الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 36الرجوع إلى "الثقافة"

مشاهير السودان :, ١ - الزبير باشا

Share
[ إنه خلق ليحكم الناس ، ولو كان في أوروبا إذا لكان له شان غير هذا الشأن ، ولترك في تاريخها أثرا بعيدا ] ( دكتور شفايفنورت )

مقدمة :

كانت حياة الزبير جميعها وثيقة الصلة بتجارة الرقيق ؛ ولا بد لمن يتناول حياته بالدرس والتحليل من أن يحوم حول تجارة الرقيق عابرا عجلا ، حتى تستبين له معالم تلك الشخصية الفذة التي قامت بنصيب كبير في تكوين الأمبراطورية المصرية . لهذا أحببت أن أمهد للزبير بذكر شئ عن تلك التجارة في السودان ، التى أصبح يلقب من أجلها ب ( ملك تجار الرقيق غير المتوج ) .

نزح العرب إلي السودان قبيل الإسلام وبعده عن طريق صعيد مصر والبحر الأحمر ، ووجدوا في طبيعة البلاد ما مائل البلاد التي نزحوا منها ، فطاب لهم المأوي والمقر . ولكنهم لاقوا مقاومة عنيفة من أهل البلاد الاثيوبيين ، ودامت الحرب بينهم حتى تغلب العرب ،

واضطر المغلبون على الارتداد إلي داخلية البلاد غربا وجنوبا ، واعتصموا بقنن الحبال المنيعة ، واحتموا بالغابات المتشابكة الأدواح ، فكانت كالحصون تمنع عنهم صولات الفاتحين العتاة .

كان لا بد في حومة تلك الغارات من أن يضرج قتيل ، أو يقيد أسير . وكان اسري الأثيوبين ، إذا زادوا عن حاجة الغزاة في أمور معاشهم ، باعوهم لتجار الرقيق ، وأخذهم هؤلاء ، إلي خارج البلاد ، وكان أولئك الأعراب لا يتقيدون بعرف ، ولا يزدجرون بدين . ولكنهم في سبيل الاستقرار ونضال الحياة ، لم يتورعوا من انتهاك تلك الحرمات الانسانية ، فلم يعيروا بالا إلى ما في ذلك الصنيع من وحشية وظلم . والويل ثم الويل للضعيف من القوي الجائر . . .

لم تستمر تلك الحروب طويلا ؛ واستقر هؤلاء

وأولئك في بقاع محصورة ، ظلوا فيها إلي اليوم ؛ ووضعت الحروب أوزارها ، وتلمس الأعراب طرقا أخري للخطف ، فالاتجار في الرقيق ، بعد أن حرموا أسري المغانم والأسلاب . لجأ العرب إذا للحيلة والدهاء ، فيذهب رئيس قبيلة قوي إلي ملك من ملوك السود ، فيحالفه ويعاهده ، ويقيم بين ربوعه ، ويتزوج باحدي بناته ؛ وهو بين هذا وذاك متربص يتحين الفرص السوانح ، فإذا ما تسنت له غدر به ، واختطف النساء والأطفال ، وعاد إلي بلاده غانما موفورا .

بمثل هذه الحيل ، وبأسري الحروب والغارات ، كثر الأرقاء عند عرب السودان ، حتى صار أحقرهم شأنا يملك الرقيق والغلمان ؛ وزاد على توالي الأيام الرقيق عن حاجتهم ، فصاروا يتجرون به في مصر والحجاز وسوريا وتركيا وسائر بلاد الشرق ، وتجاوزها إلي الغرب . وأصبح الاتجار بالرقيق مهنة وتجارة من أعظم المهن والأتجار ، التي تدر الربح الوفير ، والغني والثراء . وانقسمت تسمية تجار الرقيق إلي البحارة والنهاضة .

