الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 690الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, مركب النقص عند فيلمون

Share

هذه التمثيلية تعبر بوضوح عن تأثر الإنتاج الفنى المعاصر إلى حد كبير جداً بما تتأثر به الحياة من تيارات علمية . فلأول وهلة يدلنا عنوانها على صلتها بعلم النفس أكثر مما يدلنا على صلتها بفن التمثيل . وموضوعها ومضمونها يؤيدان هذه الدلالة كذلك كما سنرى . وما أظن أنه من المستغرب أن يكون لهذا العلم الحديث أثره العميق فى التفكير الحديث ... ولكن أليس من المستغرب أن يبلغ ذلك إلى حد اعتباره فناً أو اتخاذه مادة صالحة للفن التمثيلى ، ونحن نعلم أن المجال العلمى يختلف تمام الاختلاف عن المجال الفنى ؟ !

هذا هو أهم ما تدعونا هذه التمثيلية الممتازة إلى التفكير فيه .

والواقع أن لعلم النفس بالذات وضعًا خاصاً بالنسبة لفن التمثيل بالذات ، من حيث إنهما مشتركان في موضوع واحد هو الإنسان فى ذاته وفى استجابته لما حوله ، ومشتركان فى أهداف واحدة مؤداها استكناء النفس البشرية وسبر أغوارها وتحليل بواعث الإدراك ومكوناته ومثيراته فيها ، وتفسير انفعالاتها ومظاهر سلوكها ... إلخ.

من هنا تشعب الأختلاف بين الباحثين : فمنهم من يعتبرون التحليل النفسانى أثراً فنياً خالصاً ؟ لأن المحلل النفسانى لا تتلاشى شخصيته خلف الحقيقة التى يريد الكشف عنها ، بل يخوض بشخصيته كلها فى سبيل ذلك ويكون اتصاله مع الغير وجهاً لوجه . وبهذا يرتبط الطبيب والمريض بارتباطات مختلفة ؛ يحاول الطبيب بها أن يطهر المريض من أمراضه الداخلية ليحمل هو وزرها بطريقة رمزية ، ويجد المريض فيها قوة المثل العليا التى كان

يتصورها فيعكسها على الطبيب ، وهما فى هذا - كما يقول أنزيه دوديه - أشبه ما يكونان بشخصيتى " مأساة " يحاول كل منهما فيها أن يقرر مصير الآخر ، ويظل العلاج بينهما ضرباً من المغامرة الدراماتيكية .

ومنهم من يذهبون إلى عكس ذلك ، ويعتبرون التحليل النفسانى علماً خالصاً لأنه يدرس عادة بمنهج تعليمى ، ولأن له نتائج محددة يمكن وصفها بالصحة والخطأ ، كما يمكن وضعها وضعاً منظماً في مذاهب وفصائل وأبواب .

ومنهم من يقفون موقفاً وسطاً ، ويجيزون استضاءة المسرح بالضوء الذي يلقيه علم النفس على الحياة والأفراد والمجتمع ؛ على أن يكتفى بهذا الضوء وحده دون إقحام النظريات والنتائج والمصطلحات النفسانية ذاتها ، وذلك لأن المسرح ليس إلا مجتمعا مصغراً يصور حياة ويعبر عن أفراد .

وعلى الرغم من ذلك الاختلاف كله ، فالتمثيلية التى نحن بصددها لا تعتبر تأييداً فنياً لهذا الرأي أو ذاك ؛ بل هى مثل فريد في هذا المضمار . فهي تقحم هذه النظريات والنتائج والمصطلحات إقحاماً شديداً ، وهى مع هذا لا تدعو لها ولا تؤمن بها ، وإنما تسخر منها سخرية مريرة . وتنجح في هذا وذاك نجاحاً يؤكد فى النهاية صلاحية علم النفس للمسرح !!

