توجد مقاطعة بوسنة وهرسك في وسط شبه جزيرة البلقان ، وتقع بين نهر دربنا في الشرق ونهر سافا في الشمال ، ونهر اونا في الغرب ، وتمتد جنوبا إلى حدود بالناسيا .
والبلقان كما هو معروف من التاريخ العمومي ، كان ولا يزال مزيجا من الشعوب المختلفة الأجناس والآديان حتى يتعذر علميا ضبط الفوارق الحقيقية بين هذه الاجناس المختلفة ، وتعيين انتماء مجموعة معينة من هذه الشعوب إلي جنس معين . ذلك ان البلقان كان مدى القرون قنطرة العبور للأقوام والشعوب المختلفة ، التي هاجرت من اسيا إلي أوروبا ومن أوروبا إلي آسيا . فمن وقت حركة الشعوب الأسيوية الكبيرة في الفترة التي نسميها في التاريخ " هجرة : الشعوب " ، عبرت اقوام متنوعة متلونة هذه القنطرة الدائمة رائحين من الشرق إلى الغرب ؛ و كذلك اثناء الحروب الصليبية زحفت الشعوب الغربية المشكلة في تشكيلات الجند من الغرب إلى الشرق عبر هذه القنطرة ايضا . وكل شعب من هذه الشعوب المهاجرة العابرة ترك اثرا ما في الشعوب
البلقانية ، حتى إن الناحية الاثنولوجية للشعوب البلقانية صعبة التحقيق والتعيين كما قلنا .
وفي القرنين الخامس والسادس الميلادي تحركت الشعوب السلافية من سهول روسيا الوسطى زاحفة نحو الغرب والجنوب ، واقتحموا حدود الدولة البيزنطية ، وفي مرور الزمن استوطنوا الربوع البلقانية ، وأخذوا يتمدنون شيئا فشيئا بمدنية بيزنطة بعد ما اعتنقوا الدين المسيحي . وأسست هذه القبائل السلافية فيما بعد دويلات في البلقان ، واهم هذه القبائل هم الصرب والكرواتيون . فكان للصرب دولة في شرق البلقان ، وللكرواتيين في غربه ، بينما نشأت في الوسط ، في مقاطعة بوسنة ، دولة سلافية ثالثة هي دولة بوسنة . وكانت هذه الدولة في بعض الاحيان كبرى الدول السلافية في البلقان .
انتشرت النصرانية بين السلافيين في البلقان على أيدي قسيسين من قساوسة اليونان هما كبربل ، وميتودبيوس . فلما حصل الانشقاق بن بيزنطة وروما وانفصلت الكنيستان ، سقط الصرب تحت نفوذ الكنيسة الشرقية ، بينما انضم الكرواتيون إلي كنيسة روما . والحد الفاصل بين الكنيستين امتد من بلغراد في خط متعوج إلي البحر الأدرياتيكي حتى وقعت بوسنة في ملتقي الكنيستين
ومن القرن الثاني عشر الميلادي انتشر في بوسنة مذهب ديني معروف باسم بوغوميل معناه " محب الله " ( وازدهر هنا ازدهار كبيرا جدا ، حتى الملوك البوسنويون كانوا يدينون بهذا المذهب . وكان هذا المذهب دين الأغلبية الساحقة من أهالي بوسنة وهرسك قبل ظهور الإسلام في هذه الأقطار . قال السير توماس أرنولد في كتابه " تاريخ انتشار الإسلام " ما يأتي :
" إن الأغلبية العظمى من أهالي بوسنة وهرسك قبل الفتح العثماني كانت تنتمي إلي مذهب ديني خاص معروف باسم بوغوميل ، وكان هذا المذهب معتبرا من الكنيسة
النصرانية الرسمية مذهبا إلحاديا . ومن القرن الخامس عشر كان المعتنقون لهذا المذهب مضطهدين شر اضطهاد من جانب بابا رومة . وفي الكتاب الذي ارسله بابا تران الثاني والعشرون إلي ملك بوسنة نجد هذه البيانات :
" ولدي العزيز ، ملك بوسنة النجيب إيفان " بلغنا أنك ابن كنيستنا الصادق ، لأجل ذلك ننتظر منك إبادة الملحدين الموجودين في مملكتك ، وننتظر ايضا معاونتك الخالصة مع رسولنا ، مأمور انكزييون قابيوس . إن الروافض قد انحدروا إلى بوسنة من الجهات المختلفة ، حيث وجدوا مكانا خصبا لغرس بذور اشنع الضلالات ، ويسمون بشتي الوسائل إلى إضلال اذهان الكاثوليكيين وإفساد عقائدهم النزيهة ، آخذين بأهداب الدسائس الإبليسية المعروفة ، مسلحين بأزهار الكذب والأضاليل ، متظاهرين بتمسكهم بالدين النصراني ، حتى إنهم في الحقيقة ذئاب وحوش في جلود الحملان الابرياء . وهم يهتمون اشد اهتمام بتسميم عقول قطعان المسيح البريئة وعقائدها المقدسة
كان البوغوميل يعيشون سنين عديدة في كفاح مستمر في سبيل حرية عبادتهم ، يعيشون بين المطرقة والسندان ، مضطهدين من الشرق والغرب ، ولكنهم رغم هذا كله لم يتزعزعوا في ديهم ، ولم يتركوه إلى غيره إلى حين ظهور الفرق الإسلامية الأولى في هذه الربوع .