(١) أما البحارة فهم ساكنو شواطئ النيلين الأزرق والأبيض من تجار الرقيق . وكانوا في أول أمرهم يستعملون السيوف والحراب والسهام في حروبهم مع السودان ، وكانوا يجدون مشقة وجهدا عظيمين في التغلب عليهم ، لما عرف عنهم من الشجاعة والإقدام ؛ فلما انتشرت الأسلحة النارية في السودان بعد الفتح المصري ، هان على البحارة محاربة السود ، بل أصبح واحد من التجار قادرا على أن يرهب ببندقيته رهطا من السودان . وقد توغل صيادو الرقيق في النيل الأبيض حتى وصلوا إلي أعاليه . وملأوا بحر الغزال وخط الاستواء . وكان الحبشي أحد تجار الخرطوم أول من تغلغل في داخلية الجنوب ، ثم اقتفي أثره كثير من التجار .

كان التاجر من أولئك ومعه عصابته ، يأتي بلدا من بلاد السودان ، فيحفر خندقا ، يضع داخله بضاعته ،

وأسلحته ورجاله ويحيطه بزريبة كثيفة من أشواك القتاد . ثم بشرع في جمع السن والريش وخيرات تلك البلاد ، مقايضة بالخرز والحراب والأساور وغيرها من الأشياء التافهة المرغوبة عند أولئك الناس ، ويخزن ما يجمعه منها في زريبته ، ويبقى على ذلك إلى أن تبرق له بارقة عفلة من القوم ، فيهاجم البلد برجاله ، ويصليها نارا حامية ببنادقه ، فيقتل من يقتل ، ويسبي من يسبى ، ويؤوب إلي حيث جاء ، وفي أصفاده رجال مقيدون ، وغلمان مأسورون ، ونساء وشيوخ كالأنعام مسوقون .

ومما جرأ البحارة من تجار الرقيق على شن الغارات انشقاق ملوك السود بعضهم على بعض ، وعدم مسارعتهم إلي نجدة الجار المهاجم ، بل كانوا يفرحون ويشمتون بمن يقع منهم تحت نيران العرب الجائرين .

(٢) أما النهاضة (١) ، فقد كان مجال الغزو لديهم في أرجاء الغرب من جبال النوبة . وكانوا ( لا ينهضون ) للغزو وشن الغارات إلا في أوقات الزرع ، إذ يترك السود جبالهم ، وينزلون إلى السهول لزرع الحبوب . فيستصحب كل من التجار نفرا من المشاة المسلحين بالبنادق ، و كتيبة من الفرسان العرب المجاورين لتلك الأماكن ، ويسير الفرسان في مقدمة الصفوف ، حتى إذا ظفروا بجماعة من السودان ، أغاروا عليهم بخيلهم وأسروهم ، وشدوا وثاقهم وساقوهم أمامهم مكبلين مصفدين ؛ فإذا نزل أهلوهم من الجبال لنصرة ذويهم العزل من السلاح وأخذهم من الأعراب ، تصدي لهم المشاة ، وفتحوا عليهم نيران البنادق وردوهم على أعقابهم مدحورين ، واقتسموا الأسري بينهم ؛ ومصير جميع أولئك التعساء أسواق الرقيق .

أما أتمان الرقيق فكانت تختلف من الريال الواحد إلي خمسمائة ريال ، وذلك باختلاف أجناسهم وأعمارهم

