الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 671الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, مسمار جحا

Share

هذه رواية ألفها الأستاذ الفاضل على أحمد باكثير . وأخرجها الأستاذ الكبير زكي طليمات ، وافتتحت فرقة المسرح المصرى الحديث موسمها الحالي بها ، وبذلك تكون قد بدأت عامها الثانى بالأتجاه نحو الروايات المحلية بعد أن اعتمدت الروايات الغربية معظم عامها الأول .

وإننى وإن كنت أرحب بهذه الخطوة على أساس أنها تتيح لمؤلفينا فرصة التطبيق العملى ، إلا أنني أخشى أن نستطرد في ذلك استطرادا مطلقا ، فنحن لا نزال في حاجة قصوى إلى فهم الأوضاع المسرحية وهذا لايتأتى إلا بتمثيل المترجمات الممتازة .

على أنني أرجو الا يفهم من هذا أنى أقصد أى مساس بقيمة الرواية التي نحن بصددها . فكلامى ينصب على المبدأ . وهذه الرواية بالذات من أكثر رواياتنا صلاحية - على الأقل - لإثارة التفكير فى التأليف وفى براعته وغايته وكيفيته ... إلخ ... إذ أن مؤلفها قد نحا منحى جديدا ، سواء فى المادة أو الموضوع أو الهدف . فقد اتخذ إطارها من نوادر وحكايات متواترة ، وصب فى هذا الإطار مضمونا يخالف مضمونها الأول ، واصطنع فى ذلك أسلوب الرمز والتورية والتعمية ، كل هذا ليصل إلى غاية " وطنية " هى كل ما هدف إليه ، لأنه - كما يقول - قد شعر بأن على الأديب العربى رسالة لا يستطيع أن يقوم بها غيره في معركة التحرير لتخليص الوطن العربي من الاحتلال الأجنبى ، وظل يعوزه الاهتداء إلى الموضوع الذى يصلح أن يتخذه إطارا فنيا لهذه الفكرة الجليلة ، إلى أن تصفح ذات يوم كتابا عن نوادر جحا ، فما إن بدأ في تفهم هذه الشخصية من خلال نوادرها المتعارضة المتناقضة حتى وجد فيها ضالته التى كان ينشدها .

وهكذا ارتسمت في ذهنه الخطوط الأولى لشخصية بطل مسرحى فأقام عليها روايته .

وبديعي أن هذه كلها أمور تستلزم المناقشة الدقيقة . أما من حيث الفكرة فليس فينا نحن الشرقيين من يمارى فى أنها فكرة جليلة حقا في ذاتها وغاياتها وبواعثها ، غير أننا يلتزم أولا أن نعرف إلى أى حد تصلح للأداء المسرحي ، ثم إلى أى حد استطاع المؤلف إخضاعها لمتطلبات هذا الأداء .

ومع أننا قد نجد ناقدا مثل هكسلى يقسم الحقائق إلى حقائق كبرى سرمدية وحقائق صغرى عابرة ، ويقصر المعالجة المسرحية على الفصيلة الأولى ولا يدخل الأمور الطارئة ضمن نطاقها . . ومع أنه من الواضح أن استعمار الغرب للشرق ليس إلا أمر اطارئا ربما يحدث عكسه غدا مثلا ، وهو بهذا الوضع لا يصلح مادة مسرحية . . . إلا أن إحساسنا الشديد بنكبة الاستعمار يجعلنا نعرض عن رأي هكسلى هذا ، ونتشبث برأي غيره من النقاد ممن يرون أن " أى شيء " يصلح مادة للمسرح مادام يحس به المؤلف إحساسا يبلغ به عنده إلي درجة عميقة تؤهله لأن يكون " تجربة " بشرية .

وبذلك يمكننا أن نقرر أن فكرة مؤلفنا صالحة للمسرح ، ولكن يجب أن نضع نصب أعيننا أن لا شئ مطلقا يعفينا من محاسبته على مدى إخضاعها للأوضاع المسرحية .

وصحيح أن ليس للمسرح أوضاع محددة تحديدا يحتم على المؤلف أن يلتزمها التزاما صارما ، فقوالبه وأشكاله مثلا تختلف باختلاف أغراضه وهذه تختلف بين عصر وعصر أو بين جيل وآخر باختلاف العقائد والآراء والإيديولوجيات . . لكن المسرح على التحقيق - كما لكل فن - قيودا فنية تحددها وتتحدد بها خصائصه وأدواته وأهدافه الخاصة به

وحده ، وهذه هي التي تكيف الصورة النهائية التي تبدو فوق خشبة المسرح ، والمهم أن هذه القيود - إن صحت هذه التسمية - ليست مفروضة عليه ، وإنما هي مستمدة من طبيعته ، ولذلك لاتتغير في جوهرها باختلاف العصور والأجيال، ومن ثم يتعين على المؤلف حيثما كان أن يتقيد بها بحيث يبدو أثرها فى صورته النهائية أى فوق خشبة المسرح .