سقطت بوسنة تحت حكم الأتراك سنة ١٤٦٢ م . وهرع البوغوميل إلي اعتناق الدين الإسلامي جملة لما وجدوه في الدين الإسلامي من مشابهة مدهشة بينه وبين مذهبهم . وهذا المذهب الديني كان معروفا في الشرق في زمان الإمبراطورية الرومانية القديمة ، فاعتنقه العساكر الرومان ونقلوه من العراق إلي بلغاريا ، ومن هنا انتشر في صربيا انتشارا كبيرا ؛ حتى إن ملك الضرب استيفان نيمانا خوفا من تسلط هذا المذهب على صربيا كلها أرغمهم على الهجرة من مملكته . فلما هربوا من صربيا جاءوا إلى بوسنة
حيث انتشر مذهبهم بين ارقي طبقات الشعب ، واعتنقته الأغلبية الكبرى من الشعب البوسنوى .
كان البوغوميل كما يبدو من طريقة حياتهم وعقائدهم وعاداتهم ، البقية الباقية من الذين حافظوا على دين الرسل والانبياء ، من عهد سيدنا إبراهيم وإسماعيل إلي ظهور سيدنا محمد ) ص ( . قال السير توماس ارنولد في الكتاب المذكور ؛
" إننا نجد من أقوي الأسباب لاعتناق البوغوميل الدين الإسلامي جملة أن مذهبهم كان في الواقع يشبه الإسلام في نقط كثيرة . فإنهم لم يكونوا يعبدون مريم ، ولم يعترفوا بحق القسيس في غفران الذنوب ، ولذلك لم يكن عندهم عادة اعتراف الذنوب في حضرة القسيس وكانوا يردون أشكال الرهبانية المختلفة ويبغضون الصليب أشد البغض ؛ بينما اعتبروا وضع الأشكال والصور والتماثيل في المعابد ، والأمانات المقدسة الموجودة عند النصاري اعتبروا هذا كله شركا مبينا . أما معابدهم فكانت بسيطة وغير مزينة بالأشكال على عكس ما كانت عند النصاري ، وكانوا متفقين مع المسلمين في استنكار أجراس الكنائس ويسمون هذا الجرس " نقير إبليس " . ما كانوا يعتقدون أن السيد المسيح هو الذي صلب ، وكانوا في هذا الاعتقاد متفقين مع ما ورد في القرآن الكريم في شأن وفاة السيد المسيح . وأما المشروبات الروحية فكانت محرمة عندهم ، وفي الحياة العادية يميلون إلي الرياضة البدنية كانت النظافة عندهم مفروضة مكتوبة ، وكانوا يصلون خمس صلوات في النهار وخمسا في الليل ، وكانوا يصلون جماعة جاثين على ركبتيهم . فعلي هذا لم يجدوا فرقا كبيرا بين عبادتهم وعبادة المسلمين في مساجدهم "
فكما يري من هذه الحقائق كان البوغوميل أقرب إلى الإسلام منهم إلى النصرانية ، وإن كانت النصرانية الرسمية تعتبرهم مذهبا نصرانيا ضالا . ولكن رغم كل هذه الحقائق الظاهرة بزعم كثير من الجهلاء المتعالمين ان الإسلام انتشر في البلقان وفي غير البلقان بالسيف والنار .
