الصين بلاد شاسعة جدا يبلغ عدد سكانها ربع سكان المعمورة وهي ذات حضارة عريقة اصيلة وتاريخ ثورى مجيد فهى بعيدة عنا مسافة وقريبة منا روحا بماضيها الاستعماري البغيض ونضالها التحريرى العنيد فلا غرابة ان كانت زيارتى لها مع وفد تونسي تحقيقا لاعذب الاحلام وتفهما لاثمن الدروس!..
نعم ! لقد اقتبلنا الصينيون اقتبلا اخويا صادقا واعربوا لنا بالزهور وبالابتسامات وبحرارة الاحتفاء وبحماس الترحيب عن ابتهاجهم بمجئنا وعن تضامن شعبهم الكبير بشعبنا الباسل واكرموا وفادتنا ومكنونا من زيارة مدنهم وقراهم ومصانعهم ومزارعهم ومساجدهم وكلياتهم وحدائق اطفالهم ونوادى عمالهم . . وسمحوا لنا بالدخول الى افخر قصورهم الامبراطورية والى اروع معابدهم وبمشاهدة اشهر مسرحيات " اوبرابيكين " الذائعة الصيت فزاد بإيماننا رسوخا بان الشعوب المكافحة ناجحة لا محالة ولا ادل على هذا من المعجزة الصينية نفسها التى لمسنا نتائجها بانفسنا . .
الاصلاح الزراعي
حققت الصين اقدم احلام فلاحيها فاعلنت الاصلاح الزراعي ووزعت ملايين الهكتارات على مئات الملايين من ابناء الارياف وحررتهم من الأكرية والاداءات التى كانت تتجاوز نصف محصولاتهم او اكثر الى الاقطاعيين وامدتهم بالماشية وبالاعانة المالية اللازمة فاصبح الفلاح الصغير يملك ارضه وينتج لنفسه . ثم شرعت فى انشاء التعاضديات الزراعية بصفة تدريجية وفي نطاق واسع وفى هذا النظام تبقى ملكية الارض والماشية بيد الفلاحين وتوزع الارباح حسب ما يملك كل عضو وحسب ما يقوم به من عمل وتتوفر اذاك امكانية شراء الآلات والقيام باعمال الرى البسيطة وتخصيص العمل الفلاحى حسب البرامج المعدة لذلك فاقتنع
الفلاحون بمزايا التعاضد وتطور الانتاج وزادت المحصولات وتحسنت ظروف العيش . وبقرب التعاضديات مدرسة ومصحة وقاعة للاجتماع والتمثيل المسرحي وملعب الرياضة .
تصنيع البلاد
وحقق الشعب الصينى ما تصبو اليه جميع البلدان الموصوفة " بالتاخر الاقتصادى " فى عرف الراسماليين فشرع فى تصنيع بلاده الغنية بالثروات الطبيعية وبالرجال والمفتقرة الى المال والاخصائيين واعاد تشيد اقتصاده الذى حطمته الحرب ثم سن المشاريع الخماسية والمشروع الخماسى هو برنامج الاعمال لخمس سنوات ، فانجز بفضل هذا كله الدعامة الاساسية لكل تصنيع باقامة صناعة ثقيلة كفيلة بصنع الالات الضخمة لتجهيز معامله المتكاثرة وقد زرنا شمال الصين الشرقي حيث تقوم هذه الصناعة الثقيلة فرأينا اعظم معمل للفولاذ " بآن شان " واول معمل للسيارات " بشان شونغ " ومعملا كبيرا للالات " بموكدن " واعجبنا بانجازات الصين الشعبية التى اصبحت تصنع جميع انواع الآلات فقوضت بذلك اركان الشركات الاجنبية المستغلة لثروات البلاد واندهشنا لمهارة العملة الصنيين فى حذق التكنكة " العصرية " واحدث اساليبها حتى اصبح الكثير منهم يخترعون ويخلقون وحتى تفوق بعضهم كعمال انموذجيين " ولمسنا بكل مكان " المساعدة الفنية السوفياتية " التى تقوم على الصداقة النريهة كما يقول الصينيون انفسهم . .