ويتجلى هذا من مجرد المقارنة بينها وبين أصلها الأسطورى . فقد روت أساطير الإغريق أن الإلهين زوس وهرمز تنكرا في صورة آدميين ، وهبطا إلى الأرض فأعرض عنهما كل أغنيائها ، ولم يجدا من يستضيفهما سوى زوجين فقيرين هما : فيلمون وبوكيس . من أجل ذلك

تكافئهما الآلهة ، فأولاً تكتب لهما النجاة من طوفان يغمر البلاد ، فيغرق ما فيها ومن فيها عداهما ، وثانياً يوهبان طول العمر ويمنحان السعادة ويصبح مسكنهما معبداً ينصبان عليه كاهناً وكاهنة ، وثالثاً يموتان في يوم واحد ولحظة واحدة ، حتى لا يذوق أحدهما لواعج الحزن على الآخر ، ورابعاً يتحول وفاتهما إلى شجرتين باسقتين تنجدل أغصانهما وتلتف معاَ فى ضفيرة واحدة حتى يحظيا إلي الأبد بنعمة اللقاء والاعتناق ...

على هذه الأسطورة اعتمد المؤلف الفرنسي ( جان برنار ليك ) في تأليف تمثيليته  Le Complexe de Philemon   هذه التى توخي بها السخرية من نظريات علم النفس ، ولعله لا يقصد سوى السخرية من الإمعان في تطبيقها على جميع شئون الحياة وتفسير كل التصرفات على ضوئها تفسيراً متزمتاً . فهو يصور لنا داراً ريفية جميلة يعيش فيها ( فرانسوا ) وزوجته ( هيلين ) عيشة هادئة ، وما يكاد ينصرف الزوج لقضاء بعض شئونه حتى يدخل زائر عجيب يحملق فى كل شئ ويهتم بكل أمر ويقطب جبينه عند سماع كل لفظ ؛ وسرعان ما نعرف أنه المحلل النفسانى ( الأستاذ كوجلوف ) وسرعان ما يسأل عن أسباب وجود هذا البيانو وهذا التليفون وهذا الشطرنج معا فى غرفة واحدة ، وسرعان ما تجيبه الزوجة فى سذاجة وبراءة أن زوجها مشغوف بالموسيقى ماهر في الشطرنج كثير التحدث بالتليفون . إلى هنا وكل شئ يبدو مألوفاً ، لولا أن تسمعه يسألها بإلحاح أسئلة شتى عن مدى حبه لها ونوع تصرفاته معها ، فتدهش من هذه الأسئلة المريبة التى لا تجد ما يدعوه إلي إثارتها أو ما يدعوها إلي الإجابة عليها ، وتزداد دهشا حين يعتذر إليها من إقحام نفسه في خصوصياتها وإصراره في نفس الوقت على هذا الإقحام بحجة تعطشه إلى إسعادها وشفاء زوجها من مرضه العضال . ونتلهف لسماع إجابتها لأننا لا نعلم شيئا عن زوجها ، لكنا نراها تضحك ، إذ أن فرانسوا - كما تقول له - فارع الطول عريض المنكبين قوى البنية سليم الجسم . . . ثم تراه يضحك بدوره إذ أنه - كما يقول لها - لم يزعم أن زوجها على غير ما وصفت ، ولكنه مع هذا مريض بمركب النقص ، وليس أدل على ذلك من انهماكه في البيانو والشطرنج والتليفون ، فهذه

أعراض هذا المرض الخطير الذي يجهله الناس والمرضى والأطباء أيضا ، ولا يستطيع معرفته ومعالجته سوى المعالجين النفسانيين الذين يعرفون - وحدهم - أن للبشر بجانب العقل الظاهر عقلا آخر ينشد السرور واللذة ، ويسمى العقل الكامن ، وأن كل خاطرة تمر بالإنسان تحدث له عاطفة تنتهى برغبة ثم إرادة وتندس في ذلك العقل ، وأن تلك العاطفة إذا تجمعت معها عواطف أخرى كونت ما يسمي مركبات . . .

