الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

مشاهداتي في مصر

Share

نزلت بمصر عند رجوعى من العراق (١)  ومكثت بها أحد عشر يوما فقط الا ان تلك المدة الوجيرة كانت كافية لمحو كثير من الافكار الخاطئة التى دستها بعض الدعايات الغربية فى ذهنى . فقد وجدت نفسى في بلد عربي كالعراق او كتونس لكن وجدت أيضا فرقا كبيرا بين درجة التطور في مصر وبينها في غيرها من البلدان العربية لا فى الميدان الثقافي فحسب بل والاقتصادي والمعماري وحتى الاجتماعى .

وساقتصر فى هذه العجالة على الحديث عن الاقتصاد والاجتماع بمصر . ثار الشعب المصرى سنة ١٩٥٢ بقيادة ثلة من الرجال المخلصين خرجوا من صميم الشعب فافتكوا زمام الحكم وقلبوا الاوضاع السياسية فى ظروف يعلمها الجميع . ثم بعد ان ركزوا نظامهم السياسي شرعوا فى ثورتهم الاقتصادية والاجتماعية فاخرجوا من مكاتب الادارات المشاريع والتصميمات المنسية التى سطرها العهد القديم منذ عشرات السنين وعجز عن تنفيذها . فشرعوا فى درسها وتطبيقها بعد اجراء التنقيحات اللازمة عليها ثم هيأوا برامج تكميلية اخرى وشرعوا في تنفيذها ايضا وبفضل ما انجزوه فى ظرف عامين فقط تكونت هزة نفسية فى اوساط الشعب جعلت الفلاح البسيط مثلا بعمل ويكد اضعاف ما كان يعمله سابقا متحملا التضحيات عن طيب خاطر اذ تكونت في نفسه روح جديدة للعمل والانتاج لرفع مستوى بلاده اولا وبالذات ومستواه هو ثانيا وبالعرض .

وقد اعتنيت اثناء زيارتي الى المعامل والحقول وحتى فى بعض مقاهى المدينة بالتحدث الى ابناء الشعب من الطبقات العاملة فطرحت عليهم الاسئلة التالية : ما هي أجرتك اليومية ؛ هل هي كافية لسد جميع حاجاتك ؟ ما رأيك فى النظام الحالى ؟ . . . . فكانت الاجوبة لا تختلف كثيرا عما يلي : أجرتي اليومية لا تزيد

عن الثلاثين قرشا (او احيانا 20 قرشا) وهى لا تكفى لسد جميع حاجاتي الااني قانع بها الآني متيقن ان بلادي ستصبح قوية بفضل تضحيتي وعملى المتواصل ثم ينتقل الى الحديث عن مشاريع الثورة وعن السد العالى . . . . . وقد قال لى احد العملة في معمل حكومي لتصفية النفط بالسويس : كيف اطلب زيادة فى أجرتي وإنا اعلم ان انور السادات مثلا لا يتقاضى في الشهر الا اربعين جنيها ؛ فعلى ان اضحى مثله وان اضاعف الجهود لتسعد بلادى . . . ." !

روح جديدة واندفاع لم المسه فى العراق ولا فى لبنان مثلا ولا وجود له في بلادنا رغم تبدل الاوضاع عندنا ، وتلك الروح اكبر راس مال غنمته الثورة لبناء صرح مصر الجديدة .

مشاريع الثورة

أ - مشروع مديرية التحرير :

مشروع بهدف الى غزو الصحراء على مساحة قدرها ٦١٠ الف فدان اى 256000 هكتار وجعلها ارضا صالحة للزراعة وقد مدت قنوات المياه اليها من ترعة التحرير الرئيسية التي تستمد ماءها من النيل ثم وقع حفر بعض الابار الارتوازية فى الاماكن التى توفرت فيها الشروط لذلك ، ثم شيدت القرى فى هذه الصحراء فتم بناء قرية أم صابر وقرية السيد عمر مكرم وقرية شاهين ومركز بدر وفى هذه القرى مساكن للفلاحين ومدرسة وحمامات وسوق تجارية ومسجد ومبنى للادارة ومبان زراعية مشتركة زيادة على الساحات الرباضة . . . . . .

