السياسة تشغل من وقتنا وتفكيرنا وجهدانا اكثر مما ينبغي . فهي لدينا حديث المجالس والأندية ، و مثار الجدل والتنازع ، وأساس الصداقة والخصومة ، ورجال السياسة يتمتعون بيننا بمكانة لايدانيهم فيها سواهم ، فأسماؤهم ملئ . الأفواه ، وصورهم ملئ ، العيون ، وحركاتهم ومنافساتهم شغل الجماهير وملهاتهم ، وتفاصيل حياتهم العامة والخاصة تكاد تكون معروفة لدي أكثر الناس
ونحن تغلو في تقدير اثر السياسة ومبلغ جهود رجالها ، فنرجع كل ما نجده من خلل او نقص في شؤوننا العامة إلي عوامل سياسية ، وتعلق كل أمل في إصلاح حالنا ومداواة عملنا على تغير الأحوال السياسية
وقد ساقتنا هذه النظرة إلى نوع من التواكل جعلنا تحمل رجال السياسة عبء، كل إصلاح ، وتنتظر منهم القدرة على حل كل مشكلة ، وكان من شأنها ان غلب علينا شيء من الركود صرفنا عن بذل أي جهد أو تفكير في مسائلنا الاجتماعية ، ومال بنا إلى إرجاء ذلك كله إلي حين يتهيأ الجو السياسي الملائم !
وأظن أن الأوان قد آن لتعديل هذه النظرة ، فالمشاكل تتفاقم يوما بعد يوم ، وظروفنا الاجتماعية تزداد تعقدا بازداد عدد السكان وتقدم المدنية ، وظروف العام الضطرية لا تدع للأمم المتخلفة في استكمال أسباب القوة فرصة لتدارك ما يفوتها بخمولها وترددها وبطتها
والسياسة أو علي الأصح ما اصبح لها من مدلول في عرفنا - لا يصح أن تكون شغل الأمة الشاغل
نعم إن هناك لحظات في حياة كل أمة تجتاز فيها مرحلة دقيقة ، وتعرض لها ظروف امتحان شديدة . ففى هذه اللحظات التاريخية يخفق كل قلب تلهفا على مصير بلاده ، وتتضاءل المسائل الخاصة والمسائل الجزئية ، وتصبح المسألة الوطنية الكبرى شغل كل لب ومبعث كل تفكير ونشاط وقد مر بنا نحن المصريين مثل هذه اللحظات التي نسينا فيها أنفسنا وشؤوننا الخاصة ، وأقبلنا بكل عواطفنا على الاشتغال بالسياسة العامة ، او مسألة المسائل الوطنية الكبرى
ولكن ذلك إذا كان واجبا وطنيا هاما في مثل تلك الظروف ، فانه في الأحوال العادية لا يكون عمل الجماهير ولا مجال نشاطهم وتدخلهم ، بل الواجب ان يكون عمل فئة قليلة من الرجال السياسيين الذين يعكفون على تتبع الأحداث الدولية وتفهم تياراتها الخفية ، وترقب الفرص المواتية لتحديد علاقاتنا الدولية علي وجه يحقق مصالحنا ، ويكفل سلامتنا بقدر ما تستطيع الدبلوماسية البصيرة الحاذقة اليقظة أن تفعله
وخليق بنا أن ندع هؤلاء الرجال لمهامهم الدقيقة ولا نفسد عليهم عملهم بتدخلنا ، ولا نشغل أنفسنا بهم أو نشغلهم بنا ، فان ذلك أحري أن يكلل جهودهم بالنجاح وفي ميدان النشاط الاجتماعي متسع لكل عامل ، ولدينا من المسائل العامة ما يكفي لان يشغل كل قادر على التفكير والعمل
فنحن أمة فقيرة ، دخلها القوي لا يكفي الفرد في المتوسط إلا لعيشة الكفاف ، ولدينا موارد غفل يحتاج للرؤوس والأيدى لاستغلالها ، وزيادة الانتاج القومى الذي يرفع مستوي المعيشة ويزيد في قوة الشعب
البلاد بحاجة إلى نهضة صناعية واسعة ، تنتفع بالخامات التي نجدها في البلاد وتحولها إلي مصنوعات تكفيها بعض ما تستورده من الخارج ، وتهيئ لفريق من ابنائها العاطلين أسباب العمل
