الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 681 الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, ميلودراما " الذهب "

Share

قدمت الفرقة المصرية هذه الميلودراما مترجمة عن قصة شارلز ديكنز ) داقيد كوبر فيلد ( .

والميلودراما طراز خاص من الروايات التي سادت المسرح الإنجليزي في منتصف القرن التاسع عشر ، والتي يلخص " نيكول " رأيه فيها ، وفي عصرها ، وفي كتابها ، فيقول : ليس في هذه الحقبة رواية واحدة ذات جدارة فنية ، فإن كتاب الميلودراما قد أمعنوا في إثارة للشاعر ما صوروه في رواياتهم من أحداث عنيفة ومفاجآت مفزعة وصخب مزعج معتمدين كل الاعتماد على المؤثرات الرخيصة والديالوجات ذات الحوار السوقي . .

فهل معنى هذا أن الفرقة المصرية باختيارها هذه الرواية المترجمة لم تكن أسعد حظاً منها فى اختيارها روايتها المترجمة الأولى ( النسر الصغير ) ؟ وهل يجوز لنا أن نستنتج من ذلك أنها ليست على دراية كبيرة بما ينبغى تقديمه من المترجمات المسرحية ؟!.

الواقع أن الأمر كذلك ، لكننا رغم هذا نظلمها ظلماً مبيناً إذا نحن ألقينا عليها وحدها تبعة إخفاقها فى هذا المضمار . فالحق أن نقادنا أيضاً مشتركون معها فى هذه التبعة ، ولعلهم - لو أردنا ترتيب المسئولية ترتيباً حقيقياً - مسئولون قبلها ، بل مسئولون وحدهم عن كل ما يشوب إنتاجنا المسرحى من نقص أو انحراف ، ذلك لأننا قوم مصابون بالارتجال والتسرع وتعجل النتائج ، فما كاد يتبين لنا أن الفن التمثيلى يعانى طفولة كسيحة فى بيئتنا ، وأن الطريقة المثلى لمعالجته وإنهاضه هى الاعتماد أولاً على المسرحيات الغربية حتى هرعنا إلى تقديم ما تلقيه " المصادفة " أمامنا

منها . وقد كان خليقاً بنقادنا بدلا من تهالكهم على تعقب الأخطاء النحوية واللغوية ، أو التشبث بالنقد الشكلى ، أو التهافت على نقد رواياتنا المحلية وحدها ، أن يفطنوا إلى خطورة المرحلة التى يجتازها مسرحنا ، وأن يرشدوه إلى كيفية الاستفادة من المسرح الغربى ، لا بمجرد النقل والاحتذاء والاستيحاء ، بل كذلك بإدراك مراميه وأوضاعه وظروفه المختلفة فى ذاتها من جهة ، والمختلفة بالنسبة إلينا من جهة أخرى ؛ فالفهم - كما يقول ديهاميل - تملك للمفهوم ، ولا ضير علينا بعد ذلك أن نعتمد على المسرحيات الغربية وأن نتخير من طرزها المختلفة ما نشاء ، سواء أكانت رفيعة أم تافهة ، بل لا ضير علينا أن نتخير أدناها قيمة ما دمنا نفهم أسباب الامتياز أو التفاهة فى كل حالة .

ولست أغالى إذا قلت إننا بهذا يمكن أن نستفيد من رواية غير ذات قيمة كبيرة كميلودراما  (الذهب ) اضعاف ما قد نستفيده - الآن - من أروع المسرحيات .

