الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 645 الرجوع إلى "الثقافة"

مسرح, نظرة إلى مسرح شكسبير

Share

احتفل عشاق المسرح منذ أسبوعين بذكري ميلاد شكسبير وذكري وفاته ايضا ! فقد ولد في إبريل عام ١٥٦٤ ، وتوفي في إبريل عام ١٦١٦ .

ومن تحصيل الحاصل أن نقول : إنه قد بلغ بالفن التمثيلي ذروة شاهقة ، وعالج ألوانه المختلفة معالجة لم يسبقه إليها أحد . ولكن ليس من الصواب أن نظن أنه كان يستطيع ذلك لو لم تسبقه تجارب غيره ، ولو لم تقدر له الحياة في العصر الذي وجد فيه بالذات .

فأما من ناحية تأثره بغيره فيكفي أن تذكر تأثره بمعاصريه الذين يطلق عليهم University Wits وقد قصدت ذكر هؤلاء ، لأن المعروف عنهم أنهم - على العكس منه - مولعون باحتذاء قوالب تقليدية والتزام أوضاع أكاديمية ، ومع ذلك تأثر بهم تأثرا مباشرا .

فقد عرف مثلا من ( بيل ) كيف يمزج الواقع بالخيال . وعرف من ( مارلو ) كيف يرجع بطولة أبطاله لغيمهم الفردية . وكيف يتطور بالتراجيديا من مجرد " الوعظ " أى من مجرد مأساة تنتهي بالبطل إلى الشقاء بسبب عيب خلقي فيه ، إلى تراجيديا ، يدور الصراع فيها بين إنسان شجاع النفس، وبين قوي أكبر منه تتغلب عليه في النهاية ، ولكنه يظل بطلا حتى في هزيمته ، وتكون اللذة المستخلصة من مشاهدة مأساته ليست في " العبرة " منها . بل في الإحساس بالعظمة التى تصاحبه . كذلك عرف من ( مارلو ) كيف يتخير أبطاله من الحياة المألوفة .

وعرف من ( كيد Kyd )  كيف يدير الصراع في ذهن البطل وفي دخيلة نفسه بعد أن كان الصراع دائما بينه وبين قوة خارجة عنه .

وعرف من ( جرين Greene ) كيف يرتفع بالكوميديا الرومانتيكية من مجرد ( فواصل Intertudes ) تثير الضحك إلى فن له قيمته .

وعرف من ( ليلي Lyly ) كيف يمزج العالم النموذجي بالعالم الواقعي وكيف يستخدم العنصر الغنائي في الرمز إلى الحركة ... وهكذا .

وأما من ناحية تأثره بعصره فيكفي أن نعرف أن تمثيلياته تتفق في أسسها وأهدافها مع تمثيليات معاصرية بصفة عامة بقدر ما تختلف جميعها عن روايات القرون الوسطى وعن الدراما الإغريقية والرومانية ، أى عن دراما العصور التي سبقتهم اختلافا ملحوظا .

وغني عن البيان أن الأوضاع المسرحية واحدة في جوهرها ، ولكنها تختلف في شكلها وفي مضمونها النوعي باختلاف العصر والبيئة ومزاج الجمهور ، على اعتبار أن المسرح صورة للحياة على نحو ما .

صحيح أن المسرح الإغريقي يشبه المسرح الإليزابيتي من حيث وجود عنصر " القدر " في كليهما كقوة تتوقف عليها القوة الدراماتيكية ، ولكن هناك فارقا ملموسا بينهما ، إذ أن القدر يظهر على المسرح الإغريقي كممثل رابع يلعب دورا رئيسيا ، بينما في العصر الإليزابيتي - عصر شكسبير - يجتمع مع عنصر القدر Fate عنصر الحظ أو الفرصة Chance ولا تفسير لهذا الاختلاف سوي اختلاف عقائد الجمهور بين هذين العصرين .

فمثلا الأشباح  Ghosts التي تمثل عند الإغريق القوي المسيطرة على الكون وعلي أفعال البشر وتتخذ - تبعا

لذلك - كيانا مستقلا عن الشخصية الدراماتيكية ، نجدها عند الإليزابيثيين متصلة بهذه الشخصيات أو ببعضها اتصالا وثيقا كأنما هي وليدة خيالهم لا أكثر .

