تعقيب على نقد
أطلعت فى العدد الفائت من هذه المجلة الغراء على المقال القيم الذى كتبه الصديق الكريم الأستاذ أنور قتح الله فى مسرحية (مسمار جحا) فرأيت من واجبى أن أعقب على بعض المآخذ التى أخذها على المسرحية، شاكراً للناقد الفاضل جميل عنايته واهتمامه
المأخذ الأول: أن المؤلف قد أذاع سر مؤامرة جحا وحماد قبل عرض قضية المسمار، وبهذا قضى على عنصر التشويق فى أهم أحداث المسرحية. ألخ...
وأنا أوافق حضرة الناقد على أن فى الإمكان طي مدة المؤامرة وإخفاءها حتى تعرض القضية فى الديوان، وإذا لكان عنصر التشويق إلى معرفة جوهر المؤامرة أقوى، ولكنى أخالفه فى زعمه أن هذا قد أضاع الأثر القوى لهذا المشهد الذى يرمز لقضية البلاد، وذلك لأن جوهر المؤامرة ليس هو الأمر المهم الذى يريد المؤلف أن يوجه إليه أنتباه المشاهد للمسرحية، فأهم من ذلك الكيفية التى تم بها تنفيذ هذه الخطة. ولا شك أن فى هذا الأمر الأخير من الجدة والطرافة ما لا يؤثر معه إنكشاف جوهر الخطة فى خطواتها الأولى. وحيث أن مشهد الديوان الذى عرفت فيه هذه القضية يكاد يكون رمزياً كله فلا بأس من التمهيد لذلك فى الصورة التى تعرض بها المسرحية على خشبة التمثيل، حتى لا يكتنفه الغموض
فيضيع بذلك من الأثر القوى لدى المشاهدين أكثر مما قد يضيعه هذا التمهيد، أما الصورة التى تطبع بها المسرحية فى كتاب فسيرى الناقد أن المؤلف قد إقتصر فى إبراز سر المؤامرة على بعض
التلميحات بحيث يجلو الغموض ولا يجور على عنصر التشويق
المأخذ الثانى: يرى الناقد أن دخول إمرأة جحا فى مشهد القضية قد أخمد من حرارة الأثر النفسى.. فأبطل فعل الأحداث السابقة لدخولها... ألخ...
للرد على هذا أقول إن دخول إمرأة جحا كان أساسيا، ولا غنى عنه لعدة أسباب
١ - أن أم الغصن طرف ثالث فى هذا النزاع لا يمكن إغفاله؛ وإلا لتساءل المشاهد ما موقفها بعد خروجها من الدار، فضلاً عن إن ذلك يجلو جوانب شخصيتها، فهى لا تستحى أن تبرز إلى الناس وأن تسفه زوجها أمامهم، ولا تقيم وزناً للهدف القومى الذى يرمى إليه زوجها، والذى إهتم به الشعب كله؛ إذ ما كان يعنيها إستياؤها من إنتقالها من دار كبيرة إلى دار صغيرة، فهى هنا رمز لذلك الصنف من الناس الذين يؤثرون المغنم الصغير إذا كان خاصاً بهم؛ على المغنم الكبير إذا كان عاماً للوطن كله
2 - أن ذلك أيضاً يجلو جانباً من شخصية جحا، فهو أيضاً لا يستحى من شىء ولا يرى بأساً من أن يكشف دخائل بيته للناس، لثقته أن ذلك لا يغض من قيمته عند نفسه شيئاً , ولأعتقاده فى قرارة نفسه أنه هو وأهله وعياله ملك الشعب، وهذا عنصر هام فى تكوين هذه الشخصية
٣ - أن دخول أم الغصن قد خدم غرضاص هاماً فى سير حوادث المسرحية، إذ تم من خلاله تحول غانم (صاحب الدار) من التشدد إلى التسامح البالغ لما رشاه الحاكم محاولاً بذلك أن يئد القضية فى صورتها الواقعة، وأن يحولها لصالحه ويجعلها تؤيد حجتها فى رمزها الكبير
٤ - فلا ينبغى لهذا الحادث أذا أن يبطل فعل ألاحداث السابقة له كما زعم الناقد. وقصارى الأمر أنه يحبس الأثر مؤقتا
عن صعوده فى الخط الرأسى ليتسع ويتمدد فى خط أفقى ثم يستأنف الصعود إلى الأوج فى كتلة أعظم وأضخم
المأخذ الثالث: أن مشهد مقابلة الحاكم لجحا فى السجن كان طويلاً حتى أصبح الحوار مباشراً بعد أن كان رمرزيا، ومال إلى النغمة الخطابية... ألخ..