وإذا كان بنك مصر وشركاته قد ادأ للبلاد بعض الخدمات العظيمة في هذا الباب . فان نواحي العمل الممكنة لا تزال كثيرة ، ولا يزال في الاستطاعة خلق ساعات مصرية كثيرة تقوم على الخامات المصرية بالايدى المصرية . وفي البلاد أراض زراعية فسيحة باثرة لا ينتفع بها ، وهي بحاجة إلي مشروعات واسعة لإصلاحها واستغلالها وزيادة الانتاج القوي تبعا لذلك
وفي الناحية الزراعية متسع لنشاط جديد في مقاومة الآفات وإدخال الطرق الحديثة ، وتنظيم الحياة التعاونية بين الفلاحين . وكل ذلك كفيل بحفظ ثروة البلاد وزيادتها
ومشكلة التجارة مشكلة كبرى تقتضي جهودا قوية منظمة لحلها وتحويلها إلي تجارة مصرية ينتفع بها المصريون ويعمل فيها المصريون
فأسواقنا يسيطر عليها الماليون الأجانب ، وتجارة الصادر والوارد يمتص خيرها وسطاء من غير أبناء البلاد . وتجارة التجزئة موزعة توزيعا سيئا يضعف ربحها ويحقق كسادها . وتجارنا لم يستفيدوا من نظم التعاون وأساليب العرض والدعاية الحديثة . وفي هذا كله مجال للدرس الاجتماعى وللاصلاح المفيد الذي يعود بالخير على البلاد والأفراد
وفي البلاد بؤس فاس سببه ضعف الانتاج القومى ونقص أبواب العمل المفتحة للمصريين ، بتجلى في جيوش المتسولين والمتشردين والعاجزين والعاطلين . ويزداد تجليا في النساء وهم أكثر من نصف الأمة ، فهؤلاء ترواد دائرة العمل فى وجوههن ضيفا ، ويتضاعف بؤسهن الترمل والطلاق وكثرة العيال ، فيلجئهن ذلك إلي مزالق اجتماعية خطيرة
وفي هذه المشاكل مجال للخدمة الاجتماعية الكبيرة لعلاج الحال وتلاقى الأسباب الباعثة عليها ، وتنظيم البر الوقائى والبر العلاجي تنظيما يصون هذه الأرواح المضيعة ، والقوى التي لا تنتفع بها البلاد ، بل قد تكون مصدر فساد وضرر ويتصل بالفقر والبؤس ، مشكلة الجرائم الكثيرة
المنتشرة ، كالسرقة والنصب والنهب وغيرها من المسائل التى تتطلب درسا اجتماعيا دقيقا لعلاجها وتقليلها ، لا إلا كتفاء في حلها باصدار القوانين وتنفيذها
وفينا جهل أغلق علينا أبواب الفكر ، وحرمنا نور العلم ، وجعلنا فريسة للمحتالين والمشعوذين ، واقعدنا عن وسائل العمل الناجع في الحياة . ومشاكل التعليم الصحيح ، وتربية الأمة التربية التي تجعل من أبنائها أعضاء نافعين في الوطن ، مشاكل تتطلب جهود الباحثين وافجر بين وعدم الركون في حلها على الجهود الرسمية وجدها وفينا ضعف صحي جعلنا فريسة لأمراض متوطنة كثيرة ، وأضعف حيويتنا ونشاطنا وفي مجال العمل الوقائى والعلاجي متسع للجهود الإنسانية النافعة
وشبابنا مسرف مثلاف ، يبعث بماله ووقته ، وهو بحاجة إلي تنظيم لفراغه وتهيئة وسائل التسلية البريئة له ، وبث الروح الرياضي السامى فيه ؛ وهذا باب واسع من أبواب العمل الاجتماعي
وبيوتنا ونوادينا وريفنا ومدننا ومأكلنا وملبسنا ، وكل شؤوننا بحاجة إلى جهود منظمة تتولاها بالأصلاح والتهذيب ) وحينما وجهت بصرك لقيت مشكلة اجتماعية تتطلب الحل
والحل لا يكون إلا بإنصراف جماعة لبحثها ودرس أسبابها ونتائجها والعوامل المحيطة بها ، ومحاولة تجربة بعض الوسائل لعلاجها ، واخيرا وضع خطة شاملة للاصلاح في تلك المسألة تقوم عليها تلك الجماعة ، وتكون تعدى للحكومة في سيرها في ذلك السبيل
