الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 630الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, مسرح الجامعة - الموسم المسرحي الأول - شجرة الدر

Share

مسرح الجامعة :

حفل أسبوع العيد الفضي لجامعة فؤاد الأول بشتي مظاهر نشاطها العلمي والأدبى ، لكنني مع هذا تعقدت - بلا جدوي - أوجه نشاطها الفني بصفة عامة والمسرحي بصفة خاصة ، وخشيت أن تكون نظرة جامعتنا العتيدة إلى المسرح شبهة بنظرة أوساط الناس إليه كوسيلة من وسائل التسلية والمتعة لا أكثر .

والحق اني كثيرا ما كنت أسمع عن حفلات تمثيلية يقيمها بعض خرجي وطلبة كلية الآداب ويقدمون فيها بعض الروائع الشيكسبيرية ، وإذا فلم لم يشتركوا في تلك الاحتفالات التاريخية التي دعي إليها عدد وفير من العلماء والأدباء وقادة الفكر من مختلف الأقطار . وهم بلا ريب ممن يدركون حق الإدراك قيمة المسرح كأدب وفن وأداة ثقافية ؟ !

أتراني بعد هذا في حاجة إلى المطالبة بإنشاء مسرح جامعي ليتسني لجامعاتنا النهوض بما ينبغى أن تنهض به في سبيل توطيد هذا الفن في بلادنا أسوة بما فعلته وفعله جامعات الأمم المتحضرة ؟ !

إن المسرح الأوربي لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه الآن ، لولا الكلاسكيون - أي المدرسيتون - الذين احتفظوا بالأوضاع الفنية الإغريقية حبلا بعد آخر على مر العصور إلى أن استثمرها مؤلفو عصر النهضة ، ثم مؤلفو المسرح الحديث من بعدهم .

فنحن نجد مثلا أن الراهبة Hrotswitha قد كتبت في القرن العاشر بعض تمثيليات إن تكن دينية في مغزاها ،

إلا أنها متأثرة بالشاعر اللاتيني Terence من حيث القوالب الفنية

ونجد أيضا أن الكتاب (الإنسانيين Humanists) وهم مدرسيون أيضا قد حاولوا محاولات كثيرة لترجمة أو محاكاة النماذج الإغريقية والرومانية وفهم قواعد بنائها ، وأمضوا في الفصل بين أنواعها وتمييز كل نوع منها حتى استقرت في القرن السادس عشر في أوضاع معينة ومحددة أشهرها :

١ - الكوميديا Regular Comedy  . ٢ - التراجيدبا  .Reguiar Tragedy. ٣ - التراجيكوميك Tragi comic . ٤- التاريخية Chronicle Histories

وعالي بعضهم فحرم اختلاط نوع بآخر أو التصرف الشكلى أو الموضوعي على أى نحو ولكن المعتدلين منهم أتاحوا لأنفسهم شيئا من الحرية ، حتى لقد عمدوا إلى إخفاء (الكورس Chorus ) القديم واستبدلوا به رموزا خرساء مقتبسة من نماذج إيطالية ، وبهذا مهدوا لتطور الدراما عقب ذلك مباشرة تطورا كبيرا .

أما المدرسون الجامعيون Univessity Wits في انجلترا وقتئذ فأثرهم أشهر من أن ينوء به وحسبنا أن نعلم انهم هم الذين هيأوا المادة والشكل والمثال لشيكسبير ذاته:

فمن (بيل peele ) تعلم كيف يمزج روح الفكاهة بالواقع

وعن (مارلو Mariowe) تعلم كيف تتولد النشوة من الإحساس بالعظمة التى تصاحب شخصية البطل وتفصح عن نبله الجوهري

عن (كيد kyd ) تعلم كيف يصور الصراع الداخلي في البطل كما هو الحال في شخصية هملت

وعن (ليلي Lyly) نعلم كيف يخلط العالم النموذجي بالعالم الواقعى كما هو الحال في رواية as you like it الخ.

هذه كلها إشارات إلي بعض فضل المدرسين على المسرح .

" وإذا أراني - مرة اخري - في حاجة إلى المطالبة بإنشاء مسرح جامعي ؟ .

الموسم المسرحي الأول :

منذ أسبوعين انتهى الوسم المسرحي الأول . وأعتقد أن هذه هي خير فرصة لمراجعة إنتاجنا الفنى لندرك - على الأقل - مواطن الضعف ونعمل على تلافيها .