والدليل على ذلك أننا نشكو وسنظل نشكو ليس غير من قلة دور المسارح الجدية ، وتكاثر المسارح الهازلة العابثة ، ومن ابتعاد موضوعاتنا عن الواقع والحياة وانسياقها وراء نزعات الجمهور العامى ، ومن ضآلة خبرة معظم مؤلفينا ونقادنا بأسرار الأداء المسرحى ... الخ .. فما الرأى فى أن هذه كلها ، وما إليها ، مشكلات يمكن أن نثيرها بيننا وأن تدفعنا إلى إمعان النظر فيها ، هذه الميلودراما ، لو أننا انتهزنا فرصة عرضها وتوخينا معرفة الظروف التى كيفتها على النحو الذى هى عليه ، وتدارسنا الحقائق الواضحة التى أدت إلى انحطاط المسرح الإنجليزى فى العصر الذى أنتجها ؟!.

ولكي نقرب ذلك إلى الأذهان نضرب أمثلة لبعض هذه الحقائق :

فالحقيقة الأولى أن انجلترا لم يكن بها منذ أواخر القرن الثامن عشر سوي مسرحين أساسيين ، وان ذلك أدى إلى تضخيم حجميهما أكثر من اللازم ، وهذا بدوره ، أدى إلى الاستعانة بالمؤثرات الصاخبة التي تجذب العين والأذن دون اهتمام كبير بما يرضى العقل والشعور ، وإلى حشد الزخارف في المناظر واصطناع التنغيم والتضخيم في الحوار والإلقاء . وإلى إقحام الموسيقى علي النصوص الأدبية ، مما انتهي إلي ضياع مغزاها .

والحقيقة الثانية أن تطورات ذلك العصر الاجتماعية أسفرت عن ظهور البرجوازيين وانتشارهم ، وهؤلاء لم يكونوا يغشون دور التمثيل إلا للترويح والتسلية والتهريج أحياناً ، وكان لهذا أثره الكبير جداً فى تكييف الموضوعات المسرحية بما يتلاءم مع مزاجهم كضرورة مادية لا مناص من مراعاتها .

والحقيقة الثالثة أن كبار المؤلفين انصرفوا نتيجة لذلك عن التأليف للمسرح ، وآثروا تأليف قصص تقرأ ولا تمثل ، فانفرد صغار المؤلفين بالإنتاج المسرحى ، وتجلى فى هؤلاء وهؤلاء - لانعدام الممارسة الصحيحة - ضعف القدرة على إخضاع الأفكار لمتطلبات الآداء المسرحى وأصوله الفنية ، كما تجلى نفس الأمر لنفس السبب فى كبار النقاد ، فكان ( لام ) مثلا ينظر إلى التمثيليات نظرة جزئية باعتبارها مجموعة من " المقطوعات " أى ينظر إلى كل مقطوعة منها على حدة كما لو كانت منفصلة عن غيرها . وكان ( كولردج ) ينظر إليها نظرة ميتافيزيقية أو يتعمق سيكولوجية أشخاصها ... وبالجملة لم تظفر تمثيليات ذلك العصر من نقاده بنظرة نقدية عميقة إلى قيمتها الدراماتيكية .

وكان طبيعياً أن يتمخض ذلك جميعه عن طراز مسرحى مستحدث يناسب روح العصر ومزاج الجمهور ، فظهرت أول الأمر الميلودراما التى تغلب عليها العاطفية والنزوع إلى الماضى والأنفعالات العنيفة ؛ وإزاء شغف عامة الجمهور بهذا اللون ، وإقبالهم عليه ، وازدياد انتشار المسارح