وتظل هيلين المسكينة منصتة إليه إلى أن يستنتج لها من وراء ذلك أن فرانسوا مريض بأحد هذه المركبات ، ولا سبب لانهماكه في البيانو والشطرنج والتليفون إلا أنه مكبوت العواطف .. إذ ذاك تقاطعه لتنبئه بأن زوجها ليس منهمكا فى هذه الأشياء بدرجة غير عادية ، فيخرج عندئذ من جيبه قلماً وأوراقاً ويسألها أن تسرد له كل ما يفعله بالتفصيل ؛ وفجأة يستوقفها - حين تملى عليه أنه قد يضع يده على البيانو أو على سماعة التليفون أو على قطع الشطرنج سهوا دون قصد - يستوقفها ليهمس فى أذنها بأن العقل الكامن يستنفد طاقته كلما سنحت له فرصة فتخرج على الفور وكأنها فلتات . وتضيق هيلين بهذه السخافات التى لم تفهم منها حرفا واحدا ، وتهم بمقاطعته للمرة الأخيرة ، فيؤكد لها في لهجة احتيالية أن شفاء زوجها يسعدها ويزيد من " حبه " لها ويحول بينه وبين هذه الأشياء التى تشغله عنها بعض الوقت ؛ فتنعكس الحالة في لمح البصر وتصبح هى الراجية السائلة وهو المرجو المجيب . فهى تتعجله أن يشخص الداء ويصف الدواء ، وهو يجيبها بأن العقل الكامن ينطلق عند النوم ويحقق رغباته في الأحلام . فما عليها إذاً إلا أن تسأل زوجها في الصباح عما رآه من أحلام خلال الليل . يجيبها هكذا ويخشى أن تعود إلى ارتيابها ، فيأخذ بيدها وينيمها على أريكة ويعيد الشرح عليها ، فتنهض وهي غير واثقة من شئ لولا أنها لا تجد مانعا من تصديقه طالما أن هذا سيزيد من حب فرانسوا لها . ويهم بالخروج فتلاحقه لتسأله عما تفعله إذا لم يحلم زوجها في هذه الليلة ، فيجيبها بأنها تستطيع أيضا شفاءه باستخراج ما في عقله الكامن من الأغراض التى يخفيها . ولكن كيف يتسنت لها ذلك وهى لاتدرى أين موضع عقله الكامن ؟ تقول له هذا في سذاجة فيطمئنها بأنها تستطيع معرفته بسؤال زوجها أسئلة شتى

متلاحقة وتسجيل إجاباته عليها ثم مواجهته بحقيقة مرضه وإشراكه في فهم علته إلى أن يتم شفاؤه . وهكذا ينصرف ( كوجلوف ) على أن يعود في اليوم التالى ويتركها فريسة للوهم والهواجس .

ويسدل الستار ويعود زوجها من الخارج في الفصل الثانى وفي يده لعبة صغيرة فتحملق فيه وفيها وتطيل النظر إليها، ولا تلبث أن تعيد عليه ما قاله المحلل النفسانى ، وتأخذ بيده وتنيمه على الأريكة كما نامت من قبل وينهض فرانسوا وهو لا يشك إلا فى عقلها وعقل هذا الطبيب المجيب ، ويروح ويجيء في الدار فيلحظ أن نظرات زوجته تخترمه دائماً وأن خدمه يتابعونه حينما ذهب ، فقد سمعوا أيضاً ما قاله الزائر ،

وكانوا كلما سنحت لهم فرصة يضطجعون تباعاً على الأريكة ذاتها ، وكذلك يتسامع الأقارب والأصدقاء بأمره ، فيغدون واحداً بعد واحد ولا هم لهم إلا أن يرصدوا حركاته ، فيطير صوابه ويتحاشى لقاء الناس ويحجم عن مجرد النظر إلى الشطرنج ويفزع إذا ما سقطت يده عفواً على البيانو ويهرع إلى التليفون كلما رن جرسه ليقول لمحدثه إنه غير موجود أو إن الرقم خطأ ! ؟

ويسدل الستار ويعود المحلل في الفصل الثالث ليشهد بعينيه كيف انقلبت الدار رأساً على عقب وأصبحت جحيما لايطاق ، وكيف تنافر الزوجان وكاد يذهب عقلهما فعلا ... وأخيراً تضيق هيلين بالأمر ويؤلمها ما انتهى إليه حالهما وتؤثر أن تعود إليهما حياتهما الساذجة الأولى ، فتهجم على الشطرنج ونقذف ببعض قطعه من النافذة ويتبعها فرانسوا فيقذف بسائر القطع ويقبل كلاهما على الآخر وينصرفان إلى غرفة أخرى تاركين ( الأستاذ كوجلوف ) يترقب عودتهما ... ولكنهما لا يعودان .

