اشتهر الإمام أحمد بن حنبل في مذهبه بمذهب ابن حنبل ، وهو عنوان يوحي بالتشدد والتزمت ، وربما كان هذا ظلما من الناس ، وربما كان أوسع من غيره وأسهل ، كما اشتهر في تأليفه في الحديث بمسند أحمد ، وفي تعذيبه على يد المأمون والواثق بمحنة أحمد ، لقوله بعدم خلق القرآن كما يدعي المعتزلة . وربما كان محقا في ذلك ، لأنه ربما كان بابا يدخل منه المغرضون لعدم تقديس القرآن . وإلا فليس بمعقول أن أحمد على فضله وعقله يقول : إن ما بين جلدتى المصحف قديم ، بالمعنى الواضح الذي يفهمه الناس ، وعلى كل حال موضوعنا اليوم هو أحمد المحدث ؛ فقد جمع كتابه المسند في عدد كبير من الأجزاء ، طبع قبل اليوم في مصر في ستة أجزاء ، وقام الأستاذ الجليل الشيخ أحمد محمد شاكر بطبعه طبعة جديدة أنيقة ، قد تقع في أكثر من ثلاثين جزءا . تليها عدة أجزاء للفهارس المتنوعة التى تسهل الانتفاع به .
ويمتاز مسند أحمد بجمعه أحاديث كل صحابي بجانب بعضها ، فالأحاديث التى رواها عمر ، والأحاديث التى رواها أبو بكر ، والأحاديث التى رواها أبو هريرة ، كل واحدة منها مجموعة مع بعضها . كما امتاز بالاكثار من الحديث كثرة تفوق ما جمعه البخاري ومسلم ، وإن لم تبلغ صحتها صحتهما . فقد نص الأستاذ الناشر على بعض أحاديث ضعيفة فيه .
ومهما قال المتقولون في عدم الاعتماد على الحديث لعثورهم على بعض منه مأخوذ من الفرس أو اليونان أو الرومان ، فإنها لا تخلو من أنها حكمة وخلاصة تجربة ، والحكمة كما في الحديث ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها . وأيا ما كان
فالموضوع قليل بالنسبة للصحيح ، كالشعرة البيضاء في الجسم الأسود أو السوداء في الجسم الأبيض . وعليه الاعتماد في شرح أعمال الرسول وحركاته وسكناته وأحواله . وفيه مقدار غير قليل في تفسير القرآن إما مباشرة وإما بالواسطة ، وفيه من معالم التاريخ ما لابد منه لتوضيح الوقائع ، وتوضيح الحياة الاجتماعية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين .
ويقف الباحثون أو المنكرون موقفا خاطئا ، فهم يطالبون بالدليل على الصحة بينما هم في غيرها يطالبون بالدليل على الخطأ ، فكان ينبغي أن يكون منهجهم واحدا ، لا ينكرون إلا ما قام البرهان على خطئه سندا أو متنا . ولم يأل العلماء القدماء جهدا - والحق يقال - في فحص الأحاديث ، واستنبطوا لذلك علما دقيقا كاملا .
وقد وضع الأستاذ أحمد شاكر رقما مسلسلا لكل حديث توطئة لعل فهرس أو فهارس للألفاظ والمعاني والموضوعات وغيرها ، والتعليق على كل حديث بالصحة أو الضعف . وتقريب المنال للباحثين والمحدثين . وهو عمل لا يستطاع القيام به إلا بعد ممارسة طويلة للحديث وكتبه ، وصبر دائب في بحث كل حديث ومركزه من القوة أو الضعف ، وربطه بكتب الأحاديث الأخرى . أطال الله بقاء الأستاذ حتى يتم الكتاب على هذا النحو الجميل . ولعل تسهيل الانتفاع به أكبر باعث لهؤلاء المتقولين أن يعيدوا نظرهم في الحديث وقيمته ، ومقدار ما يستفاد منه من علم جم ، وأدب غزير ومعارف متنوعة .