ومؤلفنا قد صور لنا ( جحا ) واعظا في مسجد يحاول أن يبصر عامة الناس بسوء حالتهم بأسلوب فيه جانب كبير من الرمز والتورية ، لأن البلاد رازحة تحت وطأة حاكم أجنبي يحكمها حكما استبداديا بواسطة أعوان من الخونة والانتهازيين ؛ وسرعان ما يوشى به ويعزل فيدبر ثورة شعبية لا يجد الحاكم وسيلة لإخمادها سوي ترضيته وتوليته ( قاضى قضاة الدولة ). يعيش بعد ذلك منعما مترفا ، لكنه في دخيلة نفسه يشعر بالندم وما يزال يؤنبه ضميره لإيثاره المنفعة الشخصية على مصلحة الشعب ، فيحتال على إثارة الجماهير مرة أخرى بتدبير قضية وهمية يمثلها أمامهم ليبين لهم أن بلادهم مغتصبة وأن المستعمر يسوغ بقاءه فيها بذريعة واهية فيثورون وينتصرون .

هذا مغزى ما تصوره ( مسمار جحا ) . و نحن إذا قارنا ذلك بما ينبغى أن يصوره المسرح لانتهينا - كما يخيل لى - إلى أن مؤلفها الفاضل قد أخلص إلى إبراز فكرته أكثر مما أخلص لوضعها فى إطار فنى ؛ وكأنه - بدافع من حميته وتجاوبه مع الظروف الراهنة - لم يرد شيئا سوى إبرازها .

فالمسرح يصور - كما يقول تشارلتن - القوانين الكونية العليا التى تتحكم في أقدار البشر ويضع التمرد في محك الأبدية المطلقة ليرى إن كان متفقا مع روح الكون بأسره .. أو يصور مجتمعا بشريا خالصا ، ويضع الفرد على محك الإدراك الفطري والبديهة السليمة ليرى كيف يتصرف بما يتفق مع أوضاع ذلك المجتمع . . أو يصور - كما يقول وليم أرتشر - إرادة إنسان يصارع القوى التي تخده وتقلل من شأنه ." إنسان - وليكن أحدنا - يأتي به حيا علي المسرح ، وهناك يناضل ضد القضاء او ضد القوانين الاجتماعية أو ضد مجتمع حوله او ضد نفسه إن دعت الحال أو ضد شهوات الذين يعيشون معه "...

وليس في رواية مسمار جحا من ذلك شيء ملحوظ .

وعلة هذا أن مؤلفها ( أولا ) قد وضع في ذهنه النتيجة التي يريد الوصول إليها قبل أن يضع المقدمات . أى وضع في ذهنه أن ( جحا ) لابد من أن ينتهي في الرواية إلي إشعال ثورة علي الاستعمار . ثم تحايل على وضع أحداث تؤدي إلي ذلك . وهذا عكس الوضع المسرحي الصحيح . فالرواية المسرحية يجب أن تبدأ ثم تتطور ، بحيث تكون كل نقطة فيها نتيجة حتمية للنقطة التى قبلها . وهكذا حتى تنتهي إلى نهاية حتمية لامفر منها ، لأنها مترتبة منطقيا على ما قبلها .

ثانيا : حاول أن يحل تعقيدات الرواية بحلول افتعالية ؛ فمثلا أدار مناقشة بين جحا رمز الوطنيين وبين الحاكم رمز الاستعماريين وجعل كلا منهما يسوغ موقفه ، إلى أن قال الحاكم : إن الاستعمار يعصم الشرق من المبادئ الهدامة ، فعندئذ أجابه جحا بأن ديننا هو خير عاصم لنا منها . وطبعا هذه حقيقة ، وأنا مؤمن بها . ولكن وجه الافتعال هنا هو في ذكرها دون تمهيد لها . ودون أن يستنطق الحوادث بها .

وثالثا : قصر معظم اهتمامه على شخصية ( جحا ) فلم يكد مخلو منه مشهد واحد ، ولم يكد ينطق إلا بالحكمة وفصل الخطاب ، فضلا عن أنه احتفظ له بسماته ونوادره التى بروبها عنه الرواة ، وبذلك صور لنا ( جحا ) الذي تعرفه عامة الناس بدلا من أن يصوره مسرحيا .