وهكذا تنتهى هذه التمثيلية الطريفة التى لا تصعب مطابقتها على أصلها الأسطورى وإن تباعدت أطرافهما . فعلى الرغم من أن الأسطورة تقوم على زوجين عاشا سعيدين ، وتقوم التمثيلية على زوجين عاشا شقيين ، إلا أنه من الممكن أن تعتبر أنهما هما هما في الحالتين دون تغير في ذاتهما ، وإنما تغيرت حياتهما أو أسلوب حياتهما . بل من الممكن أن تعتبر أنهما في حالتهما الأولى كانا مريضين بمركب النقص

أيضاً ؛ ولكن - وهذا هو سر سعادتهما - بلا دراية بهذا المرض ولا تفكير فيه ولا تحليل له ؟ والدليل على ذلك أنهما - دون سائر الأغنياء - أكرما وفادة الإلهين وهما فقيران يستحقان العون والإكرام .

ومهما تكن خطورة النظر إلى التراث القديم بمناظير حديثة لم تخلق لها إلا أن هذا لا ينفى براعة المؤلف ، سواء فى اختيار هذه الأسطورة التي تناسب موضوعه أو فى تجديدها تجديداً فنياً خليقاً بالتقدير . فقد بلغت براعته غايتها - من الوجهة الموضوعية - فى تصوير ما بينهما من مفارقات وفي تعليل أسبابها ؛ وكل ما يؤخذ عليه في هذا الصدد أنه لم يوفق بهذه الدرجة في تدارك هذه الأسباب ؛ فمن غير المعقول أن يكون الحل الذي اهتدى إليه بطلاه لحسم شقائهما مثلا يحتذى في عصرنا الراهن الذي يعتز كل الاعتزاز بأبحاث علم النفس ونتائج التحليل النفسانى كحقائق لا مناص من تقبلها ؛ ولعل أقصى ما يطمع فيه أن تجاريه في قلقه من الخضوع لها خضوعاً كلياً أو خضوعاً مغالى فيه . ومن هنا كان توفيقه فى وضع تمثيليته فى إطار فنى محكم لأنه جسم هذا الخضوع تجسيما جعل من سيطرة علم النفس الحديث على الحياة الحديثة قوة جبرية كادت ترهق التفكير وتقيد نشاطه وتحول بينه وبين ممارسة شئون الحياة .

كذلك بلغت براعته غايتها - من الوجهة الفنية - في تخطيط المجال المسرحى تخطيطاً دقيقاً أتاح لشخصياته سهولة التعبير على الرغم من ضآلة المجال ذاته ؛ ولو أنه اهتم بالصراع الحركى كما اهتم بالصراع الذهنى لبلغ ذروة الكمال .

كيفما كان الأمر فإن هذه التمثيلية تثبت جدارته بين المحدثين الذين امتلأ المسرح الفرنسى بتجاربهم وتجديدهم .

وإنه ليؤسفنى أن تكون آخر ما اتحدث عنه هذا العام من تمثيليات الموسم الأجنبي ؛ فقد سافرت فرقة ( جان مارشا ) بعد ما أدت واجبها كاملا ، وشاءت الظروف أن تحول دون مجيء فرقة ( الكوميدي فرانسيز ) التي كان مفروضاً أن تعقبها ، وانتهى ذلك الموسم الحافل الذى أعطانا فى الفن التمثيلى دروساً بليغة ، وهيأ أذهاننا للتفكير فى مشكلات ودقائق فنية جديرة بالتفكير .

اشترك في نشرتنا البريدية