ولكن الجهلاء جهلاء لأنهم لا يعرفون حقائق الأمور . فلما كانت محاكم الانكزيسبون تشتغل في الأندلس في سبيل تنصير المسلمين وتنظيف البلاد منهم ومن اليهود بالسيف والنار ، استفتي السلطان سليم شيخ الإسلام على افندي زميلي في رد المثل بالمثل بالنسبة إلى نصاري البلقان ، فأفتاه الشيخ قائلا : " لا إرغام في الدين ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . وما دام النصاري يؤدون واجباتهم نحو الدولة يجب على الدولة ان تحميهم وتذود عنهم ، فشتان بين هذا الحكم وبين اعمال الإنكزيسيون ، وما ابعد الإسلام عن إرغام احد على اعتناق تعاليمه . ولكن اكثر الناس لا يعلمون .
ومن ناحية اخري لم ينتشر الإسلام في البلقان بين الشعوب السلافية إلا في بوسنة وهرسك . فللباحث أن يتحري أسباب هذه الواقعة ، ويجدها بلا شك في نفسية البوسنويين العميقة ، وما كانوا محاطين به من اضطهاد شديد من الشرق والغرب ، ومن قرب دينهم إلي الإسلام . والإسلام تغلغل في قلوبهم تغلغلا كادرا ، قلما يوجد عند شعب إسلامي آخر ، وعندهم حرارة دينية متقدة في صدورهم ، لاحظها كل من مر بهذه البلاد . والإسلام عندهم صاف طاهر ، لا تشوبه شائبة . وهم ضحوا في سبيل هذا الدين المبين بتضحيات لا مثيل لها ، واقاموا على اقصي حدود لنفوذ الإسلام في أوروبا حصونا من صدورهم ، يدافعون عن كيان الدولة الإسلامية مدة خمسة قرون . وكانوا لمدة وجود الدولة التركية في البلقان مشمولين بعطف السلاطين ، ولعبوا في أوقات معينة الدور الأول بين مجموعة الشعوب الإسلامية في الدولة التركية ، وكان لهم استقلال تام في داخل حدود مقاطعتهم ، وترقوا إلي اعلي المناصب في الدولة التركية في أزهي عصورها . يكفي لك دليلا ما قاله السير توماس أرنولد : إنه كان من البوسنوبين من سنة ١٥٤٤ إلي سنة ١٩١١ تسعة رؤساء وزراء ) الصدر الأعظم ( ،
وهو أكبر منصب في الدولة بعد السلطان مباشرة . وكان أحدهم ، وهو صقلي محمد باشا رئيس الوزراء لمدة ست عشرة سنة كاملة في عهد السلطان سليمان القانوني ، والسلطان سليم الثاني ، والسلطان مراد الثالث ؛ حتى إن المؤرخين يعتبرون بحق بدء انحطاط الدولة العثمانية لا من وفاة السلطان سليمان ، بل من وفاة صقلي محمد باشا . وصقلي هذا هو الذي هدد أوروبا بكلمات مأثورة : " لئلا تغضبني أوروبا فإني أقدر أن أبني على حدود الإمبراطورية جدارا لا يتخطى ! " ، وهو الذي قال للإميرال قباج على باشا بعد معركة لبيانتو البحرية المشهورة حينما انهزم الأسطول التركي شر انهزام : " لا تحزن فإنني أقدر أن أضع في السفن بدل الحديد فضة ، وفي قلاعها بدل الكتان حريرا " . وهو الذي كان يفكر جديا في الجامعة الإسلامية وتأسيس دولة تشمل المسلمين كلهم ، وكان قد عزم أن يحفر قناة السويس في الجنوب ، وأن يوصل نهر دون بنهر وولغا في الشمال ، لكى يتسنبي له إنشاء المواصلات بين استامبول والهند وآسيا الوسطى . وقد أوشك على تنفيذ هذه المشروعات العظيمة لولا الدرويش الملعون الذي انهي حياته بضربة قتالة . وليس هو الوحيد من جنسه ، فهناك الكرواتي محمود باشا ، وأحمد باشا هرسكى ، وغازي خسرو بك وغيرهم وغيرهم . وهؤلاء العظماء وأعمالهم الجسام أوحت إلي زعيم شعراء بوسنة وهرسك المرحوم الدكتور صفوت بك بشاغيتش بالأبيات المترجمة في هذا المعنى :
إنما وإن كنا قليلي العدد فالفخر يملأ صدورنا ، لأننا أهدينا لشعوب عدة كبارا منا وعظماء كالبدور
وأما اعمال البوسنويين في ميدان الآداب والعلوم الإسلامية في هذه الفترة من الزمن ، فالرجوع إلي كتاب " الجوهر الآسني في تراجم علماء وشعراء بوسنة " للاستاذ محمد خانجيتش .
