسوء ولكن محاولتها تذهب هباء . ذلك لأن خطيبته تمنع بعد محادثته بوجهة نظرة بل تلتحق كذلك بكتائبه . وأما أبوه فعلى الرغم من أنه يحبه ويحرص على حياته إلا أنه يحب قبل كل شئ وطنه ويمقت الإنجليز ويؤمن بضرورة مكافحتهم لا سيما وانه قد شهد الحلقة الأولى من مأساة دنشواى فى صباه وكادت تطيح به فيمن أطاحت بهم من قريته ، ثم لا يزال يشهد الآن خلفتها الأخيرة فى القتال ويجد فيها فرصة سانحة للأخذ بالثأر ، هكذا يحدث زوجته
ويسدل الستار ويرفع فإذا بنا فى دنشواي عام ١٩٠٦ حيث استقر المطاف ببضعة جنود من الإنجليز وقد أخذوا يطلقون بنادقهم على أبراج الحمام لا يبالون بما تسببه نيرانها من خسائر وحرائق ، وأخيراً يصيب احدهم امرأة وادعة فتخر صريعة بين جمع من ذويها ، ويفر هو هاربا فيطارده بعض أبناء القرية ولكنه لا يلبث أن يموت من فرط الإعياء نتيجة لضربة شمس لم يحتملها
ويسدل الستار ويرفع عن مشهد محاكمة أهاىي دنشواى بتهمة قتله ويسفر الأمر عن إعدام طائعة منهم شنقاً وجلد طائفة ثانية وسجن طائفة ثالثة سجناً مؤبداً .
ويسدل الستار ويرفع عن مشهدين : أحدهما يصور المشانق التى نصبت وسط القرية ذاتها تنفيذاً لذلك الحكم على مرأى من أهلها إمعاناً فى الكناية بهم ، ويتميز هذا المشهد بخلوه من الأحداث والحركة والحوار بحيث لا يسمع فيه مطلقاً إلا صوت قوى التعبير يسترجع تفاصيل المأساة من خلف الميكروفون ، ويربط بين حلقاتها الأولى والأخيرة
ويستمطر الرحمة على شهدائها بقطعة من الرجل الحماسى . وأما المشهد الأخير فيصور بوضوح مدى إمعان السلطات البريطانية فى تعقب الهاربين .
ويسدل الستار ويرفع فإذا بنا مرة أخرى فى عام ١٩٥١ وفى المشهد الآل ذاته وإذا بالشبان المجاهدين يعودون وفى أثرهم زعيمهم جريحاً ومن خلفه الجنود الإنجليز يحيطون بالمنزل من كل جانب ، فلا يجد أبوه بدا من أن يفجر قنبلة تهدم المكان عليه وعلى الإنجليز معه ، بعد أن يشق لولده وصحبه وأهل طريق النجاة مؤثراً التضحية بنفسه فى سبيل الوطن الخالد
هذا موجز للراوية الوطنية الثانية التى قدمتها فرقة المسرح المصرى الحديث بعد روايتها الوطنية الأولى ( مسمار جحا ) . وواضح أنهما بصفة عامة متشابهتان من حيث البواعث والأهداف . فهل معنى ذلك أننا سنسلك فى نقدنا نفس الطريقة التى سلكناها من قبل ؟ .
أحب أن أقول : " نعم " لسبب واحد ، هو أننى أؤثر فى نقد مؤلفاتنا المسرحية المحلية أن أقيسها بالمقاييس الثابتة والنظريات والأحكام العامة التى وضعها - بعد فهم عميق وممارسة طويلة - نقاد المسرح الغربيون لأوساط الكتاب المسرحيين .
لذلك لم يكن يدهشنى أن يغضب شيوخ مؤلفى المسرح عندنا من طريقى لأنهم جميعا ( عباقرة !! ) وإنما أدهشنى حقاً أن يغضب أحد المحدثين كذلك وهو صاحب مسمار جحا ، وأن يزعم أن من الشطط الالتجاء إلى الأحكام الغربية وأن الواجب علينا أن ندرس العمل النقود ذاته على اعتبار أن لكل موضوع منطقه الخاص . . إلخ .