الصغيرة الكثيرة التى تقدمه ولا تقدم سواه ، لم تسنح للمؤلفين - وهم كما نعلم من حيث الافتقار إلى المواهب الذاتية - فرصة التروى والإتقان ، فاضطروا إلى الاستعانة بما يصلح فى عرفهم من قصص ذلك العهد وانتحالها ووضعها فى إطار مسرحى . على أن هذا الإجراء قد أفاد المسرح ولو لم يقصدوا إلى ذلك . إذ أن وضع القصص فى إطار مسرحى استلزم تقييدها بقيود الزمان والمكان التى يتقيد بها مؤلفوها ، ومن ثم اقترب هذا اللون من الحياة والواقع ؛ وهكذا تهيأ الطريق لظهور نوع آخر من الميلودراما وهي : (الميلودراما الطبيعية Naturalsitic Melodrama) وإليها تنتمى روايات ديكنز التى تشترك مع نظائرها فى كثرة الأحداث المثيرة والانفعالات العنيفة وتمتاز عنها - غالباً - بالاقتراب من الواقع لاسيما وأن مؤلفها كان أكثر من غيره شغفاً بتصوير الطبقة السفلى من الناس ، ولهذا نجد أن ميلودراما ( الذهب ) تدور حول غلام مات أبوه فاحتال زوج أمه من بعده على اقتناص ثروته بإقصائه عن منزله إلى حظيرة رجل غليظ القلب يصطنع الغلمان فى تدبير جرائمه ويدربهم على السرقة ، ولا يتورع من أن يميتهم جوعاً لقاء أجر يتقاضاه .

كل هذه دقائق تلمح فى مسرحنا ما يشبهها فى جوهرها مع اختلاف فى التفاصيل ( ولعل أقرب برهان على ذلك أن معظم مؤلفاتنا من نوع الميلودراما ) ، ولذا كان من الممكن أن تنير السبيل لمسرحنا لو تدبرناها ، وكان يجدر بنقادنا أن يتناولوها تناولاً جدياً ، كما كان يجدر بالفرقة المصرية أن تثيرها أو تلفت النظر إليها فى النشرات التى قدمتها خلال تمثيلها ، فليست هذه النشرات كما تظن - ويظن كثيرون معها - وسيلة من وسائل الإعلان أو ضرباً من الكماليات ، وإنما هى جزء من الرواية ذاتها ، إذ هى بالتحديد - كما يقول موريس ويتز Morris Weiz الجزء الذى يوازى ( البرولوج ) فى المسرحيات الكلاسيكية الأولى .

وأحسب أننا لسنا الآن فى حاجة إلى تلخيص الموضوع أو التحدث عن التمثيل والإخراج ، فليس فى ذلك جديد

يؤبه له . ولقد عودتنا الفرقة المصرية نمطاً معروفاً من التمثيل والإخراج لم يتغير وما أظنه سيتغير .

وإنما نحن فى حاجة قصوى إلى مطالبة نقادنا بفهم رسالتهم وتغيير أسلوبهم التقليدى الذى لا يمكن أن يشارك فى إنهاض المسرح المصرى طالما ظل على تلك الوتيرة .

ونحن كذلك فى حاجة قصوى إلى مطالبة الفرقة المصرية - ما دامت قد وقفت عند وضع فنى معين - بترك هذه المحاولات الغريبة عليها والتى لا قبل لها بها . وأولى لها فى اعتقادى أن تقصر نشاطها على المحليات التى تتناسب مع طبيعة تكوينها وطاقتها الفنية . . فمما لا شك فيه أن معظم أفرادها قد عرفوا فن التمثيل بالممارسة العملية أكثر مما عرفوه بالدراسة العلمية ، وخبروا الجمهور منذ عهد غير قصير ، وبذلك تسنى لهم أن يفطنوا إلى مزاجه ونزعاته ؛ وإذاً فلا بأس من أن يظل منهاجهم قاصراً كما عهدناه من قبل على تقديم الروايات المؤلفة التى ترضى هذا المزاج وتلأتم هذه النزعات ، مع محاولة الارتقاء بهذا المنهاج والحيلولة بينه وبين الإسفاف أو الجمود بقدر الإمكان ، وليس فى هذا ما يحط من شأنهم ، فالجمهور عنصر أساسى فى المسرح ، والممارسة - إذا صلحت شرط أساسى من شروط ازدهاره ، والاستقراء التاريخى  خير شاهد على ذلك . فما قامت النهضة المسرحية فى أوربا بالدراسة وحدها ، ولا باحتذاء المسرح الإغريقى أو الرومانى وحدهما ، ولكن بالممارسة والاستجابة لرغبات الشعوب كذلك .