أفلا ترى معي أن خدمة البلاد تتطلب جهودا كبيرة في نواحي كثيرة ، واننا لو احسنا توزيع انفسنا على تلك النواحي لما قل اثر تلك الجهود نفعا للوطن عما يبذله السياسيون ، مع عظيم تقديرنا لفضلهم
مضت سبع ليال ، وانا افكر تحت مصباحي الأخضر في امر تلك الفتاة . لقد وعدتها بالمعونة وتركتها تعتمد على . ولقد ذهبت على أن تعود إلي . ولقد تم بيننا الاتفاق على أن ترورني مرة كل أسبوع . ولكني حتي الآن لم أعرف السبيل إلي هداية هذه الفتاة إلي دين " الفكر " . لقد بدأ يداخلنى الشك في نجاح مهمتى . إن الراهب يستطيع أن يهدي الغانية الضالة إلي حظيرة السماء بغير عناء ، لأن جمال الفضيلة ظاهر للعيان وفكرة الخير والشر في ذاتها لا تحتاج إلي برهان . ومبادئ العقائد الإلهية في مقدورها بغير اعداد طويل أو تدليل وتعليل ان تنفذ وشيكا إلي القلوب . أما شؤون الفكر والأدب فهي شئ لا يغرس في كل الأحيان غرسا . إنها نزعة من نزعات الطبع قد تولد في الإنسان أو لا تولد فكيف ألقى بذورا في أرض لم يهيئها ربها للانبات والآزهار . ولكن مهلا ، في اعتقادى أن كل نفس إنسانية قد هيأها ربها لالتقاط طيب البذور ، وأعدها لاستقبال نور الجمال . إنما العبرة بالباذر ، والأمر مرهون
بقدرة الكاشف عن أسرار الحسن العلوي . لا ينبغى أن ارتاب مرة أخري في رسالة راهب الفكر . ولا يجب أن أضيع بعد اليوم وقتا في مذاكرة هذه المسألة . إنما على بأن أوجه همى إلي التفكير في الطريقة التي سأتبعها في معونة الفتاة . وضاق صدري من طول البحث عبثا كل تلك الليالي . وخطر لي أن أسترشد بما فعله راهب تابيس . فمددت يدى إلي كتاب أناتول فرانس . إني لم أفتحه منذ نحو أربع عشرة سنة ، ولقد نسيت ما فيه . ففرقت بين صفحائه ليلتين . عجبا . . لكأني أقرؤه للمرة الأولى . إني لم أفرغ منه بعد . لقد قرأت أكثر من نصفه . فاتضحت لعينى أشياء. ما اشقي الآدبيين! لقد كتب عليهم العمى ، وهم يحسبون أن لهم عيونا مبصرة . إنا لا نبصر حقيقة الأشياء إلا بعيوننا الداخلية ، ولا ندرك حقيقة الأمور إلا باتصالها واصطدامها بجوهر مشاعرنا . إني مهما بلغت من سمو العقل وذروة الفكر ، ما كنت أنفذ إلي أعماق الراهب " يافنوس " إلا اليوم ، نعم اليوم ، لأنى أشعر بما كان يشعر به ، وأحس أن الظروف تضعنى في الموقف الذي وضعته فيه . هنالك مع ذلك فرق بيننا : إنه هو الذي ترك صومعته في بطن الصحراء ومشي الليالي الطويلة حافي الأقدام ، يطأ الحشرات ، ويأكل عشب الأرض ليذهب إلي الغانية الجميلة " تابيس " في مدينة الإسكندرية كي يهديها إلي نور السماء . إنه تجثم من أجلها الأخطار والأهوال . ما الذي حمله على ذلك ؟ إن تلك الفكرة لم تنشأ في رأسه إلا فجأة ذات مساء ، إذ خطر له طيفها الجميل ، وذكر رؤيته إياها أول مرة في مدينة البحر قبل أن يهب الدين حياته ، وذكر تحرقه شوقا إليها في ذلك الوقت مثل غيره من بقية المغرمين . ولكن حب العقيدة طوى حب المرأة فاعتصم بالوحدة في قلب الصحراء . حتي بدا له اليوم ذلك الخاطر العجيب ، أن يقوم بتلك