ورابعا : أكثر من سرد العبارات الفكاهية والخطب الخماسية والمونولوجات الوعظية والمناظرات التى يدور الصراع فيها نكتة ونكتة ، أو بين خطبة وخطبة دون أن يعير اهتماما كبيرا لما يقوم عليه المسرح من ( فعل ) و ( رد فعل ) .

كل هذا ونحوه وما عساه أن يكون مفهوما من قبل وهو أن الفكرة أصلا ذات مضمون محلي . وأن المقصود هو إبرازها دون أى اعتبار آخر - كل هذا قد صبغ الرواية بصبغة محلية . وأنزلها إلي حيث لا تعتبر سوي مجرد وسيلة لإبراز فكرة خاصة ، وأضعف بناءها الفني حتى بحث أقرب ما تكون إلي تابلوهات وحكايات ومشاهد موصولة ببعضها . وليست موصولة بالسكون أو المجتمع البشري الكبير

ومؤلفنا بلا جدال يعلم أن مثل هذا مما ينال من قيمة العمل المسرحي . وكلنا نعلم مثلا أن المسرح الفرنسي قد

انخفضت قيمته في القرن الثامن عشر عنها في القرن السابع عشر ، لأن المؤلفين وقتئذ أخذوا منه وسيلة لنشر المعرفة وتفسير النظريات السياسية والاجتماعية .

وصحيح أن يرنارد هو استخدم مسرحه في نشر أفكاره ، حتى لقد سميت رواياته comedy of purpose ، أى الكوميديا ذات الهدف ، ولم يضعف ذلك من قيمته الفنية لان السبب في هذا أنه التزم الأوضاع المسرحية وأخلص لها واستوفي كل عناصرها ، في حين أن مؤلفنا لم يستوف معظمها ، حتى الصراع الفني - وهو أهمها - قد خلت روايته منه خلوا تاما .

ومع هذا لا نستطيع أن ننكر أنه عالج موضوعه الشائك وأدار حواره وسلسل مشاهده ببراعة ، وفضلا عن ذلك فإنه - وهذه هي ميزته الكبرى - قد شارك الوطن العربي في محنته وحقق الترابط الذي ينبغي أن يكون بين المسرح والناس ، من هنا نجحت روايته نجاحا لم يعهده مسرحنا من قبل

على أنني مع ذلك أعتقد أنها ما كانت لتلاقي هذا النجاح لولا ذلك الجهد المضني الذي بذله مخرجها الكبير في تقريب مراميها للناس ، إننا نعلم نزعته الإيحائية ، ولكننا لم نكن نعلم أنه سيستطيع بها أن يفسر للجماهير معانيها الرمزية ، وأن يحرك فوق خشبة المسرح هذه الجموع من الممثلين الذين زخرت بهم . فالمفروض في الإيحاء انه يرمز ويشير فقط .

وبديهي أنه من الصعب في رواية رمزية الحوادث فكاهية الحوار تاريخية الإطار واقعية المدلول أن تتجسم في هذا النحو الذي أعطانا مغزاها حبا، فرأينا أنفسنا في ( جحا ) بدهائه ومكره وضعفه وشجاعته وفي ( أم الغصن ) زوجته بسلاطتها وشراستها . ووداعتها وفي ( الغصن ) ولده وهو يهزل في جده ويجد في هزله

بل لقد بلغ من يقظة المخرج أن خالف المؤلف في رسم شخصية ( الوالي )؛ فالمؤلف قد أراده داهية محنكا بينما أخرجه المخرج جامد العقل آلي التفكير ، واستقامت بذلك أحداث الموضوع وأمكن تصورها وتسلسل سياقها منطقيا .

والعجيب أن الأستاذ زكي طليمات لم يصطنع غير بضعة أستار وبضع ارائك ومقاعد لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، ومع هذا أقدم بذلك مدائن وقصورا ومحافل ومسجدا وسجنا ومحكمة ، ووضح لنا كيف تحاك الدسائس وكيف تشعل الثورات وألقى الأضواء مركزة في غير تضييق أو إسراف على معنويات المشاهد وبواطن النفوس وأعماقها ، وطابق النتائج على مقدماتها في غير افتعال

وكيفما كان الأمر فهذه الرواية تعتبر تجربة محلية موفقة وموافقة لمنهاج فرقة المسرح المصري الحديث التى أعلنت منذ نشأتها " أن إشعال شمعة واحدة أجدي وأنفع من قضاء العمر في لعن الظلام ".

اشترك في نشرتنا البريدية