ادهشنى هذا ( اولا ) لأنه - بدوره - رأى ناقد غربى هو : مانزونى Mansoni ونصه " أن كل أثر فنى
يبسط لمن يريد أن يفحصه المبادىء اللازمة للحكم عليه " . وأدهشنى هذا ( ثابتا ) لأن كل شراح هنا الرأى أجمعوا على استحالة تطبيقه إلا " على شرط أن تتحقق فى الآثار الفنية المنقودة دلائل إدراك مؤلفها لأصول الصناعة وطبيعتها ووظيفتها التى تؤديها ، وهذا كله لا يتسنى إدراكه إلا بتفهم نظرية الفن ، إذ أن أحكام النقد ليست إلا تطبيقاً للنظرية العامة فى الأحوال الخاصة " .
وأظن أن هذا كله - فيما يبدو لى - لا يتجلى فى مؤلفاتنا أو فى مؤلفات المحدثين منا على الاقل إلا بقدر ضئيل جداً ، وأظن إذاً أن لى العذر حين أوثر أنقدهم لا بأفضل الطرق بل بأنسبها لهم وأجداها عليهم ؛ وذلك بالنظر قبل كل شئ إلى فكرة الرواية ومدى صلاحيتها للأداء المسرحى . وقدرة كل منهم على إخضاعها لهذا الأداء ، ثم لا جدال فيه أنهم لم يصلوا بعد إلى درجة من النضج تمكنا من استنباط قواعد الحكم عليهم من موضوعاتهم ذاتها .
ولكن يظهر أنهم يريدون أن يكونوا كالآخرين ( عباقرة ١١ ) أيضاً . وليس أدل على ذلك مما جاد لى فيه هذا المؤلف ذاته حول بديهيات لا تحتمل الجدال :
فنحن نقول مثلا إن المسرح لا يتناول - أصلا - سوى الحقائق السرمدية الكبرى وان الاستعمار - على فظاعته - من الأمور الطارئة التى لا تدخل فى هذا النطاق لولا شدة إحساسنا في ظروفنا الراهنة . لكنه رغم هذا لا يتحرج من أن يزعم العكس بحجة أن قضية الاستعمار هى قضية الصراع الخالد بين الحق الأعزل والباطل المسلح ، وواضح أن هذا فهم غير عميق ، فمن الممكن ولو فرضا أن نتصور احتمال تطور المجتمع الإنسانى إلى درجة من الرقى يلغى فيها التعامل بمنطق القوة المادية ولو فى قارة واحدة أو قطر واحد أو قرية واحدة أو اسرة واحدة ، وإذاً فالاستعمار ليس حقيقة كبرى ولا سرمدية ولا شاملة ، وإنما تتوافر هذه السمات فى حقائق من طرار معين كصراع الإنسان ضد الموت أو القضاء أو القوى الكونية العليا أو ما يحل عنها من حيث القوة والجبرية
وأعجب من هذا أن نقول إن المسرح يضع الفرد على محك الأبدية المطلقة أو بضمه على محك الإدراك الفطرى فى مجتمع ما ، أو يصور إرادة إنسان يصارع القوى المختلفة التى تحده .. فإذا به يتحرج من أن يقول إن روايته تستوفى
ذلك كله ، مع أن ما أوردناه من أقوال كبار النقاد فى هذا الصدد إنما هى تعاريف " تختلف " أنواع المسرحيات ، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تتطبق على رواية واحدة .