وردى على هذا أن الطول والقصر نسبيان، والطول لا يعاب إلا إذا لم يأت بجديد، وما أحسب المشاهد يمل تلك الصور المتنوعة من نكات جحا التى يجمعها - على إختلافها وتنوعها - سلك واحد أمكن من خلاله عرض الخطوط البارزة فى مراحل الصراع بين الحكم الدخيل والشعب، أما الرمزية فالواقع أنه لم يعد لها مكان فى هذا المشهد بعدما صار الصراع بين جحا والحاكم صريحا مكشوفا، ومع ذلك فقد إحتفظ المؤلف بقدر كبير من رمزية التعبير بحيث تتسع العبارات لأكثر من الصورة الواحدة التى هى صورة الواقع، فكانت دلالتها بذلك أعم وأشمل، وأما النغمة الخطابية فلم تكن إلا فى مواضع خاصة لا تصلح فيها غير هذه النغمة لتساوق الحالة النفسية التى عليها جحا أو الحاكم فى تلك الحظات؛ وإلا كانت إفتعالاً غير سائغ ولا مقبول
المأخذ الرابع: يرى الناقد أن تنتهى المسرحية فى نهاية المنظر الخامس، إذ بخروج جحا من السجن وجلاء المستعمر عن البلاد تنتهى الأحداث الرئيسية للمسرحية
وهذه النقطة أختلفت فيها آراء النقاد.. فمنهم من ذهب مذهب الأستاذ أنور، ومنهم من خالفه، ومن هؤلء الأستاذ زكى طليمات مخرج المسرحية الذى يرى أن ختامها ختاماً قومياً سيكون أقل روعة - من الناحية الفنية - من ختامها الإنسانى الذى يصور فى بيت جحا أفراح الشعب بعد إنقشاع ظل الاحتلال البغيض، كما يصور كيف إنتهى الخط الثاني وهو الصراع بين جحا وأمرأته فى مسألة زواج ميمونة
وخاصة إذا استحضرنا فى أذهاننا أن هذا الخط وإن أمكن
إعتباره ثانوياً بالنسبة إلى خط الصراع بين السعب والمحتل الدخيل.. إلا أنه هو الخط المستمر فى بداية المسرحية إلى نهايتها فهو - بهذا الأعتبار - الخط الرئيسى فى بناء هيكلها ومن خلال حوادثها تولد خط الصراع الآخر. أما أنا فقد ترجحت زمنا بين هذين الرأيين إلى أن إستقر رأيى فى النهاية على أنه لا باس فى الصورة التى تعرض بها الرواية على المسرح من هذا الختام القومى الذى يقترحه الناقد، وذلك مراعاة للظروف الراهنة فقط
أما فى صورتها كتاباً يخرج للناس فلا غنى عندى من المشهد السادس
المأخذ الخامس: أخذ الناقد على شخصية أم الغصن على إنها قليلة التطور وإنها على لون واحد. وجوابى على ذلك أن أم الغصن هى الشخصية المحورية( pivofal charcter) فى المسرحية. والشخصية المحورية تكون فى الغلب مكتملة وناضجة فى بدء الرواية، وقلما تتطور كما نص على ذلك صاحب كتاب( Dramatic witing) وإنى أخالف الناقد فى قوله إن ذلك أدى إلى ركود فى الحركة المسرحية. والذيى خبرته بنفسى أن المشاهد بعدما عرف أم الغصن من المشهد الثانى كان دائما يستطيع أن يتنبأ بما ستتصرف به فى مختلف المواقف والأحداث اللاحقة ولكن دون أن يفقد تشوقه إلى مشاهد ذلك. وتلك طبيعة الشخصية المحورية التى بغيرها لا يمكن أن توجد مسرحية على الإطلاق
المأخذ السادس: أن المؤلف أبرز أبن جحا (الغصن) أبله فى أقواله وأفعاله، واقتصر على إبراز هذا اللون الواحد فى كل مشهد ظهر فيه، فهو يبحث عن ديكه ثم يتخيل أنه ذبح فيبكيه، وهو ينقلب ديكاً. وبهذا التكرار أبطل المؤلف الأثر الذى أراده لهذه الشخصية وهو إثارة الضحك