ويجدر بنا قبل كل شىء ان نذكر ان من أهم احداث هذا الموسم ميلاد فرقة مسرحية جديدة ، هي فرقة المسرح المصري الحديث . ومهما يكن رأي النقاد في هذه الفرقة فما أظن أن أحدا يستطيع نكران ما أحدثته من أثر في المسرح المصري

لقد كان جل اعتمادنا على فرقة واحدة تعتمد بدورها اعتمادا كبيرا علي اجتذاب رضاء الجمهور وتملق عواطفه . ولذلك ظلت تصطرب بين تقديم روايات غير ذات قيمة فنية كبيرة ، وبين تقديم مسرحيات لها قيمتها دون منهاج معين .

ومن جهة اخري كان معهد التمثيل الذي استرد وجوده منذ خمسة أعوام يخرج طوائف من النقاد والممثلين المثقفين المتخصصين ، ثم لا يجدون لهم متنفسا يحققون فيه عمليا ما تلقنوه نظريا

من أجل هذا وذاك ومن أجل الظروف التي لابست حياة المسرح المصري في اعوامه الأخيرة . فكر ولاة الأمور في تطعيمه بشباب جديد ودم جديد وثقافة جديدة فكانت غرفة المسرح المصري الحديث

ولكن إلى أي حد وفقت وما مدى النجاح الذي اصابته في تحقيق ما وجدت من أجله ؟

إنني وإن كنت قد تحدثت قبل ذلك عن الروايتين

اللتين قدمتهما إلا أني أرمي أن خير ما يوضح هذا هو أن نقارن بين حالة مسرحنا قبل وبعد وجودها . والرأي للنقاد الأفاضل أما أنا فأوتر الانتظار حتى ينتهي موسمها التالي الذي سيبدأ في أول فبراير القادم بمسرح الأزبكية.

وأعود الآن إلى الحديث عما قدمته الفرقة المصرية ، فأحمد لها مضاعفة نشاطها ومثابرتها ، ولكنني برغم هذا اصارحها - والصراحة هنا واجبة - بأنها لم تستثمر مقوماتها الخاصة بها بالقدر الذي كنت أريده لها والذي طالما كتبت عنه من قبل فقد كنت أرجو أن تختط خطة تتناسب مع عناصرها وتنهج نهجا (شعبيا) يغاير نهج شقيقتها ، أي أن تقدم مثلا روايتها باللغة العامية وتدور موضوعاتها حول معان ذات صلة بوجدانيات الجمهور .

أما وقد آثرت تقديم رواية تاريخية يدور الحوار فيها بالشعر المنظوم المنغم، ثم رواية مترجمة عن الفرنسية من تأليف كاتبة عصرية ، ثم رواية مقتبسة ، وكلتاهما من طراز لا يتناسب مطلقا مع الجمهور ، ثم روايات مثلها قبل ذلك مرارا في الأعوام الماضية . فليس لي إلا أن أعاود نصحها بأن تستثمر مقوماتها الخاصة بها الموقوفة عليها .

ومع هذا أحب أن أبصرها بالمآخذ التي لاحظتها على رواياتها بادئا بأولاها وأكثرها رواجا (شجرة الدر).

شجرة الدر:

من الصعب أن نقيس أية رواية مصرية بالأقيسة الفنية الدقيقة ، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن هذه الرواية صدمتني أكثر من مرة :

صدمتي منذ استهلالها بعراف يتنبا بمصير شخصياتها ويتحقق بعد ذلك هذا التنبؤ .إننا نريد أن تنتشل الشرق من هذه الغبية التي تحول بينه وبين الوعي بالحياة ، ذلك الوعي الذي انهض أوربا من كبوتها .

وصدمتني في بنائها الفني بسبب استخدامها الميكروفون في اختصار الحوادث فالمعروف فنيا أن للمسرح وسائله الخاصة ، المميزة له عن غيره في هذا الصدد وربما كان من أهم هذه الوسائل (ستار المقدمة) الذي يمكن لمسرحي الماهر ، بواسطة إسداله ثم رفعه ، أن يعبر ما يشاء من الفترات الزمنية بالغة بما بلغت من الطول .

وصدمتني في حوارها الخطابي وشعرها الملئ بالحكم مثل:

هي النار إن عزنا حسمها         فنحن الطعام لها والوقود

فيا غفلة الدهر كم تؤثرين       الغبي وكم تكرمين الجبان

الحلم إن يوضع محل القنا        تعذر الأمر على المصلح

وصدمتني في قلة عنايتها بالحركة المسرحية . ولا أقصد بها تحركات المجاميع على خشبة المسرح ، وإنما اقصد ما اشتملت

عليه من حكايات تحكي دون إبراز ما يجب أن يبرزه المسرح من (فعل ورد فعل).

وأخيرا صدمني حيلة المؤلف الفاضل في صياغتها الفنية . فقد عمد - كما يعمد كبار المؤلفين - إلى (مسرحة) التاريخ ولكن بطريقة غير عميقة . وأظن أني في غني عن ضرب الأمثال .

ولي عودة إلى سائر الروايات

اشترك في نشرتنا البريدية