مسألتان في مقال :
جاء في مقال الباحث الفاضل الدكتور الاهواني بالعدد ٦٢٨ عن ( مسرح المجتمع ) ما نصه : " التمثيلية دخيلة على الأدب العربي ولم ينقلها العرب في عصر الترجمة مع ما نقلوا من فلسفة اليونان وعلومها ، ولذلك كان توفيق الحكيم صادقا في قوله إنه يريد أن يعمل على إقرار هذا الضرب من الأدب في لساننا ، ولن يستقر هذا اللون الجديد إلا إذا تعدد الأدباء الذين يؤلفون بهذه الطريقة ، وإلا إذا مثلت هذه المسرحيات على المسرح حتى تصبح قطعة من الحياة . . ولكن المسرح المصري مع الأسف لا يزال طارئا على الحضارة الشرقية لم يلقي التأييد من الجمهور " .
وهذا كلام جميل ومفيد . لكنه يتطلب مزيدا من البحث لتعم الفائدة المرجوة منه . فالقول بأن التمثيلية دخيلة على الأدب العربي قول صحيح لا خلاف عليه . وإنما ينبغي أن يتتبع ذلك أن نتساءل : ولماذا لم ينقلها العرب فيما نقلوا عن الإغريق ؟ .
ويتصل بذلك ، القول بأن للمسرح لا يزال طارئا على الحضارة الشرقية ؟ فهو أيضا قول صحيح ، ولكنه يستلزم الإدانة عن الأسباب والعلل .
تلك هي المسألة الأولى التي اعتقد أنا في حاجة إلي تفسيرها إذا كنا حقا نريد أن نعمل على إقرار هذا الضرب من الأدب في لسانا قبل كل شئ . ولقد سبق لي أن تناولت هذا الموضوع أكثر من مرة ، وحاولت معرفة رأي نقادنا وباحثينا فيه دون جدوي . فهل أطمع في أن أعرف رأي الدكتور الأهواني ؟ !
أما المسألة الثانية فيشيرها ماجاء في نفس المقال : ( وتنتقل إلي سر ثالث يمتاز به فن الحكيم ، هو عنصر للفاجأة من
أول التمثيلية إلى آخرها فقد درجنا في الأدب العربي أن تقرأ الأقاصيص ؛ فتحس وانت تقرأ " الحكاية " أنك تعرف نهايتها . ولكنك لا تستطيع إذا بدأت لقرأ تمثيلية من تمثيليات الحكيم أن تعرف ماذا يأتي بعد ذلك ولا كيف تطور الحوادث ولا كيف يجيب المسئول ، وهذه هي العلة في المدة التي تحسها عند قراءة تمثيلياته والشوق الذي يدفعك إلى الاستمرار في القراءة دون انقطاع . . )
فهل معني ذلك أن عنصر الفاجأة المستمر يعتبر من مميزات التأليف المسرحي بحيث لا يبلغ درجة الامتياز بدونه ؟ فما الرأي إذا في المسرحيات الإغريقية التي لا تعرف الفاجأة ولا التشويق بذلك المعني . وهي مع هذا أروع ما يعرفه الفكر البشري في تاريخ المسرح ؟ .
إنني لا أبتغي من وراء ذلك كله أكثر من أن احض على عمور الجمهور بمثل هذه المسائل الدقيقة ؛ إذ أن في إثارة التفكير حولها ما يعينهم - وإيانا - على فهم هذا الفن العريق فهما صحيحا .
المسرح بعد نصف قرن
انتهز بعض نقادنا فرصة بداية هذا العام - وتصادف أن كانت ايضا بداية النصف الثاني من هذا القرن - فأخذوا يدمجون المقالات المطولة عن مستقبل الفنون . ويتنبأون بمصايرها . وكان من أنجب ما أجمعوا عليه أن المسرح سيزول عام ٢٠٠٠ وستحل محله السينما
قد يكونون غير جادين كل الجد ؛ إذ اعتادوا دائما محاولة إشباع القراء ( بالطرائف واللطائف ) لكن الأسلوب التأكيدي الذي اصطنعوه والبراهين - المنطقة - التي استندوا إليها . وسهولة انطلاقها على اوساط الناس . . كل هذا يدفعني إلى مراجعتهم على الأقل .
وقيل كل شئ أحب أن أذكرهم بأن هذا التكهن ليس من ابتداعهم ، وإنما نقلة بعضهم عن مجلات أمريكية لا هم لها سوى الدعاية للسينما ، وسمعه البعض الآخر من ( المستر هولوواي ) حينما جاهر به في محاضرة عامة ألفاها في العام الماضي ، وخلاصتها أن المسرح سيفقد مكانته بسرعة ليفسح الطريق للسينما .
