عندما قدمت فرقة المسرح المصرى الحديث هذه الكوميديا كان من الملحوظ جداً أن ضحك الناس يزداد فى مشاهد معينة بالذات . وها هى بعض نماذج من هذه المشاهد نوجزها ، ثم تحاول فهم بواعث الضحك فيها :
فى الفصل الأول نجد أن البخيل (أرباجون) يريد أن يزوج ابنته (إيليز) من رجل جمع إلى العقل الراجح وقرة المال ، وفضلاً عن هذا ، بل أهم من هذا عنده ، أن هذا الرجل قد أخذ على نفسه عهداً ألا يطالبها بمهر . ويحدث أن ترفض (إيليز) لأنها تهوى (فالير) ويهواها ، ولا يجد البخيل من يحتكم إليه فى هذا الإشكال سوى عاشق ابنته . ويجرى هذا فى منظرين :
فى المنظر السادس حيث تناقش البنت أباها : - عفوا يا أبت . لا أريد أن أتزوج .
- وأنا أريد أن تتزوجى يا ابنتى المحبوبة . - أسألك العفو يا أبت . - أسألك العفو يا ابنتى . - هذا لن يكون أبداً يا أبت . - بل سيكون يا ابنتى .
وفي المنظر السابع حيث يحتكم (أرباجون) إلى (فالير):
- لا تنس أن الرجل قد أخذ العهد على نفسه ألا يطالبها بمهر .
- لا يطالبها بمهر ؟ ليس للقول مجال إذاً. - ..... إنه زواج بلا مهر . - أصبت ، ففى الزواج بلا مهر فصل الخطاب ..... - إنه زواج بلا مهر .
- حقا أن هذا قول لا يحتمل الجدل .... - إن الزواج بلا مهر .. - صدقت .......
وفى الفصل الثانى نجد أن (أرباجون) يسأل (فروزين)، وهى امرأة ذات مكر ودهاء عما وراءها من الأخبار . وهو كما تعلم شيخ قبيح ، ويصبو إلى فتاة حسناء (ماريان) فى مقتبل العمر . ويدور الحوار :
- ما أصدق دلالة وجهك على حسن صحتك . - من ؟ أنا ؟!
- ما رأيتك أبداً صافى البشرة متين البقية مثلك الآن .... إنى لأرى أناساً فى الخامسة والعشرين ، فإذا هم أكبر منك سناً .
- ومع هذا يا فروزين فقد بلغت السنين . - وما تكون السنون فى الأعمار ؟ إنما أنت الآن تبدأ ربيع الحياة .
- ............. ولكن هناك يا فروزين ما يقلق بالى . فإن الفتاة كما تعلمين فى مقتبل العمر ، ولا يميل الشباب عادة إلا إلى الشباب .
- إنك لا شك جاهل حقيقة أمرها . إنها تكره الشبان جميعاً أشد الكره ، ولا تحب إلا من أثقلت كواهلهم السنون . - هى !!
- نعم هي . وكم أود لو تسمعها وهي تتحدث في هذا الموضوع . ولقد حدث منذ شهور أن بادرت يرفض التزوج ممن كاشفها بأنه في السادسة والخمسين . ولم يكن قد وضع منظاره على عينيه ساعة أن هم بإمضاء عقد الزواج !!
وفي الفصل الثالث نجد (أرباجون) يسأل طاهيته وحوذيه (المعلم جاك) عما يقوله الناس عنه :
- ألك أن تخبرنى ماذا يقول الناس عنى ؟ . - نعم يا مولاى إن كان لا يغضبك ما تسمع - كلا لن أغضب أبداً . بل يسرنى أن أسمع ما يقوله الناس عنى .
- .... إن أقول لك فى صراحة إن الناس يسخرون منك فى كل مكان . وهم يرمونا بلواذع الكلم فيك ، ولا يستخفهم الطرب لشئ قدر ما يستخفهم لرؤيتك لابساً سراويلك المتدلية ، وأن يقصوا القصص عن إمساكك وبخلك ......