وإنه وإن كان النقاد لا يزالون مختلفين حول حقيقة هذه الأشباح إلا أنهم متفقون على أنه لا شئ مجزم بأن الاليزابيثيين كانوا يؤمنون بوجودها وجودا موضوعيا . من هنا لم يستخدم مسرحهم ( الإحساس بالقدر ) وحده في التدخل المباشر في الأمور البشرية . فمثلا " هملت " لم يتحرك للانتقام من قاتل أبيه يوحى من شبحه فحسب ، بل كذلك وقبل ذلك يوحي من تفكيره هو ، إذ انه ارتاب في الأمر قبل أن يري هذا الشبح .

كذلك كانت عقيدة الجمهور . كان العصر كله عصر نهضة شاملة وثورة فكرية على التقاليد والمعتقدات السالفة ظهرت انطباعاتها لا في شيكسبير وحده ، بل ظهرت كذلك في تشابمان ودكر وجونسون وما سنجر ومدلتون ووبستر وفورد وغيرهم من مؤلفى ذلك العهد ، كما ظهرت أيضا في ارتقاء الشعر والنثر والشعر الحر . . إلخ . وبالجملة ظهرت في مختلف ألوان الفن والأدب ، لأنها ظهرت في مختلف مرافق الحياة .

ولست أقصد من وراء هذا كله أن أقول إن شكسبير كان مجرد مقلد لغيره ومستعبد لعصره بالمعني الضيق ، فإننا إذا قارنا بين ما وصلت إليه الدراما بفضله وبين ما كانت عليه قبله أدركنا امتيازه وضخامته وعبقريته ؛ وإنما أردت أن أدلل على أن العبقرية ليس معناها الشذوذ أو إحداث المعجزات التي لا تفسير لها ، وان العبقري متصل بجيله ملتصق بيئته مرتبط بظروفه ، لكنما يمتاز على غيره بقدر ما يحسن استخدام الخامات التي بين يديه واستغلالها إلى أقصي ما يستطاع .

فشيكسبير وإن يكن قد تأثر بمعاصريه وسابقيه كما أسلفنا ، إلا أنه أ كمل نقائصهم فجعل شخصياته أكثر إنسانية وجعل

مصرع أبطاله أكثر دلالة على عظمتهم ، ووفق إلى ما لم يوقفوا إليه من حيث الاهتمام بالشخصيات الثانوية وإبراز دور ( المرأة ) وتهيئة المشاهد الكوميدية أىComie scenes  خلال تراجيدياته ...

هكذا كانت استفادته ممن سبقوه أوعاصروه ومما أحاط به ، ولهذا تطور من حسن إلى أحسن حتى بلغ القمة ؛ فهو في مكبث أو هملت خير منه في روميو وجوليت . . وهكذا اعتبر خالقا أصيلا لتمثيلياته على الرغم من أنه لم يبتدع موضوعا جديدا واحدا ولم يطرق بابا واحدا غير مسبوق . وحتي الشعر الحر الذي يعتبر من أروع مزاياه قد سبقه إليه Goebodue .

وإذا فلا عبرة برأي الغلاة من نقاد القرن الماضي الذين يقدسون كل ماجاء به تقديسا مطلقا وبطبقون على مضمون تمثلياته احدث ما عرفوه من نظريات سيكولوجية وحقائق فلسفية ، فهؤلاء يغالون ويتجنون على العلم والفن ، إذ أن هذه النظريات والحقائق لم تخطر له على بال .

ولا عبرة كذلك برأي الغلاة من نفاد القرن العشرين الذين يحاولون قياس إنتاجه بأقيستهم الحديثة ، ويعتبرون بعض رواياته مثل ( روميو وجوليت ) " لعب أطفال !! فهؤلاء أيضا يغالون ويتجنون على العلم والفن ، إذ أن مسرحه مختلف اختلافا كبيرا عن المسرح الحديث ، كما أن ما يعزي إليه من ضعف في بعض رواياته الأولى يرجع - أكثر ما يرجع - إلي حداثة عهده بالتأليف حين ألفها .

وإنما يجدر بنا أن نحاول النظر إلى العباقرة دائما نظرة عقلية قوامها تقدير ظروفهم وإمكانياتهم على اعتبار انهم آدميون قبل كل شئ .

وهكذا تكون نظرتنا الصائبة إلى مسرح شيكسبير ، ذلك العبقري الذي ولد في الربيع ومات في الربيع وظلت مسرحياته من بعده ربيعا للفن والفكر على مدى الأيام .

اشترك في نشرتنا البريدية