" لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة " ومن يكون هذا الرسول ، لمن يتم هذا الشرف ، أي الناس حري بأن ينقذ الناس من الظلمات إلي النور : " الله أعلم حيث يجعل رسالته " فلا يصطفى لها إلا أحسن الناس خلقا وأشرفهم محمدا : اصطفي لها أمين قومه وعظيم أمته ، اصطفى لها اكثر الناس تواضعا وأصلبهم عودا ، اصطفى لها محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي زينة العرب أجمعين
عبد ربه ووكل إليه امره ، وإذا به يسمع وماذا يسمع ، هو صوت شديد يترد في أقصي أضلاعه : " افرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأ كرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم"
أصابته الدهشة ، وصعق للصوت ، وأكبر الأمر ، وارتجف كأنه في يوم صقيع وجليد ، فتدثر بثوبه . وعاد الصوت اشد وأقوي يردد : " يا أيها لمدثر ، فم فأنذر ، وربك فكبر"
هام الرسول على وجهه وإذا به أمام زوجته فطفق يقص قصته عليها وهي تهدى روعه ، حتى إذا خلا بنفسه مرة أخرى عاد الصوت يتغلغل في أعماق نفسه ويقول : " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا "
" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه " فخرج إلي"
الناس وهو يقول : " يا أيها الناس ، إني رسول الله إليكم جميعا ، الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو ، يحيي ويميت ، فآمنوا بالله ورسوله ، النبي الأمى الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون"
دوت هذه الدعوة في مكة ، وتجاوبتها شعابها ، فهب أهلها دفعة رجل واحد واجتمعوا حول الرسول واجمين ، فأعاد عليهم القول بصوت يزداد قوة وإيمانا : " يا ايها الناس إني رسول الله اليكم جميعا ، الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو ، يحيى ويميت ، فآمنوا بالله ورسوله ، النبي الأمى الذي يؤمن بالله وكلماته ، واتبعوه لعلكم تهتدون:
وجمت قريش وظنوا أن الأرض مادت بهم ، وإذا أكفرهم وأشجعهم على قول الباطل يصيح : لقد ضل محمد لقد غوي ، فأجابه الوحي : " والنجم إذا هوى ، ما ضل صاحبكم وما غوي ، وما ينطق عن الهوي ، إن هو إلا وحي يوحي ، علمه شديد القوي ذو مرة فاستوي ، وهو بالأفق الأعلى ، ثم دنا فتدلي ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلي عبده ما أوحى ، ما كذب الفؤاد ما رأي أفتمارونه على ما يري "
وأصاب الوجوم قريشا ، وصعق قائلهم وإذا بصوت الرسول يدوي ويقول : " إنما يوحي إلي انما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون "
شعرت قريش بأن هذا الكلام عظيم رهيب ، واقشعرت جلودهم وقلوبهم ، واضطرب أمرهم فلم يجدوا إلا أن قالوا : " ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم ، وقالوا ما هذا إلا إفك مفتري ، "وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين"
كلا لم يكن إفكا ولم يكن سحرا . ما كان إلا كلام الله تعالى الله عما يصفون .
قال الرسول : " إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادي ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ، إن هو إلا تذير لكم بين يدي عذاب شديد "
عاد الوجوم إلي قريش ، وما كانت قلوبهم لتصدق بما تسمع وتري ، وقد ملئت بالكفر ، ووجد أحدهم ما يدفع به الدهشة ويزيل الحيرة فصاح : " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، لولا أنزل إليه ملك ، فيكون معه نذيرا "
تهلت وجوه قريش لهذا القول وظنوا أنهم افحموا الرسول ، فجاء الوحي يقول : " ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ، ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون " فلم يفهموا انهم لا يقوون على رؤية الملك ، ولا يقوي الملك علي الاختلاط بهم ؟ فهزءوا وسخروا ، وقال قائلهم : هذا شاعر اتانا بكلام يستعذبه من يسمعه ثم يخشاه ثم يكبره ، فقال الله تعالى : " وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ؟
ونزلت السور تصدع نفوس الكافرين وشعروا بضعفهم امامها ، فهي صوت الحق ، لا شىء يبطلها ، فأقبلوا على الرسول يعرضون عليه الملك والمال ، فقال : " ما أسألكم عليه من أجر ، إلا من شاء أن يتخذ إلي ربه سبيلا " فأقبل بعض القوم مؤمنين .