وزرنا مصانع اخرى للاقمشة والحرير وتحدثنا " بشنغاى " مثلا مع احد أصحاب هذه المعامل اى مع احد الراسماليين الوطنيين " فاعلمنا انه يملك خمسة معامل وان ارباحه تزداد كل عام وانه لا يحتفظ الا بربع ارباح صناعاته لان الارباع الثلاثة الاخرى يصرف اولها فى مصانعه نفسها لتوسيعها وتحسينها والثاني لسد حاجيات العمال الاجتماعية والثقافية والثالث يرجع الى ميزانية الدولة ، وفهمنا ان ساسة الحكومة تتلخص فى استعمال الراسمالية وتحديدها وتطويرها تطوير اشتراكيا بصفة تدريجية . والمعلوم ان المعامل الكبرى والصناعات الرئيسية لا تملكها الا الدولة وان ارباح هذه المعامل وهذه الصناعات تتألف منها ال ٦5 بالمائة من مداخيل الميزانية العامة
ويبنى الصينيون كثيرا وينشئون ويشيدون فقد رايناهم يقيمون السدود الجبارة فيستعملون الكثير من اليد العاملة والقليل من الآلات
ولا يكفى ان نقول ان شوارع المدن نظيفة وان لباس الصينيين والصينيات الازرق المتواضع كاف وانه لا يوجد ذبابة واحدة " ببيكين " ولا سائل واحد لنصور الاعتناء بالحالة الاجتماعية والاهتمام بتحسينها ولا ان ناتي بالاحصائيات الناطقة بهذا التحسن المستمر ولا ان تقارن الحاضر بالماضى القريب كما صورته لنا الكتب والافلام الاستعمارية من غراء واقذار "شرقية وفقر وتعاسة " طبيعية ! ... فقد ذهبنا الى الاندية العديدة المنتشرة وراينا فيها العملة يتعلمون فى اوقات فراغهم الموسيقى والتصوير والرقص او يطالعون او يشهدون التمثيل والغناء او يستمعون الى المحاضرات التثقيفية العامة والمهنية ! وراينا مستشفى كبيرا " بتيانسين " مجهزا باحدث اللوازم العلمية يعمل فيه عدد كبيرا من الاطباء والممرضين ولا يتداوى فيه الاعملة النسج وبصفة مجانية ، وزرنا دور الاطفال وحدائقهم وتفرجنا مع الصبيان فى قاعة سينمائية معدة لهم وقرأنا فى وجوه هؤلاء الاطفال الضاحكة فى صحتهم الجيدة وثيابهم النظيفة والعابهم المتنوعة البريئة اعتناء الصين الجديدة باحداثها اعتناء منقطع النظير كما شاهدنا الشبان يمرحون ويلعبون ويتعلمون فى اوقات فراغهم ايضا بافخر القصور
التعليم
ولا يكفى ان نتحدث عن ال ٥١ مليون من تلاميذ المدارس الابتدائية وال ٣ ملايين ونصف من تلاميذ المعاهد الثانوية ومئات الالاف من طلبه مدارس الترشيح ولا عن عشرات الملايين من الجنود والعملة والفلاحين الذين محوا الامية بل يجب ان نشير الى الاساليب الثورية الجماهيرية فالبناءات المدرسية بسيطة متواضعة لا نقوش فيها ولا زخرف والمدرسون دائبون على تحسين مستواهم الثقافى وطرق التدريس ، وتوصل الصينيون الى افساح المجال للعملة وللفلاحين حتى يتعلموا بسرعة فيلتحقوا بالجامعات لمواصلة تعلمهم . . ولن ننسى اقتبال عميد جامعة " نانكين " وكبار اساتذتها ولا اقتبال طلبة العربية بجامعة " بيكين " اقتبالا حماسيا رائعا . . واما فى ميدان محاربة الامية فالمعلمون متطوعون ومحتوى
التعليم مرتبط بحاجبات التلاميذ الكبار من عملية وفلاحين ونساء والمصاريف قليلة تتحملها الجماهير الراغبة فى التعليم ولعل اروع ما سمعنا في هذا الباب هو ان النساء المرضعات اللاتى لا يستطعن حضور المدرسة الليلية باحدى التعاضديات الزراعية تستعن بابنائهن تلاميذ الاقسام الابتدائية ليتعلمن القراءة والكتابة
المرأة الصينية
وراينا فى كل الجهات التى زرناها الحرية والانعتاق ، راينا حرية نساء الصين وانعتاقهن من العبودية التى دامت آلاف السنين وراينا ان المراة اصبحت ندا للرجل لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات ففيهن الوزيرة والنائبة بالبرلمان والمديرة لمعمل او لمصنع او لتعاضدية زراعية والمسيرة للمنظمات الجماهيرية والطالب والمتوظفة ...
هذا عرض خاطف سريع لبعض ما رأينا وشاهدنا وسمعنا بالصين الشعبية ولعله يوضح بعض جوانب المعجزة الصينية وهى معجزة شعب تحرر نهائيا من الاستعمار والاقطاعية البغيضة وقدر قيمة الاتحاد والتكتل فى جبهة واحدة صامدة دعامتها اتحاد العملة والفلاحين وهي ايضا معجزة امة حلت مشكلة الارض العويصة بالاصلاح الزراعي العملي ومسألة التاخر الاقتصادى " بتسطير برامج التصنيع البعيدة المرمي وهي معجزة بلاد تحرر عمالها وفلاحوها وشبابها ونساؤها فانطلقت مواهبهم نحو الخلق والانشاء لانهم فهموا انهم انما يسعون لصالح شعبهم المتيقظ الناشط الجريء وهي عبرة لنا ولغيرنا