اما المبدأ الذي يسير عليه هذا المشروع فهو ان يتسنى لجميع قرى المديرية ان تأتي بانتاج يضمن الاكتفاء الذاتى للمنتجين فى هذه المديرية الناشئة من ناحية ويعود بالنفع على البلاد في مستقبل قريب من ناحية اخرى . فالكهرباء مثلا آتية من محطة خاصة تكفي حاليا لتنوير القرى الموجودة وكذلك مصانع الطوب والتبطين وغيرها . . . . ينتقل المنتفعون من قراهم القديمة الى المديرية فتحصل كل اسرة على مسكن صحي مناسب أعد بالأثاث والمهمات اللازمة ثم يشرعون في العمل بعد قضاء مدة معينة في التدريب والتمرين ثم يتقدمون الى حياتهم الجديدة تحدوهم برامج مدروسة وتوجيه سليم ورعاية اجتماعية وثقافة وتربويه

وصحية واقتصادية بالقدر الذى يحتاجونه فى كافة مراحل حياتهم . وعلى حسب النتيجة يسمح للاسرة بتملك الارض والعقار فيكون لها رأس مال خاص .

ومما يلاحظ ايضا ان هذا المشروع مصرى صميم فى ابحاثه وتنفيذه وتمويله والعاملين عليه . وهو يستهدف زيادة على كسب مساحات زراعية جديدة - خلق مجتمع مصرى جديد متعاون متكافل قائم على نظام اقتصادى واجتماعى تتوفر فيه للمواطنين الحياة الحرة الكريمة وهو النظام الاشتراكي المثالى الذى يهدف اليه تفكير رجال الثورة .

ب _ مشروع الوحدات المجمعة مجلس الخدمات العامة :

غاية مجلس الخدمات العامة تنسيق الخدمات التى تؤديها الدولة للشعب مع تلك التى تؤديها الهيئات الاهلية . ووضعها على اساس صالح يحقق الهدف الرئيسي وهو رفع مستوى المعيشة بين افراد الشعب برسم سياسة الاصلاح الشامل واعداد المشروعات الصحية والتعليمية والعمرانية والاجتماعية والاشراف والمساهمة في تنفيذ تلك المشروعات :

الوحدات المجمعة : قسم الريف المصرى الى مناطق تعد كل واحدة منها ١٥٠٠٠ ساكن ولكل منطقة وحدة مجمعة تحتوي على :

١ - مدرسة بها ١٢ قسما (فصلا) منها ستة فصول للصناعات الريفية . ٢ - مجموعة صحية بها عيادة خارحية كاملة وقسم داخلى به ١٤ سريرا ٣ - قسم الخدمة الاجتماعية وبه قاعات للاجتماعات والسنما تسع ١٨٠ شخصا مع متحف ومكتبة ومكتب خاص بالموظف الاخصائى الاجتماعى ومسجد .

٤ - دار للحضانة ٥ - ساحة شعبية . ٦ - حظائر للمواشى

٧ - مساكن لجميع موظفى الوحدة منها 4 "فيلات" للمتزوجين منهم ، تلك هى الوحدة المجمعة . وقد بلغ عدد المناطق ٨٦٤ منطقة ونفذ هذا المشروع فى السنة الماضية ٢٠٠ وحدة مجمعة اعتمدت فيها نحو الستة ملايين من الجنيهات .

الصناعة المصرية

الصناعة بمصر قديمة العهد خلافا لما هو موجود بالعراق فقد نشأت اثر

الحرب العالمية الاولى وتركزت بفضل ما أقيم حولها من حواجز حمركة حمتها من المزاحمة ، ثم اخذت في الازدهار منذ الحرب الثانية فتكونت حركة للتوسع فى استغلال البلاد للصناعة ومن اجل ما كان من عوامل القصور فى عمليات التنمية الاقتصادية اذ انها لم تكن تسير وفق برامج مدروسة متناسقة بادرت الحكومة الحالية بتاليف المجلس الدائم لتنمية الانتاج القومي قصد استقصاء موارد البلاد وتوجيهها الوجهة الصحية . ولنستعرض فى عجالة اهم هذه الصناعات :