وأعجب من هذا وذاك أن نقول إن الصراع الفنى من أهم عناصر المسرحية . فإذا به لا يتحرج من أن يقول إن روايته تزخر بأنواع مختلفة من الصراع قوامها مثالية جحا ضد مادية زوجته أو ضد ظلم الغاصبين أو ضد مقاصد المجتمع كالربا وضلال علماء السوء . . وغفل عن أن هذا كله ليس من الصراع الفنى فى شئ . وإلا فلماذا نقول عن العرب إنهم لم يحرفوا فن التمثيل مع أن قصصهم حافلة بما حفلت به روايته من صراع ؛ ولماذا نقول إن روايات العصور الوسطى غير ذات قيمة فنية بسبب افتقارها إلى عنصر الصراع الفنى مع أنها زاخرة بالصراع بين الرغبات الخيرة والرغبات الشريرة أو بين ماديات الحياة الدنيا ومثاليات الحياة الآخرة أو بين شهوات الجسد وإشرافات الروح كما يتجلى ذلك فى رواية . Everyman
بل لقد بلغ عناده إلى حد الافتراء على برنارد شو واتهامه بأنه من أقل كتابنا المسرحيين عناية بالصراع ، والاستشهاد خطأ برأى ناقد معاصر لم يقل ذلك وما أحب أن أشرح له النصوص قبل أن أطالبه بمراجعتها وفهم مغزاها الصحيح وحسبى - مؤقتاً - أن أقول إن ( شو ) ذاته هو القائل : "The confilect is indispemsable : oo centict oo drama
ومؤدى هذه العبارة أن وجود الصراع فى المسرحية أمر لا مفر منه فإذا لم يكن صراع فلا وجود لمسرحية ذاتها . فماذا بعد ذلك !!
الحق أنه ما كان لى وأنا من أشد الناس عزوفاً عن المجادلة أن استطرد هكذا لولا أننى أريد أن أؤكد أن غرض من النقد إنما هو التعاون مع مؤلفينا على استكمال وجوه النقص الكثيرة الواضحة فى إنتاجهم والتى لا يمكن أن تستكمل إلا إذا بصرناهم بأصول الصناعة وطبيعتها ووظيفتها ، وهذا كله - كما قلنا - لا ينسى إدراكه إلا بتفهم نظريات الفن ومحاولة تطبيقها .
وهكذا نعود إلى روايتنا ( دنشواى الحمراء ) لنتحدث عنها فى حدود هذا المنهاج . وقد كان من اللازم حسبما يقتضى ذلك ان نتحدث أولاً عن فكرتها وعادتها وهدفها من حيث مدى صلاحيتها للمسرح ، لولا انها فى هذه النواحى
شديدة الشبه بالرواية التى سبقتها والتى سبق أن أدلينا برأينا فيها وفى هذا الطراز من الروابات إجمالا .
وإذاً يبقى بعد ذلك أن نتحدث عنها من حيث الأداء المسرحى الذى يختلف فيه كل مؤلف عن غيره .
إن النظرية الأولى لهذه الرواية كما أوجزناها تدل على أن مضمونها يكاد يتفق فى جزئياته من حيث التفاصيل والسرد والاستطراد والتتابع مع مضمون الحادثة التى استمد منها مؤلفها مادته ، أى أننا شاهدنا فيها قصة دنشواى كما يعلمها الناس . وكما يحفظها التاريخ . وكما ترويها الصحف منقولة فى صميمها وجوهرها نقلا شبه فوتوغرافى. وهذه غلطة تتكرر من مؤلفينا رغم وضوحها ، وغنى عن البيان أن الحياة شئ والمسرح شئ آخر ، أو بعبارة أخرى هناك فارق كبير بين أحداث الموضوع كما جرت فى الواقع وبينها كما ينبغي أن تجرى على المسرح مكيفة تكييفاً مسرحياً ، وطبيعى أن المؤلف مطلق الحرية فى مشاكلة الواقع ولكنه مسئول آخر الأمر عن التأثير النهائى فى الجمهور ، ولا يتأتى ذلك إلا بوضع مضمونه فى إطار فنى .
هذه مسألة واضحة جداً ومعروفة جداً ، ولكن مؤلفنا - فيما يظهر - قد اضطر إلى الإسراع فى إنجاز روايته ليرضى مزاج الجمهور فى الظروف الراهنة التى يجوز أن لتنتهى وشيكا ، فاستعاض عن تكييف الواقع تكييفاً مسرحياً بتضخيم بعض أحداثه البارزة تضخيماً عنيفا ثائراً ، ومن ثم ضمن التأثير فى الجمهور ، ولم يعد فى حاجة شديدة إلى العناية الدقيقة بالالتزامات الفنية .
