(إنه خلق ليحكم الناس، ولو كان في أوروبا إذا لكان له شان غير هذا الشأن، ولترك في تاريخها أثرا بعيدا) " دكتور شفاينفورت"
قلنا في المقال السابق، إن الزبير استهل على الكون في سنة ١٨٣١، وجمعية إبطال تجارة الرقيق دائبة المسعى، تحاول ان تفوز باقرار قانون يبطل تجارة الرقيق في ارجاء انجلترا ومستعمراتها، ويعتق من لا يزال منهم في حوزة المالكين؛ فقازوا ببغيتهم في سنة ١٨٣٣، والزبير طفل في طى المهد، كأنما أراد القدر في مفارقاته أن يولد في تلك الفترة الطفل الذي تردد اسمه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كأعظم ما عرف العالم من أساطين تلك التجارة اتهاما وظنا، وكعصامي سودته نفسه، ودفعته الأقدار إلي أن يلعب أكبر دور في تاريخ وادي النيل.
ترعرع الزبير وكيز كالصبية من لدانه، لا يتميز عنهم بغير عناده، وقوة شكيمته، وحبه للاندفاع والمخاطرة، وللتزعم والصدارة على إترابه الصغار. وأرسل به ابوه إلى المدرسة في السابعة من عمره ، فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القران؛ ثم تركها ليتفقه في الدين على مذهب مالك، وذلك كل ما كان يتلقاه ابناء التجار من علم فحسبهم من المعارف ما يزيل اميتهم ، وما يمكنهم من مزاولة أعمالهم، وما يستطيعون به فهم دينهم. ترك الربير مقاعد الدرس والتحصيل، واشتغل بالتجارة راضيا بها، يخسر تارة، ويربح اخري، وتسير
به الحياة من رغد لبؤس، ومن بؤس لرغد. لم تطف به احلام العظمة، ولم يرم ببصره إلي عريض الغني ومديد الصيت. ولما بلغ الخامسة والعشرين تزوج بابنة عمه، وعاش قريرا مستكينا، لا يعلم ما سيدفعه إليه القدر العجيب من تصرفات جسام، ومن اسم سيبقي بعده مجيدا رفيعا.
كان للزبير ابن عم يقال له محمد بن عبد القادر، تخذ التجارة مهنة كافراد العائلة وتقاليدها وعمل ما عمل، ثم انضم إلى خدمة أبي عموري المصري من كبار تجار الرقيق في بحر الغزال . فلما أراد الرحيل إلي الجنوب ، كتم خبر سفره حتى لا يذيع بين أهله فيمنعوه من الرحيل ، لما اشتهرت به بلاد بحر الغزال من المخاطرات والأهوال ، والموت المحقق في ذلك الحين ، وبلغ الزبير
خبره ، فأخذته الشفقة عليه ، وآلي على نفسه ليقتقين أثره ، وليرجعنه إلي ذويه . ومضي الزبير حثيث الخطى حتى لحق بابن عمه في قرية " ود شلعي " على مسيرة يومين من جنوبي الخرطوم . وأخذ يستعطفه تارة ، ويرجوه تارة أخري ، ويخيفه الأهوال ثالثة ، لعله ينثني عن عزمه ، ويرتد عن سفره . ولكن ابن عمه ككل أفراد آل رحمة ، كان عنيدا شموسا ، إذا صمم على شيء فلا بد من تنفيذه ؛ فأباها عليه ، وأقسم له ألا يعود إلي الخرطوم قبل أن يتم سفره ، ويرجع من بحر الغزال غنيا متريا ، أو يسمع ذووه خبره في الهالكين . فشق الأمر على الزبير ، واقسم له بالطلاق ، إن لم يكف عن عزمه ليسافرن معه إلي بحر الغزال ، فلم يعبأ ابن عمه بقسمه ، ومضي لطيته . واضطر الزبير مرغما كارها على السفر معه ؛ وهكذا ينسج القدر خيوطه حول الانسان ، ويهيء له من حيث يدري ولا يدري منازع للمجد لم يحلم بها أو يفكر فيها . وبقي الزبير طوال الرحلة مع ابن عمه ، بعد أن انضم إلى خدمة أبي عموري ، يستعيذ بالله من ذلك السفر الذي لم يكن يتوقعه ، والرحلة لم تمر عليه ببال . وأخذ يدعو الله سرا ، ويستغيث بكل ولي وصالح ، حتى أقلق الراقدين في الأبدية .