والواقع أن المسرح - ككل فن - تمر به فترات من الانحطاط ، ولكن الحكم يزواله نهائيا وجم بالغيب ينبغي أن يقابل بحذر شديد .
ولست أدري لماذا تتبع المجلات الأمريكية وتصدق ( المستر هولوواي ) ولا تصدق من يقولون بغير رابه وبعكس رأيه من أعلام الأدب والنقد في أوربا ، مثل ( ديهاميل ) و ( نيكول ) و ( بريستلي ) .
فديهاميل مثلا يقول : إن السينما ليست من الفن في شئ .
ونيكول يعجب ممن يفاضلون بينها وبين المسرح وعنده أنها مفاضلة مستحيلة إلا إذا جازت المفاضلة بين الصور والرسلم والنجات والموسيقي .
" وبريستلي يقرر العودة إلى المسرح والتأليف المسرحي ويعتبر قصصه التي لم تكتب للمسرح عملا نافعا ما كان ينبغي أن يضيع فيه ما أضاعه من سنوات .
ولا جدال في أن خصائص الحضارة الحديثة ومقوماتها التي تأثرت بأساليب العصر الميكانيكية قد أصبحت تختلف بصفة عامة عنها في العصور السالفة ذات الطابع الهادي . وكل هذا على حساب الفن والفنون بقدر ما ، ولكن ليس معنى ذلك أن الحياة كلها أصبحت خاضعة خضوعا مطلقا لتلك الأساليب ، فما يزال الإنسان إنسانا ، وما تزال له مميزات نفسية وذهنية ، ولو قد جارينا الرأي القائل بانتهاء عهد المسرح لعدم تناسبه مع آلية العصر الحديث لأمكن كذلك ان تتكهن بأن فنون الرسم والتلوين والتصوير ستقضي عليها الفوتوغرافيا ، وفنون الأدب ستطيح بها نظريات الجبر وجداول الوغارتمات ، إلى غير ذلك مما يخيفنا على مستقبل الإنسان إذ أن في طغبان الماديات على المعنويات اندحارا للقيم الإنسانية
إنني أرجح أن في تكهن المتكهنين من نقاد الغرب بسوء مصير المسرح تحذيرا لعشاقه ، ودعوة ضمنية إلى اصلاحه . .
وكنت أود أن تكون تكهنات كتابنا ونقادنا من هذا القبيل ولو تشجيعا للقائمين على أمر المسرح المصري الذين بذلوا في الموسم الحالي جهدا منقطع النظير
ولكن ما الحيلة ونقادنا " صحفيون " من طراز عجيب فهم لا يريدون أن يصدقوا أن الصحافة ثقافة وليست مجرد طرافة ولطاقة ؟ . .
مع فرقة المسرح الحديث :
تفضل الأستاذ زكي طليمات بدعةتي لحضور حفلة الشاي التي أقامها في فندق سميراميس منذ أسبوعين تكريما للصحافة التي أولت فرقته الناشئة عنايتها من جهة ، وبمناسبة موسمها بمسرح حديقة الأزبكية من جهة اخرى ، وقد لى الدعوة جمع كبير من قادة الفكر والمعنيين بشئون الفن عامة والمسرح خاصة ، ثم تعاقب الخطياء ، فكان من أبرز ما قاله فكري أباظه باشا أنه يأخذ على مؤلفينا قلة عنايتهم بمشكلات العصر الحاضر ، وكان من أبرز ما قاله معالي صلاح الدين بك أنه يجد - على طول الخط - تخفيض ثمن شهود المسرحيات حتى تكون في متناول كل الطبقات ، كما يجد مضاعفة الإعانة المالية للعرق التمثيلية ، ثم كان من أبرز ما قاله الأستاذ زكي طليمات انه يرحب بالقدح مثلما يرحب بالمدح ما دامت لهذا أو ذاك مسوغاته.
وكان من الملحوظ إجماع الحاضرين على مطالبة مؤلفينا بالاهتمام بحياتنا ومشكلاتنا الاجتماعيه والقوميه بدلا من الاهتمام بالأحداث التاريخيه، وهذه في الحق مسألة دقيقة أرجو أن أعود إلي مناقشتها .
وبعد فحسب الأستاذ زكي طليمات ان اتاح لي مشاهدة فندق سميراميس - من الداخل - والتمتع بمباهجه حينا من الدهر كنت فيه شيئا مذكورا .