وما أزدهر المسرح الفرنسى فى عصره الكلاسيكى إلا لأنه كان مرحلة تالية لمرحلة سابقة تنازعت فيها اتجاهات عامة الشعب وموروثات القرون الوسطى ، وأوضاع المدرسين وطفرات المحدثين ، وتصاهرت كلها فأسفرت عن اتجاهات جديدة سديدة بزغت عند جوديل Jodelie ومن إليه من مؤلفى القرن السادس عشر ، واكتملت بعد ذلك عند مؤلفى القرن السابع عشر ؛ والأمر كذلك بالنسبة للمسرح الإنجليزى . فما نهض المسرح الإليزابيتى إلا بعد أن جمع بين الاتجاه الكلاسيكى والاتجاه الشعبى أيضاً ، إذ ظل الكلاسيكيون يحتذون تيرنس وبلوتس ويلتزمون القيود والقواعد ويقسمون الدراما إلى تراجيديا وكوميديا تقسيما

صارماً ، ويهتمون بالأسلوب البليغ والتعبير الفخم والمحسنات الجمالية ، بينما كان الشعبيون لا يأبهون لذلك كله ، بل لا يأبهون لشئ سوى الجمهور الذى ينشد المتعة والتعبير عن انفعالاته كما يريد وبغيرقيود ؛ وبالطبع كان لكل اتجاه مزاياه ونقائصه ، إذ برع الكلاسيكيون فى الشكل والقالب ، ولكن كانت تعوزهم الحرارة ؛ وبرع الشعبيون فى تصوير وجدانيات الجمهور ، ولكن كانت تنقصهم الصياغة الفنية . وظلت الدراما تتأرجح وتتطور فى نفس الوقت بين هذين الاتجاهين إلى أن جاء ( لودج وتاش وبيل . . ) ومن إليهم أو جاء بهم التطور الطبيعى فحاولوا التوفيق بين مزاياهما ، ومعالجة نقائصهما ومهدوا بذلك للنهضة المسرحية الشيكسبيرية .

وكذلك نهض المسرح فى أوربا كلها بعد أن جمع بين الدراسة والممارسة ، وبين إرضاء الخاصة وإشباع نهم العامة ، وبين الاتجاه الأكاديمى والاتجاه الشعبى الخالص .

والخلاصة أن الممارسة - وهذا هو المهم - اثرا لا يستنهان به في توطيد دعائم السرح في شتي عصور ازدهاره . وإذا فلا جناح على الفرقة العربية أن تظل محتفظة بوضعها الملائم لطبيعتها ووظيفتها ، وأن تقصر انتاجها على ممارسة المحليات عسي أن تشارك بذلك في التمهيد لنهضتنا السرحية المرجوة . وبديهي أننا لا نريد أن نحتم عليها أو على غيرها وضعا من الأوضاع ، وإنما لكي نسير علي بصبرة ينبغي أن ينتهي عهد الفوضى الذي تعانيه الآن ونبدأ عهدا واضح المعالم واضح النتائج .

لقد آن أن ندرك أن التخصص أجدى من الارتجال ، وتبعاً لذلك يجب أن تحدد لكل فرقة رسالتها الخاصة بها حسب طبيعة تكوينها وأن نحصر مجال التفاضل والتنافس بينها فى مدى إخلاص كل منها لمنهاجها إخلاصاً يستنفد كل إمكانياتها ، وإلا فلا أمل فى ارتقائنا إذا ظللنا عاكفين على مناهجنا الساذجة الراهنة التى لا تلزم فرقنا التمثيلية بأكثر من تقديم ما يتسع الوقت لتقديمه من روايات تتخيرها كيفما اتفق ولا تلزم نقادنا بأكثر من سرد موضوعاتها والتحدث عمن أجاد أو أساء من مخرجيها وممثليها كيفما اتفق كذلك .

اشترك في نشرتنا البريدية