مضت السفينة تتخطي السدود والأعشاب ، حتى وصلت إلي " مشرع الرك " . فنزل الجماعة بأمتعتهم وبضائعهم في ٢ صفر سنة ١٢٧٣ ه ، ورحل الزبير بعد ذلك إلي داخلية البلاد ، والتقي بأبي عموري ، " وكان(١) في بحر الغزال في ذلك الحين كثير من التجار غير ابى عموري متفرقين في جميع الانحاء ، ولكل تاجر زريبة من شوك ياوي إليها ، ويضع فيها تجارته . وأهم الأصناف الرائجة في تلك البلاد ، الخرز على اختلاف أنواعه والوانه ، والودع والقصدير ، وكله مما يتزين به الأهلون نساء ورجالا ،
ويفضلونه على الذهب والفضة ، فيأخذونه من التجار مقايضة بسن الفيل والخرتيت وريش النعام والمطاط والحديد والنحاس ، وغيرها من محصولات البلاد .
مضي عامان سراعا ، والزبير في أثنائها قد ألف العيش وركن إلى الوسط الذي كان فيه ، ولم يفترق عن زملائه التجار في شيء ، يسوي الجراة والشجاعة والاقدام . وكانت ليلة ليلاء ، حالكة السواد ، ضريرة النجوم ، من ليالي خط الاستواء ، والتجار هامدون نائمون . فإذا حركة ودمدمة ، وإذا اهل البلاد السود يهجمون على التجار ، طمعا في مالهم . فقتلوا بعضهم ، وسلبوا أموالهم . وهم في هذا الهجوم والقتل والسلب ، خفافا ، سراعا ، ليضربوا الضربة القاضية ، قبل ان يستيقظ التجار ، ويسارعوا لنجدة بعضهم البعض .
وراحوا في فورة الدم ، وجنون القتل ، يذكرون ثاراتهم السوالف ، ويشفون غليل النفوس من تراث قديمة ، ومضوا كالاسد المتوثبة يهاجمون زريبة ابى عموري صاحب الزبير ، فتصدى لهم الزبير على رأس رجاله ، واحاط بهم ، وقاتلهم قتالا شديدا ، واعمل فيهم القتل ، واتخنهم بالجراح وهزمهم شر هزيمة ، بعد ان قتل منهم خلقا كثيرا .
تناقل التجار الخبر ، فجاءوا إليه ، والتفوا حوله ، ودانوا له بالطاعة ، واسلموه زمام الامور . وهابه أهل البلاد ، فلم يعودوا يجسرون على مهاجمة المكان الذي يكون فيه ، وكانت تلك المعركة ، أول معركة قاتل فيها الزبير ، واظهر فيها من الشجاعة وحسن التدبير ما رفعه في أعين مواطنية ، وما اخاف منه أهل البلاد . وسر منه أبو عموري سرورا بالغا ، فقاسمه الأرباح ، وانابه عنه وكيلا وسافر أبو عموري إلي الخرطوم ، فلما آب من سفره وجد أرباحه قد تكاثرت ، وتجارته قد تمت . فعرض على الزبير الشركة ، ولكنه رفض شاكرا ، وعزم على أن يشتغل بنفسه ولنفسه ، ويعمل لحسابه مستقلا منفردا .
هنا تبدأ المرحلة الثانية في حياة الربير ، ومنذ ذلك اليوم تلألأ نجمه ، وتقدمت به الحدود البواسم إلي غاية ما كانت له في حساب . أخذ ينتقل بعد ذلك في كثير من الأماكن حتى وصل به المطاف إلي بلاد النيام نيام ! قال الزبير : " فقدمت لملكهم هدية فاخرة ، واستأذنته في الاتجار في بلاده فأذن . وكان النيام نيام لا يعرفون الحمير في بلادهم ، ولا الجمال ولا الخيل ، وكان معي حمار فاره ، فأهديته إلي السلطان فلما رآه استغرب من هيئته ، وأخذ ينظر إليه متعجبا دهشا ، وقد ظنه في النهاية رجلا ممسوخا ، فلم يقبله ، ورده إلي معتذرا شاكرا ؛ وكان لهذا السلطان نحو اربعمائة امراة ، وأربعمائة ولد من بنين وبنات ، فزوجني بكبري بناته رانسبوه فعلا مقامي بهذه الصاهرة في عيون اهل البلاد ، وزادت تجارتى رواجا وتحسنا ، حتى اجتمع عندي في وقت قصير ، شئ كثير من سن الفيل والخرتيت وغيرها " .
