قبل كل شئ أحب أن أتحدث عن تقليد جديد ابتدعته فرقة المسرح المصري الحديث ، ومؤداء تقديم نشرات مطبوعة قبيل حفلات التمثيل ، الغرض منها إعطاء المشاهدين فكرة وافية إلي حد غير ضئيل عن موضوعات الروايات ومؤلفيها واتجاهاتهم الفنية . فهذا التقليد في غاية السداد .
ولا أدل على ذلك من هذه النشرة الخاصة بكوميديا البخيل التي قدمتها خلال عرضها على مسرح الأوبرا منذ قريب .
ثم في كلمة اخري للدكتور وهيب كامل - وأنتهز هذه الفرصة لتهنئته بسلامة العودة من اوربا بعد غيبة طويلة - إشارة موجزة إلى مدى حب موليير ثمن التمثيل وأثر ذلك في حياته . . وإلى مزايا مسرحياته وأهدافها ومعالم شخصياتها . . وإلى قيمة نثره الذي قيل عنه بحق إنه غاص بالعبارات الشعرية ، وبخاصة في المواقف التي تحتدم فيها العواطف ويستعر لهيبها . وإلى اثره في اللغة الفرنسية . الخ
ففيها تعريف بمؤلفها موليير العظيم وكيف يعتبر في مقدمة مؤلفى الكوميديا وفيها تنويه بموضوعها وكيف يعتبر صالحا في كل زمان ومكان . . وشخصياتها وكيف تجري الحياة فيهم بين أقوال وأفعال . . وبطلها ) البخيل هارباجون ( وكيف يعتبر نموذجا إنسانيا وفكاهتها وكيف تجري في غير افتعال . . الخ .
ثم في كلمة ثالثة للأستاذ زكي طليمات لمحات عن سر روعة مسرحيات موليير ومقدار حذقه وأسباب خلود آثاره في الأدب وفي المسرح وفي تاريخ النفس البشرية .
وهذا كله ليس بالأمر الهين .
ولكن يظهر - برغم ذلك - أن هذه النشرة أعدت على عجل ، بحيث كان من الميسور أن تكون أكثر استيفاء للموضوع وأكثر تحقيقا للفائدة المرجوة منها .
فمثلا فهمنا منها أن موليير ترجم الملحمة الفلسفية للشاعر لوكريتيوس . وقرأ أطرافا من فلسفة أرسطو ، وشارك في النشاط الفكري في عصره . حتى إنه كان ينافح عن مذهب ديكارت . . دون أن تعرف من هؤلاء ، وهل كان - أو لم يكن - لهم أثر في كوميدياته ؟ ولماذا ؟ وإلى أي حد ؟
كذلك فهمنا أن موليير مؤلف كوميدي ، ولكننا لم نعرف إن كان قد ألف أو لم يؤلف تراجيديات مثلا ، وما تحليل هذا أو ذاك ؟ . .
كذلك فهمنا انه لم يكن يتردد في اقتباس موضوعاته
من مسرحيات الأقدمين ، وقد نكون فهمنا أيضا أن لكوميديا البخيل مصدرا قديما ، ولكن ما هو ؟ ومن مؤلفه السابق ؟ .
وإذا فقد كان من الممكن أن تفيدنا هذه النشرة بأكثر مما أفادتنا به .