- إنك أحمق خسيس وضيع وقح (ويضربه) . - أرأيت ؟ أما وقع فى نفس أنك ستضربنى ؟ إنك لم تصدقى إذ قلت إنك ستغضب إن صارحتك بالحقيقة
ويطول بنا الحديث لو حاولنا مجرد الإشارة إلى المواضع الكثيرة الباعثة على الضحك ، وأقصد الضحك الإنسانى . والكوميديا مترجمة ، ومن السهل الرجوع إليها . إنما المهم هو فهم بواعث هذا الضحك فيها والتنويه بالفارق الجسيم بينها وبين بواعث الضحك فى كوميدياتنا التى تضحكنا ضحكاً ضحلاً سطحياً (بالتريقة) والتنكيت واختراع الأحداث المفتعلة الساذجة ، واصطناع الجناس اللفظى . فلو أننا فهمنا هذا لفهمنا أن للضحك - كما هو الحال فى الكوميديات الممتازة - دلالة اجتماعية واثراً اجتماعياً ، وأن المضحك يعبر قيل كل شئ عن عدم تلاؤمه مع المجتمع ، وأن لذة الضحك ليست لذة تافهة ، بل لا بد - كما يقول برجسون - من أن تكون ذات فكرة خفية ، ومحملة بقيم إنسانية واجتماعية وعقلية . بل إن فى كوميديا البخيل هذه مشاهد تدعو إلى الأسى فمثلاً فى مشهد (الدين والمرابى) نجد أن (كليانت) ابن (أرباجون) يدفعه شح أبيه إلى طلب الاقتراض من أحد المرابين عن طريق أحد السماسرة ، ويرتضى كل شروطه . وما إن يرتب السمسار أمر تقابلهما حتى يجد (كليات) أن المرابى هو أبوه (أرباجون) ذاته . يقول (لورنس بيسون LAURENCE BISSON) فى هذا الصدد : "لولا أن براعة موليير لم تدع لعاطفة الأبوة مكاناً ولا مجالًا فى هذا المشهد ، لكنا إزاء مشهد تراجيدى".
من هنا أهنئ فرقة المسرح المصرى الحديث لتقديم هذه الكوميديا الممتازة مرتين خلال موسمها الأول واعتزامها تقديم كوميديا ( المريض الوهمى) لموليير أيضاً فى موسمها المقبل ؛ ولو كان بيدى الأمر لفرضت عليها تقديم كل
كوميديانه؛ ذلك لأننا لو جمعنا كل القواعد التي استنبطها فلاسفة النفس الإنسانية واهتدوا إليها على أسس ومناهج علمية لوجدنا - فيما يتصل بالضحك - أن موليير أحد القلائل الذين حققوا في كوميدياتهم أسباب الضحك الإنساني العميق النافع . الضحك الذي يعرفنا آفاتنا ويدخلنا إلى صميم عيوبنا . الضحك الذي يقتص من انحرافنا وشذوذنا ، الضحك الذي يعالج ما فينا من ذهول ، أو عناد ، أو آلية ، أو نقص في المرونة . وفي النماذج التي أسلفناها أمثلة من هذا . فموليبر يضحكنا من البخيل بحيلة في غاية البساطة والهدوء والوضوح ، فيظهره لنا مولعا باكتناز المال ومولعا في نفس الوقت بعادة فاتنة لا تتناسب معه في شيء ؛ ومن هذا وذاك يكون التناقض الدراماتيكي . ويمثل هذه البساطة البارعة يظهر لنا ما في البخيل من ذهول وآلية وعناد . فهو لفرط ذهوله يجهل الحقائق التي يراها الناس فيه . وهو لفرط آليته يتحرك في خطوط واحدة تتجمع كلها في موضع واحد ، وتوجه تفكيره دوافع تلتقي كلها في نفس الموضع ، وهو لفرط عناده يصر على النظر إلى الحياة من زاوية فردية منحرفة .. وهكذا .
وليس معنى هذا أن موليير كان يضع فى ذهنه (قواعد) ويقيم إنتاجه على دعائمها بحيث لا يجيد عنها . فالحق أنه - على الرغم مما يقال عن ثقافته ودراسته - كان يستلهم البيئة ويعتمد على الممارسة ويخضع نفسه وفنه لمتطلبات الأداء المسرحى أكثر مما كان يعتمد على المحصول المدرسى .
ولقد سبق - فى القرن الماضى - أن اتهمه بعض الرومانسيين هو وانداده من عباقرة القرن السابع عشر فى فرنسا ، بأنهم كانوا خاضعين خضوعاً مطلقاً لقواعد (بوالو ) التى جمعها فى كتابه (Art Poetique) لكن التحقيق التاريخى دل على أن هذا الكتاب قد كتب بعد أن ألف هؤلاء الكلاسيكيون الخالدون كثيراً من روائعهم .
وكيفما كان الأمر فما أردت من هذا كله إلا أن أوجه نظر نقادنا الأفاضل إلى ضرورة انتهاز هذه الفرصة التى هيأتها (فرقة المسرح المصرى الحديث) وتدبر هذه الروائع والإكثار من شرحها وتفسيرها ، لعل مؤلفينا يستطيعون الاستفادة منها .