أراد الزبير أن يرجع بعد ذلك إلي الخرطوم ، ليري أهله ، وبعد تجارته ، فمر بصديقه ابى عموري ، وركبا السفن قاصدين مشرع الرك . وفيما هما مبحران صعدا اتسع مجري النهر امامهم ، ودخلا بحيرة " نو " العظيمة المتسعة الأطراف ، وبقيا يتنقلان فيها مع رجالهما خمسة وسبعين يوما ، لم يروا فيها غير الماء والسماء ، ونقد زادهم ، ومات منهم خلق كثير ، واوشكوا على الهلاك والفناء . ولكن الاخطار والحروب ، لم تئن الزبير عن عزمه ، ولم تلن من صليب مراسه ، ومن ورائه القدر الساطع ، يدفعه إلى الأمام سرا ، ليقدم لوادي النيل خدمة جليلة في تكوين الامبراطورية المصرية .
رجع الزبير من الخرطوم مصمما على ان يتخذ له جيشا جرارا يغزو به البلاد ، في سبيل التجارة والكسب ، فلما وصل إلي بلاد " النيام نيام " حيث مقر زوجه ابنة السلطان
اخذ يفتدي المخطئين والمجرمين ، لأنهم في تلك البلاد يبيعون السارق والمجرم والمخطئ عقابا له ، ويتخذونه عبدا . فاشتري الزبير الأقوياء منهم ، واستعان بهم في تكوين جيشه ، وسلحهم بالإسلحة النارية ، وجعل نفسه عليهم سيدا بهلولا ، وقائدا مطاعا .
نظر الزبير إلي ما حوله ، فألقي نفسه بعيد الذكر ، مرهوب الجانب ، ذا قوة وسلطان . ووجد تحت إمرته ورهن إشارته ، جيشا لا يخالف له أمرا ، بأمره فيطيع ويدفع به إلي الغزوات فيندفع ، وذاق حلاوة الجاء وطعم الثراء ، فطلب المزيد ، وأراد ان يوسع منطقة نفوذه ، ومجال عمله ، وطافت به نفحات القوة ، فاتخذ مظاهر الملك ، وأخذت احلام المجد والعلا سبيلها إلي قلبه ونفسه ، فاريت في ساحة الطموح مطامعه على كل مطمح ، فرمى ببصره إلي المنطقة الجنوبية الغربية ، الممتدة من بحر الغزال إلي دارفور ، ففيها مجال وأي مجال للتجارة والكسب ، ولكنه لا يستطيع أن يحارب عرب الرزيقات المنتشرين في تلك الأنحاء ، وهم ليسوا كسكان بحر الغزال ، وأهل البلاد الجنوبية التي مر بها ، وقد يجد في حربهم مشقة وعنتا ، وهم أيضا متفرعو البطون ، كثيرو العدد ، اشتهروا بالبسالة والفروسية ، وهم فوق ذلك حلفاء سلاطين دارفور ، فلا بد إذا من الحيلة والرفق والحصافة وحسن السياسة في التفاهم معهم على تأمين التجار ، وفتح طريق التجارة بين البلاد الواقعة تحت نفوذه وبين سلطنة دارفور في الغرب عن طريق بلاد عرب الرزيقات .
فكر الزبير في كل ذلك ، ثم حالف في سنة ١٨٦٦ عرب الرزيقات ، وجاءه منهم ثمانون شيخا في عدة الحرب ، ومن خلفهم عديد من ذويهم ، فتناقشوا وتفاهموا . ثم عاهدهم وعاهدوه " على فتح الطريق ، وتأمين القوافل ، وطمأنينة التجار من مسلمين ومسيحيين " واقسم كل منهم
خمسين قسما علي الكتاب الكريم بالمحافظة على العهد وجعل لهم مقابل ذلك جعلا معلوما ، يقتضونه من التجار كالضربية الجمركية التي تتقاضاها الحكومات . وكانت هذه أول معاهدة تجارية ، قريبة من شكل المعاهدات الراهنة ، بين الزبير وبين من حوله من الاعراب المنتشرين على حدود بلاد السود ، والضاربين على تخوم سلطنة دارفور .