١ - صناعة الغزل والنسيج القطن  الحرير - الصوف البطاطين الكتان الجوت شغل السنارة ملابس داخلية . وحتى ضبط الموضوع برقم تقول : ان معمل " المحلة الكبرى " وحده يشغل فى حالته الاعتيادية * الف عامل ) وهو بشغل الان نصف هذا العدد لاسباب خاصة طارئة : الاسعار العالمية المنخفضة العلائق التجارية بين مصر ودول الغرب ( . وينتج هذا المعمل خمس الانتاج المصري من نسيج القطن فقط ، وهو مجهز كغير من المعامل المصرية - باححدث الات الغزل والنسيج ويشرف عليه مصريون من العامل البسيط الى المهندس الى المدير العام الى صاحب راس المال

٢ - الصناعات الغذائية : الالبان ومنتجاتها المحفوظات الغذائية - السكر الزيوت النباتية - وقد بدات مصر فى هذه الصناعة تسد حاجاتها بل وتترك فائض اخذت تصدره الى الخارج (السكر مثلا).

٣ - الصناعات الاستخراجية : أ - البترول " تنتج مصر من البترول ما يقدر بحوالي مليونين ونصف طن وتستورد مليون طن لسد حاجاتها . ويوجد بمدينة السويس معملان للتكرير زرت احدهما وهو معمل الحكومة وتبلغ طاقته 130000 طن ، والثاني لشركة خاصة وطاقته مليونان . والحكومة بصدد انشاء معمل ءاخر بالقاهرة بعد أن انشات معملا بالاسكندرية وتنتج هذه المعامل من الاسفلت ما يكفي مصر وزيادة

ب - الفسفاط : الناتج السنوي 500000 طن يستهلك منه 70000 طن يحول إلى سماد في مصانع محلية .

ج - المنجنيز والزنك والرصاص والطلق (لصناعة الصابون ومسحوقDTT والورق والدهن ... ) والذهب ويستخرج من وادى السد بالصعيد ويبلغ انتاجه

٥٦٠ كيلو تقريبا فى السنة ، والجبس وتصدر منه مصر سنويا حوالي ١٢٠٠٠٠ طن والرمال السوداء التى يحملها النيل قرب المصب وهى تحتوي على انواع شتى من المعادن بنسبة ذات بال والولفرام ويستخرج منه التنجستين الصالح ايضا في صناعة الصلب . . .

ثم صناعات مواد البناء ثم الصناعات الكيميائية واخص بالذكر منها : صناعة الورق : مصانع الورق والورق المقوى تنتج ٤٠ الف طن في السنة اي نصف الاستهلاك المحلى . والحكومة جادة في سد جميع الحاجات بتوفير الاشجار الصالحة لانتاج لب الحشب المطلوب .

صناعة البلاستيك : الادوات المنزلية وادوات المكاتب والمدارس ولعب الاطفال وادوات الزينة وبعض الادوات الكهربائية والصحية ويوجد مصنع بالقاهرة وءاخر بالاسكندرية .

صناعة البطاريات والاطارات المطاطية (الدوواليب : Pneus) هناك مصنع حديث العهد كلفت باقامته شركة مصرية ( شركة النقل والهندسة ) بالتعاون مع شركة اميركية وقد تمت المرحلة الاولى من المصنع ( وكانت مصاريفها مليون جنيه تقريبا ) وبدأ هذا المصنع ينتج بطاقة : ٢٥٠ الف اطار خارجى ومثلها داخلي منها ١٥٠ الف اطار لسيارات الركوب و ١٠٠ الف لسيارات النقل .

صناعة الحديد والصلب ( الفولاذ ): مشروع في صدد التصميم وتنفيذا له قامت الحكومة المصرية بتاليف شركة مساهمة مصرية راس مـ لها ٩٥ مليون جنيه ( تساهم الحكومة بمبلغ مليونين ، والبنك الصناعى ومجلس الانتاج بمبلغ مليون ونصف وشركة ديماج الالمانية بمبلغ مليونين وبنك مصر بمبلغ مليون والباقى طرح للاكتتاب العام ) . وقد احدث هذا المشروع هزة نفسية فى جميع الاوساط الاقتصادية والشعبية فأقبل الشعب باسره على الاكتتاب .

وعند إتمام هذا المشروع سيكون لمصر معامل جديدة لصناعة عربات السكك الحديدية التى بدأت الحكومة في وضع تصميماتها ومعامل حربية زيادة على الحالية التى تنتج في الوقت الحاضر من الخراطيش الى الدبابات الخفيفة ...