وردى على هذا المؤلف لم يخلق هذه الشخصية لمجرد إثارة الضحك، بل إنها تنطوى على سيكولوجية دقيقية تجعلها طرازا جديدا فى الشخصيات، فهذا البله الذى يتصف به الغصن بله معقدا أشد التعقيد، فهو قد ورث عن أبيه خيالاً خصبا واسعا
ولكنه لم يرث عنه عقله وحصاته، فلم يكن لخياله الجامح من شكيمة تكبحه وتجعله ينتفع به فى معالجة شؤون الواقع، فكان ذلك المسخ العجيب الذى يجمع بين النقيضين من ذكاء وبلاهة. والأمثلة على ذلك كثيرة فى الرواية. وهذا الأقتصار على اللون الواحد وهو إهتمامه بديكه الضائع (عرجون) أمر ضرورى لبيان لمراحل التطور النفسى لهذه الشخصية العجيبة. ثم إن هذا اللون الواحد لم يلزم صورة واحدة، بل مر بأطوار سيكولوجية مختلفة. وبيان ذلك أن هذا الأبله المغفل - فيما يرى الناس - قد أحس - لا شك - مرارة السخرية ممن حوله، فلم يكن بدعا أن يألف ديكه عرجون ويعتبره حبيبه الوحيد فى هذه الدنيا لأنه هو الوحيد الذى لا يسخر به.. هذا هو الطور الأول، ثم أتفق أن ضاع الديك فحزن عيه وتخيله ما أصابه من اللصوص الذين سرقوه.. من سلخ وذبح وطبخ وأكل كأنما يرى ذلك بعينى رأسه فبكاءه أشد البكاء وشغله همه بالديك عن كل ما يضطرب حوله من الأحداث الكبيرة كعزل أبيه من منصبه وكقدوم الجراد، وهذا هو الطور الثانى. ثم إنتقل أبوه إلى بغداد وصار قاضى القضاة فسلا الغصن ديكه بعض السلوان، غير أن حزنه على الديك العزيز ما برح مستكنا ً فى أعماق نفسه ينتظر أى سبب ليثيره من جديد. وقد جاء هذا السبب لما خرج ليلعب مع رفاقه فى الشارع؛ إذ جره هؤلاء الرفاق إلى دخول الحمام ليحتالوا عليه فيكلفوه دفع أجرة الحمام عنهم جميعاً، فأوهموه بتلك الحيلة الطريفة أنهم قد أنقلبوا دجاجاً. وهنا يحار الغصن ويقع فى ورطة لأن أمه قد حذرته من إخراج الفلوس التى معه لأى سبب من الأسباب، وإذا خياله الجامح يسعفه بالمخرج إذ خيل إليه حين وقف إلى المرأة أنه أنقلب ديكاً فهو مثلهم لا يستطيع الآن أن يدفع الأجرة. ولا شك أن لعقدة الديك المستكنة فى نفسه أثراً فى ذلك.. فها هو ذا عرجون رجع إلى الحياة فى شخصه هو فهو إذن سعيد. وهذا هو الطور الثالث طور الناقص الذى لم يدم طويلا إذ جاء حماد فحله
ثم يحبس أبوه فيحزن لذلك لأن أباه كان شديد العطف عليه، ولم يسخر منه قط، فأتحدت صورة أبيه فى نفسه بصورة
الديك. ومن ثم رأى تلك الرؤيا العجيبة التى قصها على أبيه فى سجنه. إذ رأه كأنه أنقلب ديكا ً كبيراً وكأنه ضمه بين جناحيه وقال له: لا تخف يا غصن. أنا ديكك عرجون قد هبطت من الجنة لأراك، فهذا هو الطور الرابع
وبئس الغصن من عودة عرجون إلى الحياة: سواء فى شخصه هو أو فى شخص أبيه، فأوحى له خياله أنه يصنع له تمثالاً ليجسده فيه. وهذا هو الطور الخامس والأخير الذى انتهت عنده المسرحية. على أن الغصن بالرغم من هذا التعقيد قد أضحك الناس فيما أرى خلافاً لما زعمه الناقد
وفى الختام أشكر لصديقى الجليل أن أتاح لى الفرصة لكتابة هذا التعقيب
القاهرة