فأولا كان من الممكن أن تعطينا فكرة موجزة عن ) لو كرينيوس وأرسطو وديكارت ( . وربما يقال إن أرسطو وديكارت لا يكاد يجهلهما أحد . وأنا إذ أسلم بهذا افتراضا - افتراضا فقط - أعتقد أن كثيرين حتى من المثقفين لا يعرفون شيئا كثيرا عن لوكريتيوس " lucrctius ( بل إن المعاجم الكلاسيكية ذاتها تدلنا على أنه شاعر فلسفي روماني عاش بين عامي في ٥٥،٩٤ قبل الميلاد ، ولكن سيرته من السير التي لا نعرفها كل المعرفة . وعلى العموم فإن هذه النشرة إنما قصد بها اوساط الناس ، ولو قد قصد بها المثقفون العارفون المتخصصون لما كان فيما جاء بها كله جدوي لهم واذا فقد كان الأجدي ان تشرح بعض محتوياتها شرحا أوفي
وثانيا كان من الممكن واللازم أن يعرف الجمهور مصدر كوميديا البخيل ليعرفوا مثلا التغير الذي أحدثه موليير وأسبابه . وليس من الصعب على أذهان الناس أن يقال إن مصدرها هي كوميديا الشاعر اللاتيني بلوتس ploutus المسماة) الفيدر aulularia( ، وهذه بدورها ماخوذة عن ) ميناندر ( . وملخصها أن بخيلا يدعي ) اكليو ( وجد قدرا ماوية بالنقود مدفونة في بيته ، فظل حريصا عليها وحريصا في نفس الوقت على التظاهر بالفقر . وازداد هذا الحرص لدرجة أورثته الرعب ، وكان له بنت فاتنة تدعي ) فيدريا ( يشترك في حبها فني يدعي ) ليكونيدس ( وعمه ، ويدعي ) ميجادوراس ( . وتقدم كلاهما إلى البخيل يطلب زواج ابنته ، ولكنه - ظنا منه في طمع أحدهما في نقوده - يأخذ ) القدر ( من البيت ويخفيها في عدة أمكنة ، مكانا بعد اخر ، فيراه ذات مرة عبد من عبيد ليكونيدس الذي سرعان ما يستولي عليها أول الأمر ، ثم يعيدها إلى إكليو البخيل فيفرح بذلك فرحا شديدا
ونهاية الكوميديا مفقودة ، ولكن الراجح والواضح أن إ كليو يوافق على زواج ابنته من ليكونيدس الشاب . هذه هي الكوميديا التي اقتبسها موليير وخلقها خلقا
"جديدا ، ومن الحقائق التي ينبغي أن تذكر أنه لم يكن بدعا بين معاصرية في الاقتباس عن الرومان أو الإغريق ؛ فقد كان الجيل كله مولعا باحتذاء الأقدمين . وكان نجاح المسرحي متوقعا على مدى خضوعه لنظريات نقاد النهضة الإيطالية ، ومدى محاكاة الإغريق من أمثال سوفوكل ويوربيديز في التراجيديا ، والرومان من أمثال بلوتس وتبرنس في الكوميديا ، وإنما تميز موليبر لأنه استطاع أن يستفيد من الأقدمين ، ومن النوع الشعبي المعروف بال farce ، ومن النوع الإيطالي المعروف بالكوميديا المرتجلة ، وأن يبتدع من ذلك كله طرازه المعروف به .
على أن أهم ما كنت أوثر أن يذكر في هذه القشرة خصائص المسرح الفرنسي في القرن السابع عشر من حيث جمهوره وبناؤه ومواضعاته ؛ فإن كوميديات موليير مهما تكن صالحة لكل زمان ومكان ، إلا أنه لم يكتبها قبل كل شئ إلا لجمهوره وعصره .
وربما كان إغدال شرح هذا هو السبب في دهشة بعض جمهورنا وحبرتهم وتساؤهم عن أسباب مخاطبة بعض المثلين سرا لأنفسهم على حدة خلال بعض للشاهد ، أو عن توجههم بالخطاب إلى الجمهور ، أو عن طول بعض المونولوجات مما لا وجود له الآن في المسرحيات الحديثة . . فلو أن أحدا شرح لهم اصطلاحات المسرح في ذلك العصر كالانتحائية aside والمناجاة solioquy لما كان هناك محل لدهشة أو تساول
وكيفما كان الأمر فكل ما ابتغيه أن تزداد عناية فرقة المسرح المصري الحديث بهذه النشرات المسرحية ، وأن يعمم هذا التقليد الذي ابتدعته بين سائر الفرق التمثيلية ، فإن هذا عمل يفيدنا على الأقل من ناحيتين :
الناحية الأولى - كما أسلفنا - تنوير أذهان المتفرجين وتهيئتهم للمزيد من الفهم والتذوق
والناحية الثانية تعجيز أدعياء النقد والأدب الذين كانوا يضحكون على أذقان الناس بالنقد السطحي الذي يدور حول ) تلخيص الموضوع ( ، ثم بعض قشور يختطفونها من هنا ومن هناك . فإن هذه النشرات تغني عنهم .
ولئن كان تنوير أذهان الجمهور شيئا هاما ، فإن اختفاء غير العارفين عامل من عوامل ذلك التنوير ودعامة لا يستهان بها في تدعيم الفن ، وكلا الأمرين لازم للنهوض بالمسرح .