انفصلت بوسنة من الشرق الإسلامي لأول مرة بعد مؤتمر برلين سنة ١٨٧٨ ، وسقطت تحت نفوذ دولة غربية غير اسلامية . فقد قررت الدول المشتركة في هذا المؤتمر ضم بوسنة وهرسك إلى الإمبراطورية النمساوية بتبرير إجراء النظم الحديثة فيهما . وهذا الانضمام اعتبر في أول الأمر مؤقتا وصوريا ، ولكن النمسا ضمن المقاطعتين فعلا وقانونيا إلي ممتلكاتها سنة ١٩٠٨ ، وأعطت الدستور للبلاد . وبعد احتلال البلاد من النمسا هاجر حوالى ثلاثمائة ألف مسلم إلي تركيا ، ظنا منهم أن النمسا قد تحاول الاعتداء على دينهم . وفعلا كانت هناك بعض المحاولات في هذا الصدد التى يرجع الفضل فيها لقيام المسلمين جميعا بمطالبة الاستقلال في الشئون الدينية والتعليمية والوقفية ، فنالوا هذا الاستقلال بعد كفاح طويل .
فلما انهارت الدولة النمساوية عقب الحرب الماضية العظمى ، انشأت من اراضيها التى يقطنها البوسنويون والكرواتيون والصلوونيون ومن مملكتى صربيا والجبل الأسود ، دولة جديدة سميت في أول الأمر دولة الصرب والكرواتيين والصلوونيين ، واخيرا اتخذت لنفسها اسم يوغسلافيا . وهكذا انضمت بوسنة لأول مرة في تاريخها في دولة واحدة مع صربيا وكرواتيا .
والدولة الجديدة خبطت مدى عشرين سنة من عمرها طالبة شكلا مناسبا للحكم الداخلي ، لكى ترضي رغبات مختلفة لشعوبها المختلفة ، التي اثر التاريخ في كل واحد منها تأثيرا خاصا بحسب ظروفه ومناسباته . فلما طغت النزعة الجنسية على هذه الشموب سببت اختلافات داخلية شديدة أدت إلي طلقات المسدسات في برلمان بلغراد
فلما نشبت الحرب الحاضرة وقع ما هو معروف لكل من يقرأ الجرائد اليومية . واخيرا ابلغتنا هذه الجرائد بوقوع المجزرة البشرية في بوسنة ، وانه قتل من المسلمين البالغ عددهم مليونا واحدا أكثر من مائتي ألف
وتشرد منهم مثل هذا العدد . فهذه ولا شك محاولة جدية مدبرة سلفا ، ومحكمة احسن إحكام لإبادة المسلمين هناك إبادة تامة . فياللعار وياللفضيحة على المدنية الحديثة وعلى أوروبا المسيحية !!
نحن لسنا مختصين ولا مدعوين لوصف الأسباب التي ادت إلي هذه الآلام ، هذه بالوحشية التي لا مثيل لها في أظلم عصور التاريخ ، ولكن نقدر أن نقول كلمة بسيطة ، وهي ان هذه المحاولة يجب ان يخجل منها لا البلقان وحدها بل أوروبا المتمدنة كلها .
فالوحشية المتناهية التي أيقظت الأحقاد والضغائن المخبوءة في أعماق القلوب ، جعلت من أجمل وأحسن مقاطعة في البلقان مسرحا للآلام لا تتخيلها إلا مخيلة دانتي . فآلاف الأطفال يهيمون في هذه الربوع المخربة كالقطعان المتوحشة من مكان إلي مكان ، ولا يعرفون ما حل بابائهم وأمهاتهم . وكم من جنين خرقه السكين في بطن أمه قبل أن يري أنوار الشعس الساطعة ، وكم من عرض قد هتك ، وكم من عضو قد بتر ، وكم من مسجد قد خرب ، وكم من مدرسة كان يتعلم فيها القرآن الكريم قد دمرت ، وكم من دم بريء قد سفك ، وكم من عالم قد استشهد وهو في الصلاة متجها إلي بيت الله الحرم ! فهذا حقا مما يذيب القلب من كمد ، إن كان فيه إسلام حقيقي . وثق أن هؤلاء المنكوبين لا يعانون كل هذه الآلام إلا لأنهم مسلمون . والصرخة التي أرسلها ممثلوهم من مدينة استانبول إلي صاحب المقام الرفيع رئيس الحكومة المصرية هي صرخة مؤلة ، هي صرخة المحتضر ؛ فإذا لم تجد هذه الصرخة صدي في العالم الإسلامي فقد كتب على البقية الباقية من مسلمي بوسنة وهرسك نهاية عهدهم في أوروبا المسيحية . فاعتبروا يا أولى الأبصار

