الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 182 الرجوع إلى "الرسالة"

مسز جراندي،

Share

اشتهر القرن التاسع عشر في إنجلترا بأنه قرن الانتقال  المفاجئ في حياة أمة عظيمة عتيقة محافظة - ففيه ظهر داروين  الذي قلب البيولوجية رأساً على عقب؛ وفيه تبدل الاجتماع  الإنجليزي فأصبح اجتماعاً صناعياً يرتكز على أساس من الآلة  البخارية بعد أن كان اجتماعاً زراعياً أو صناعياً يرتكز على أساس  من آلة تدار باليد. وفيه خطا الطب خطوة واسعة من الشعوذة  

إلى التشريح العلمي وبحث خصائص المكروب

ولكن القرن التاسع عشر لم يستطع أن يخطو بالأسرة  الإنجليزية خطوة واحدة إلى الأمام، بل إنه زاد الطين بلة فأغرق  إنجلترا في بحر من الذهب فأنزف الإنجليز إترافا زادهم جموداً وقوى  من سلطان مسز جراندي عليهم جميعاً

ومسز جراندي هذه هي هذا الشبح الخرافي الذي يكنى به  في إنجلترا إلى اليوم عن سلطان التقاليد العتيقة البالية التي تعطي  للأب في منزله سلطة الدكتاتور، وللأم سلطان القديسة، تأمر  وتنهي وترفع في وجوه أبنائها عصا القرون الوسطى فتفل بها من  حريتهم وتحد من استقلالهم إن فرض أن لهم استقلالا أو حرية.  وكان صوت مسز جراندي يدوي في كل بيت إنجليزي فيقول: هذا  واجب وذاك لا يصح، وينبغي أن تدنى الفتاة عليها من جلاليبها،  وألا تفتح النافذة، وألا تمد عينيها إلى أحد إذا سارت في الطريق،  وألا تختار لنفسها بل أبوها هو الذي يختار لها

وكان لمسز جراندي سلطان مخيف على الأدباء، وكانوا جميعاً  يخشون بأسها، ولذا كانت أفكارهم سجينة في زخارف من  الكلام الأجوف الموشى الذي يعجب اللغويين ويهزأ به الأدباء  المصلحون. وماكولي دليل على ذلك، فأسلوبه المرقص المطرب  لا يكاد يدانيه أسلوب آخر في موسيقاه، ولكنه بأفكاره يعيش  كما تعيش العناكب في الأركان والزوايا، وكما تسعى الخفافيش في  ظلام الليل. وجون رسكن كذلك، وهو رجل أنيق العبارة  رشيق الأسلوب، ومع ذلك أراد أن يضحي تقدم إنجلترا ورقيها  الآلي ما دام هذا الرقي في رأيه ينافي الفن الصحيح. ولقد ثار على  مسز جراندي أديبان عظيمان هما لورد بيرون وبرسي شللي فكان  أولهما يجاهر بآرائه الكفرية، ويغيظها فيشرب الخمر في جمجمة  ميت، ويترخص في الحب وينظم دون جوان. وكان الثاني يحتقرها  في عظمة ووقار وينظم مأساة سنسي ويفلسف في الحب، ولكن  مسز جراندي هي الأخرى لم تأبه بهما، بل هي قد لفظتهما من  إنجلترا إلى اليونان وإيطاليا ولذلك لم يشعر بهما أحد إلا بعد أن  مرضت هذه السيدة المحتشمة وأوشكت أن تموت

والذي يهمنا من هذه الكلمة عن مسز جراندي أن الشريعة  الإسلامية أكبر أعدائها، ومع ذلك فسلطان مسز جراندي في  مصر أقوى منه بكثير في إنجلترا، فهل يتأذن الله أن تموت؟!

اشترك في نشرتنا البريدية