المعجزة ، ويربح هذه الغالية للدين . ولقد التهمت الصفحات شوقآ للوصول إلي ذلك الموقف من الكتاب ، حيث يقف الراهب امام تاييس ، لأعرف وسائله وافقه كلماته التى استطاعت أن تهز تلك النفس الزائغة ، وتبهر تلك الأعين الناعسة ، وتفتح ذلك القلب الفاجر العابث ، لجمال نبيل لم يكن له به من قبل عهد :
كانت تلك الكلمات التي انطلق بها لسان الراهب بافنوس إذ وقف وجها لوجه أمام الجميلة هي هذه : " إني أحبك يا تايبس ، أحبك أكثر من حياتي ، وأكثر من ذاتي . من أجلك غادرت صحرائى . من أجلك لفظت شفتاي - المكتوب عليهما الصمت - ما لا ينبغي أن تلفظ . ومن أجلك سمعت أذني ما لا ينبغي أن تسمع . من أجلك اضطربت نفسي ، وتفتح قلبى ، وانبعثت منه أفكار كأنها يتابيع وافقة يردها الطير والحمام . ومن أجلك مشبت الليل والنهار خائضا غمار رمال تسكنها العفاريت . من أجلك سرت بقدمى العارية فوق العقارب والثعابين . نعم ، أحبك . أحبك . لا على مثال هؤلاء الرجال الذين يجبونك محترفين في مطالب الجسد ، كأنهم الذئاب الضاربة ، أو الثيران الثائرة . إنك محبوبة لدي هؤلاء ، ولكنه حب السبع للغزال . إن غرامهم المفترس يفتك بك حتي فرارة نفسك . أما أنا أيتها المرأة ، فإني أحبك حب الروح ، حب الحقيقة ، أحبك في الله ، ولدهور الدهور ، إن ما أحمله لك في صدري هو حرارة الحق . هو الإحسان الإلهي . وإني لأعدك بما هو خير من النشوة الفانية ، والحلم الزائل . أعدك بأفراح السماء . إن النعيم الذي آتيك به لا ينتهي أبدا . إنه لعجب من العجب . إنه لإعجاز يفوق كل إعجاز ! ولو قدر لسعداء هذه الدنيا أن يلمحوا مجرد ظله لخروا في الحال أمواتا من الدهشة ! أيتها السماء اشهدي ، إني لن أترك هذه المرأة حتى أضع في جسدها روحا مماثلا لروحي . فالهميني
كلاما ملتهما يذيبها كما تذوب الشمعة تحت أنفاسي . .
أيتها المرأة ، ألا فلتكن أصابعي قادرة على أن تصنعك من جديد ، وتطبعك بطابع جمال جديد ، لتصيحي بعدئذ وانت تذرفين العبرات من الفرح : اليوم فقط قد ولدت ، اليوم فقط رأيت النور ) "
لم أقرأ أكثر من ذلك . لقد أدركت النتيجة . إن الرجل الذي يستطيع أن يلقي في أذن امرأة مثل هذه الكلمات لابد بالغ منها ما يريد ، إن المرأة ، هذه الزهرة الأرضية السماوية في آن ، لتنتفتح أكمامها لمجرد تساقط لفظ " الحب " الندي ، مهما كان الثوب الذي يتخذه " الحب " ، ومهما كانت غاية ومراميه . إن إيمان المرأة هو الحب . هاهنا السبيل الهين السهل الذي يوصل المرأة إلي الإيمان ، إلي كل إيمان . وعندئذ اختلج قلبي . إن موقفى من الفتاة يختلف وينبغي أن يختلف عن موقف الراهب من الغانية ، لا لأن قلبي لا يستطيع أن يمتلئ حبا بهذه الفتاة ، بل لأنه لا ينبغي له أن يفعل ، ومع ذلك فإن الحب أيضا هو الذي قاد الفناة إلي مكان عزلتي ، مجتازة صحرائى الفكرية على قدميها الصغيرتين وحذائها ذي الكعب العالي الذي لم يطأ غير البساط الوثير والرخام اللامع والزهر المتساقط على عشب الحدائق . نعم ، حبها خطيبها المثقف هو الذي أتى بها من عالمها إلي عالمي . .
بقيت أنتظرها هذا الصباح في ساعة الموعد ، فلم تأت فقلت لنفسي وأنا أتنفس الصمداء :
- لقد استردها عالمها المض وجذبتها دنياها البراقة . وكفيت أنا مؤونة النفخ في دمية من طين وتراب !