وكأنه بذلك اصبح رئيس حكومة مستقلة ، يعاهد ويهادن ، ويبرم الانفاقات ، ويهييء صلات الوداد والتعامل ، دون ان يرجع إلي حكومة السودان او الحكومة المصرية ؛ فهو في اعماله مستقل عنها ، لم يحسب لها أي حساب وللزبير من وراء ذلك غرضان ، غرض للتجارة والكسب ، وغرض في طوايا نفسه يترقب به الآونة الملائمة ، فيندفع وراءه إلي الفتح والسيطرة ، ثم إلى الإمارة والسلطان . وهو اليوم غيره بالأمس ، يوم ان جاء فقيرا يعمل مع ابى عموري ، لا هم له إلا قليل كسب ، وضئيل ربح . أليس هو اليوم المطاع الأمر ، المسموع الكلمة ، المرهوب الجانب ؟ ؟
حدث الدكتور " شفا بنفورت "(١) قال : " كان الأسم الذي يوقع الرعب في قلوب رجال حكومة الخديوي هو اسم الزبير ملك تجار الرقيق . وإن السلطة والقوة الحقيقية في سنة ١٨٦٩ لم تكن بيد الخديوي أو رجاله في تلك الاصقاع ، وإنما كانت فعلا في يد ملك تجار الرقيق " . وقال ايضا : " رأيته حين رأيته ، في مجلس لا يقل عظمة وبهاء عن مجالس الملوك . رأيته آني ذهب بني لنفسه قصرا فخما ، أفرد بعض حجراته لمطالبه وراحته فهذه غرفة كست أرضها الطنافس العجمية الجميلة . وتلك أرائك فرشت بالحرير ، وهاتيك وتلك غرف أخرى ،
لا تقل عن الآخريات جميل رباش ، ويهيء طنافس ، وراحة مقاعد . وهو بين هذا وذاك يتصدر المجلس ، وغلمانه اللابسون أبهي الحلل ، يقودون زواره من التجار ، وملوك السود ، في رشافة وهيف ، وحسن نظام ، وجميل ( ابتكيت ) ادب سلوك . وفي إحدي الصالات الكبيرة ، تلمح اسدا ضاربة ، مكشرة عن انيابها ، تغمض عيونها المتقدة وتفتحها ، قد صفدت بالسلاسل القوية ، باسطة أيديها على الأرض ، تنظر إلي الزائر الغريب نظرات التوثب والاستعداد ، فكانها كلاب الحراسة ، تربض منتظرة إشارة من سيدها الرابض مثلها ، لتفتك من تحدثه نفسه على مهاجمته أو الوصول إليه
" أما ثروته فتلك مسألة لا يستطيع إنسان أن يقدر ما وصلت إليه ؛ فجيشه الجرار ، وعساكره البسل كلهم عبيده ورقيقه . ويحسبك ان تعلم انه إذاب مرة خمسة وعشرين الف ريال مجيدي من الفضة الخالصة ، ليستعملها في صناعة الرصاص ، لان الفضة كما يزعمون تخترق جسم الفرسان العرب ، الذين يحملون أحجية وطلاسم ، تمنع عنهم اختراق الرصاص العادي ، وطعن السلاح .
" فلما دخلت عليه ألفيت رجلا مديد القامة ، ممشوق القد ، قوي البنية ، أسمر اللون ، عربي الملامح ، حسن الطلعة ، حديد النظر . أما صوته فقد كان خافتا فيه غنة حلوة ، تأسر اللب ، وتأخذ بمجامع القلوب . وأما عيناه المنزويتا الحواجب ، فقد كانتا تشعان ببريق خاطف ؛ فلما حادثته ، وجدت ذكاء نادرا ، وعقلا راجحا ، فهو رجل تجمعت فيه كل شمائل العبقري التجاري ، والآلمعي السياسي والمحتك الحربي : إنه خلق ليحكم الناس ، ولو كان في أوربا ، إذا لكان له شأن غير هذا الشأن ، ولترك في تاريخها أثرا بعيدا " .