على ان هذا الازدهار الاقتصادى المنتظر مرتبط بمشروع السد العالي مشروع السد العالي : سد يسمح بتخرين مقدار من الماء يساوي ١٣٠ مليار

من الأمتار المكعبة يخصص منها ٣٠ مليارا لمقابلة رسوب الطمي وهي سعة تكفي الرسوب الطمى لمدة ٥٠٠ عام والبقية التى تقدر بسعين مليارا من الامتار المكعبة تمثل المخزون الحي الذي سيخصص لسد حاجات الري والملاحة ، هذا زيادة عن الانتاج الكهربائى .

تأثير السد العالي على الانتاج الزراعي : يتلخص فى ١ - إمكان التوسع في الاراضى المزروعة في نحو مليونين من الافدنة اى ٨٤٠٠٠٠ هتكار من الاراضى الصحراوية والاراضى البور . ٢ - ضمان الزراعة فى أشح السنين .

٣ - الوقاية من الفيضانات وتوقيف اشغال تعلية الجسور وتقويتها وفى ذلك ربح مئات الآلاف من الجنيهات سنويا . ٤ - ضمان زراعة 294000 هكتار من الارز سنويا مهما كان إيراد النهر في الصيف .

تأثير السد العالى على الانتاج الصناعي

سيتيح السد العالي توليد قوة كهربائية عظيمة تصل فى مرحلتها النهائية الى نحو عشرة مليارات كيلوات ساعة بسعر منخفض بقدر بحوالي نصف ( فرنك ) للكيلوات ساعة مع إمكان نقل جزء كبير منها الى القاهرة بسعر الكلوات ساعة فرنكين في حين ان سعرها عندنا بتونس يقارب ١٧ فرتكا . وإذا علمنا ان نصب الفرد في مصر بعد توليد الكهرباء من السد العالى سيقفر الى أكثر من 400  كيلوات ساعة بدلا من ٦٠ في الوقت الحاضر امكن لنا ان نتصور كيف سيرفع هذا المشروع شأن مصر بين الامم فى هذا المضمار .

وقبل الختام لنذكر الهيئات الاقتصادية الرئيسة : ١ - المجلس الدائم لتنمية الانتاج القومى : وهو مجلس تابع لمجلس الثورة يضع ميزانية الشروعات التى يقرها فيعهد بها الى المصالح الحكومية او الى المقاولين ان رأى ذلك او يدعو الى انشاء الشركات وله ان يكتتب فى اسهمها وله سلطة القروص وإصدار السندات في مصر او فى الخارج بضمان الحكومة .

٢ - البنك الصناعى : وهو شركة مساهمة مصرية برأس مال قدره مليون ونصف من الجنيهات .

٣ - المعهد القومي للبحوث : البحوث العلمية طبعا التي تتولاها المصالح العامة والمؤسسات الصناعية .

الخاتمة

بعد زيارتي للعراق ومصر رجعت من الشرق بفكرة جديدة عنه مسحت كل ما علق بذهني سابقا من دعايات استعمارية مضللة تريدان تبعدنا عن الشرق بأكاذيب وأساطير تجعلنا نعتقد مثلا ان تونس قد بلغت اوج الكمال في التقدم والرقي والنضج ... بينما الشرق لا يزال يتخبط فى ظلمات القرون الوسطى .

والحقيقة تخالف ذلك اد وصل الشرق فى بعض الميادين الى درجة من التقدم ما احوجنا الى الوصول الى احدى مراحلها الاولية : واكبر درس استخلصته من هذه الرحلة هو ان الشعوب لا تنهض الا اذا سلمت النوايا وأخلص الجميع في خدمة المثل الاسمى .

ففي مصر تمكنت الثورة من فرض وجودها على معارضيها بفضل ما ضمنته لنفسها من تأييد شعبي كامل جعلها تستعمل احيانا وسائل غير مشروعة لايجاد الموارد المالية الكافية لتحقيق مشاريعها ، إلا ان نزاهة رجال الثورة وتفانيهم في خدمة الصالح العام ونكرانهم الذات كل ذلك جعلهم محل تقدير عند الجميع.

حققت مصر ذلك لنفسها فنرجو لها اطراد النجاح كما نرجو ان تنسج العراق وتونس ايضا على منوالها وان تنجحاكما نجحت.

اشترك في نشرتنا البريدية