على أني لم أستطع أن أخفي ماقام في أعماق نفسي من اضطراب ، لست أدري له سببا ولا أفهم له تعليلا ، إنما
هو نوع من الشعور بالأسف العميق . على ماذا ؟ ولماذا؟ لا استطيع أن أجيب . فالأمر يخرج عن نطاق ذهني الواعي :
وطرق الباب بفتة . وظهر رجل نوبى في ثياب نظيفة أعلمي أنه سائق سيارتها . وقدم إلي رسالة منها وانصرف ، إنها تعتذر من تخلفها عن الميعاد . وتقول إنها الآن في لباس " التفيس " . وإنها خجلت من القدوم إلي والمثول في حضرة كاهن الفكر بهذه الثياب . وإنها لا تجد بعد من نفسها الشجاعة على تضحية مثل هذا الصباح الرطب الجميل في سبيل شئ وإن كان هذا الشئ هو الأدب والفكر . وإنها الساعة تستنشق الهواء بملىء وتليها وتعرض شعرها المرسل وذراعيها العاربتين لشمس هذا الشتاء البديع . وإنها تتأمل النيل يلمع في مجراء الأحضر كأنه سيف ملفى فوق أعشاب حديقة . أو كانه شريط من الفضة فوق قيمة خضراء . وهنا تسألني الصفح عن إيراد هذا التشبيه . فهي لم ننس بعد أنها امرأة ، وأن طراز القبعات الحديث ما زال بشغل من التقائها أكبر مكان . وختمت كلامها بتكرير النماس المغفرة ، راجية مني أن أستبعد ما قد يخالحنى من سوء ظن بها ، وان أتق بنباتها على العهد ، وتمسكها برغبتها ، وإنمانها بقوة عزيمتها ، ونجاحها آخر الأمر فيما وطنت النفس عليه من السمو يروحها وفكرها إلي المستوي اللائق بخطيبها الحبيب إلي قلبها . .
إنها كتبت بالطبع هذه الرسالة بخط سريع رديء وعبارات لا تخلو من اخطاء في الهجاء ، وأسلوب فطري أقرب إلي اسلوبها في الحديث من اسلوب الكاتب في الآداء . ولكن أي نفحة عاطرة تنبعث من هذا
الكلام ؟ وأي نفس حية ذكية تكاد تثب من بين هذه السطور ؟ إذا صدق ظنى فإن هذه الفتاة نبع صاق لاينقصه غير الكشف عن أعماقه حتى يتدفق مأوه العذب يروى النفوس وينعش الاذهان . إن جوهر الروح الادبى عند هذه الفتاة وهي لا تدرى . فالأدب روح قبل كل شئ ، أما الاسلوب فأداة تكتسب فيما بعد بالمران الكثير والصبر الطويل ، وليس المنشود لهذه الفتاة فيما اعتقد حدق الأسلوب الأدبى من حيث هو خلق وإنشاء ، بل من حيث هو روح تضئ ، داخل نفسها البلورية فتنطق لسانها بالحديث الرفيع ، وتطلق من صدرها المشاعر العالية والأفكار السامية . .
آه : إن سبيلي الآن قد أشرق بالنهار المبين ، وعملي قد تحددت خطوطه وأركانه . إني أريد أنا ايضا أن اخلق هذه الفتاة خلقا جديدا ، وان اجعل منها عروسا تمرح بشعرها المرسل وروحها المضئ في مروج الفكر الرحبة المزهرة ، أريد أن اجعلها ملكة من ملكات المجالس ممن جاءت أخبارهن في التواريخ ، تعرف كيف تمس بصولجان روحها نفوس الرجال كما يمس المرود العين ، فإذا تلك النفوس قد تفتحت لتري ما لم تر . وإذا النشاط قد دب فيها ، فتثمر الفرائح وتنهض الهمم . وإذا الخير قد قاض ، والحياة قد نبضت في الأشياء والكائنات . .
آه . . إن المرأة هي كنز الكنوز . ولكنه مدفون في سابع طبقات الأرض ، فمن ذا يستخرجه غير ساحر من حذاق الكهان ؟ بل هي معجزة المجزات ، مطوية في سابع طبقات السماء ، فمن ذا يستنزلها غير راهب شديد الإخلاص ، قوي الايمان ؟ ؟