وقد ترتب على ذلك ان تصدع البناء الفنى فى روايته إلى حد غير ضئيل .
فنحن نلاحظ بسهولة أن التناسب بين فصولها ومشاهدها يكاد يكون معدوماً ، لا من حيث سياقها ، بل من حيث وحدتها . فالمفروض أن تبدأ الروايات من بداية نعلمها إلى نهاية علم أن لا مفر منها . وتتطور الأحداث والأفعال والشخصيات والمغزى خلال ذلك تطوراً حتمياً ومنطقياً ، وليس فى روايتنا هذه من ذلك شئ ملحوظ ، ولعلها أشبه ما تكون بحكاية ذات مشهد واحد بدأت بنصفه وانتهت بنصفه الآخر وتتابعت بين النصفين مشاهد أخرى مختلف عما قبلها وما بعدها واتصلت جميعها بفواصل يسمونها Bridge Passages فى حين ان مشاهد المسرحيات الممتازة
تبدأ ثم تنمو وتنمو حتى تبلغ الدروة . كذلك نلاحظ بسهولة كثرة " السموع " من الأحداث دون " المفعول " منها . ففى البداية نسمع مونولوجاً نقص فيه أنباء الإنجليز وشناعتها . وفى النهاية نسمع بطل الرواية يروى ما كان فى وثائق ولده بعد تمزيقها، وبين البداية والنهاية ، وهو صلب القصة ، نسمع لب الموضوع كله . وخلال ذلك نسمع الميكروفون يلقى علينا زجلا يستغرق مشهداً كاملا . ومعظم الأحداث الباقية نسمعها من الخارج بين طلقات الرصاص وأزيز الطائرات . . الخ .. . الخ .
على أننا رغم كل شئ لا ننكر ما يبذله المؤلف الأستاذ الرحيمى من جهد فى وضع ذلك كله فى إطار واحد ورسم الشخصيات بوضوح . ولئن كان قد عمد إلى إبرازها كنماذج نوعية بما لا يصح غالباً إلا فى الكوميديا ، إلا أن هذا لا ينفى أنه وفق فى تجسيدها ، وربما كان مما يؤخذ عليه هنا أنه صور بعض هذه الشخصيات تصويراً كاريكاتوريا كشخصين ( الشيخ ) و ( العامل ) بحيث دفع الجمهور إلى الضحك منهما فى مشاهد تستوجب أحداثها البكاء ، ولست أدرى إن كان هذا راجعا إليه وحده أم إلى المخرج أم إلى ممثلى هاتين الشخصيتين الذين التزما مظهريهما الضحك على طول الخط . حقاً أن المآسي لا تخلو كلها من مضحكات ، وكثيراً ما تجد فى التراجيديات الكبرى فترات من الترويج الضاحك ( Comic reliet) تدعو إلى الضحاك العابر لكى يتاح للمشاهدين شئ من الراحة ، ولكى يكونوا أكثر قدرة على متابعة المأساة بعد ذلك . ولكن ليس من المناسب أن تزيد هذه الفترات عن الحد المعقول
ولى أخيراً على المخرج ( الأستاذ زكى طليمات ) ملاحظتان : الملاحظة الأولى أنه أخرج المشهد الأول وهو عين المشهد الأخير إخراجاً واقعياً ، مع أنه حمل لواء الإخراج الإيحائى منذ عاد من أوروبا وبشر بمزاياه دون غيره .
والملاحظة الثانية أنه استعمل الميكروفون فى مشهد كامل ، ومعلوم أنه ليس من أدوات المسرح الأساسية .
وأغلب الظن أنه اضطر إلى هذا وذاك لضرورة ربما تكون خافية علينا ، ولكن مثلى فى مثل هذه الحالات لا يستطيع أكثر من أن يطالب أستاذه الجليل بشئ من التفسير والإيضاح .