تربص الكافرون بالرسول ، وأجمعوا على أذيته والهزءبه . والتسخيف لدعوته - وما كان محمد إلا بشرا رسولا - فآلمته فتنتهم واستنجد بربه فقال له : " ولقد استهزئ برسل من قبلك ، فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون "
عاد اليهم يدعوهم إلى حقه ويدفعهم عن باطلهم ،
فكذبوه وكذبوه ، فحزن واستاء - وما كان محمد إلا بشرا رسولا
قال الله تعالى :" فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المبين "
فتعزي الرسول بهذا ، ولكن شيئا واحدا لم يكن ليتعزي عنه وهو كفر قومه ، فقال تعالى : " ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئا ، يريد الله الا يجعل لهم حظا في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم "
عاد الرسول إلي قومه يقنعهم ويقول : " ما كنت بدعا من الرسل ، وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، إن أتبع إلا ما يوحي إلي ، وما أنا إلا نذير مبين"
ارتد المشركون إلي تعجيزهم قالوا : " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ، او تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا او نأتي بالله والملائكة قبيلا ، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء ، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " فقال : " سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا "
وظل يدعوهم بتلك البلاغة ويتحمل أذيتهم ، فأكرمه الله وأسري به وذكر ذلك فقال : " سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصي الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا . إنه هو السميع البصير "
فلما قص قصته هذه علا ضحكهم وكثر هزؤهم ، فتألم من ذلك ، فما كان محمد إلا بشرا رسولا ، ونزل : " لعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " فاصبر كما صبر أو لو العزم من الرسل ، ولا تستعجل لهم " صبر رسول الله بما لا يصبر عليه بشر في الأرض ، وكان
صبره ، وعزمه يجمعان عليه أهل الحق ، فيؤمنون ، ويتكاتفون حوله .
نصح الرسول شيعته بترك المال والأهل والأولاد والهجرة في سبيل الله ؛ وقال جل وعلا : "يأيها الذين امنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعا كم لما يحييكم "
أجاب المؤمنون الدعوة وساروا إلي الحبشة ثم إلى المدينة ولحق بهم الرسول وانتشر دين الله في المدينة وما حولها .
هذا صوت الوحي يقول : " إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن"
فسارع المؤمنون إلي سيوفهم وهبوا إلي نصرة دين الإسلام وأطاعوا الله ورسوله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك الفوز العظيم " وكيف لا يطيعونه و لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"
ها هو ذا الإسلام بنتشر في الشعاب والوديان ، وهاهي ذي مكة تسلم مفاتيحها إلي ابنها وعزيزها وهاهي ذي الآية تنزل : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا ، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ويتم نعمته عليك وبهديك صراطا مستقيما ، وينصرك الله نصرا عزيزا "
حمد الرسول ربه وطفق يدعوه بالعشي والأصال . وعلا نجم الإسلام ، وانتشر من أقصي الجزيرة إلي أقصاها ، وكان للرسول في ذلك الأثر الأكبر والبطولة العظمي ، وإذا
آيات الله تعظمه وتمجده وتقول : " إن الله وملائكته يصلون على النبي ، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ، وإذا المسلمون يصيحون ولا يزالون : اللهم صل على محمد سيد المرسلين .
ها هي ذي وجوه الصحابة تكفهر ونفوسهم تضطرب ، ماذا ؟ إنها لآية من آيات الله : " وما محمد إلا رسول خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل إنقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب هي عقبيه فلن يضر الله شيئا ، وسيجزي الله الشاكرين"
أما رسول الله فقد شكر ربه على تبشيره بقرب دعوته اليه ، ودنو لقائه له .
تذكر رسول الله آية من آيات القرآن ، فهب مسرعا وخرج إلي المؤمنين ، فصيح بهم ؛ رسول الله يدعوكم إلى مسجده ، فهرولوا ليسمعوا ما يقول ، تذكر عليه السلام قوله تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته " فدعا الناس ، واعاد عليهم أصول الإسلام ، ثم سألهم : هل بلغت ؟ فدوي صوتهم ؛ اللهم إنك بلغت ، اللهم إنك بلغت
ما عثم أمر الله أن اتي يدعوه إلي ربه ، فتهلل فرحا ، وأشرق وجهه ، ولعله تذكر مجاهدته في سبيل الله والأذية التي أصابته ، ثم تذكر قوله تعالى : " ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ، الذي أنقض ظهرك ، ورفعنا لك ذكرك"
ولعل أكثر ما أشرق له وجهه ، بعد فرحه بلقاء ربه تذكره ، وروحه تفارق جسده ، قول بارئه . "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
دمشق