وبينهم وبعدهم عن متبتهم الأصلي ؛ لأن الرقيق إذا كان قريبا من بلاده التي سرق منها ، أمكنه الهرب ، فيغري ذلك الآخرين على الفرار . وأعز الرقيق رقيق الحبشة ، ثم الدنكا ثم النوبة ثم الفور ، وأدناها رقيق الشلك . قال المستر باتريك pe therick في كتابه " الرق في السودان " : " إن الصبي الذي يتراوح عمره بين الخامسة عشرة والعشرين بتراوح ثمنه ما بين خمسة جنيهات وثمانية جنيهات . وأما الفتاة التي في تلك السن فتزيد على ذلك بمقدار الثلث ، أي ما بين ستة وأحد عشر جنيها " . وقد وصف مستر باتريك كما وصف السير صموئيل بيكر وغيرهما من الكتاب الأوربيين ، الفظائع المرة التي كان يتعرض لها أولئك الآدميون البؤساء ، وما كانوا يلاقوه في الطريق من ضرب وجوع وذلة ، وكانت عقوبة الإعدام أهون ما يلقاء المتذمر منهم ، إذا شكا ألما ، أو أظهر تعبا ، أو خلوت قواه من التعب والكلال ، أو تمرد على غزاته الظالمين . " و كثيرا ما رأي المسافرون عظامهم البالية ، مطروحة في الفلوات ، تنقرها الطيور الكواسر ، وتنهشها الجوارح الضارية ، وهي في العراء المتقد بقيظ الهجير ، تشير بأفياء البيلي إلي قسوة الإنسان وتعسف الظالين .

وأشهر أسواق الرقيق في ذلك العهد أسواق الأبيض وفاشودة والغلابات . وكان الرقيق يرد إلي هذه الأسواق من دارفور وجبال النوبة وبحر الغزال والحبشة وخط الاستواء . وكان النخاسون يشترونهم في تلك الاسواق ، ويبيعونهم في اسواق الخرطوم والمسلمية وسنار ، ثم يرسلون ما زاد عن حاجتهم إلي خارج البلاد .

وممن اشتهروا في تجارة الرقيق السيد أحمد العقاد من مصر ، وعلى أبو عموري من صعيد مصر ، ومعه عمل الزبير حين ابتدا يشتغل في هذه التجارة المعقولة ، ثم محجوب البصيلي من إسنا ، وغطاس القبعلي من أسيوط ، وكجوك التركي ، وإدريس أبتر السوداني ، وغيرهم كثير من

مصريين وسودانيين ؛ ولكن كان هؤلاء ، سراة تجار الرقيق وأعلامهم البارزين .

فلما تناهت أخبار هذه الآلام التي كان يتعرض لها فريق من بني البشر ، وانشر كثير من الكتب والأسفار التي وصفت أحوالهم ، وشقاءهم ، تحركت جماعة من قادة الفكر في انجلترا ذوي القلوب الانسانية الكبيرة ، يتزعمهم الكاتب المشهور توماس كلاركسن Thomas Clarkson وأجمعوا أمرهم على أن يوضع حد لهذه التجارة المقوتة ، حتى ينعم فريق من بني البشر بالحرية والاطمئنان كما ينعم غيرهم من الناس بالحرية والاطمئنان ، فألفوا " جمعية أصدقاء إبطال تجارة الرقيق " ، ونشر عنها كلار كسن في سنة ١٨٣٤ كتابه المشهور " تاريخ إبطال تجارة الرقيق في أفريقيا " ، وانضم إلي تلك الجماعة الخطيب الإنجليزي المعروف وليم ولبيررفورس William Willberfoce فعاونهم معاونة تجلى أثرها في البرلمان الانجليزي ، حملت الوزير المشهور بت pitt على الموافقة على إبطال تجارة الرقيق تدريجيا ، ووصل المنع إلي كل المستعمرات الإنجليزية ، وحرمت تلك التجارة الشنعاء في أرجائها ، حتى إذا كانت سنة ١٨٣٣ ، أقر البرلمان الانجليزي مشروع إبطال الرقيق نهائيا ، ودفعت الخزينة الإنجليزية في تسريح الرقيق إلي أصحابه في انجلترا والمستعمرات عشرين مليونا من الجنيهات كتعويض لهم .

كانت هذه النتيجة نصرا بالغا للناحية الانسانية ، في الجماعات التي لها نفوس تحس وقلوب تشعر ، ومجدا عظيما لجمعية إبطال تجارة الرقيق ، التى كان منها ممن خصصوا وقتهم وحياتهم في سبيل الدفاع عن الرقيق : توماس كلاركسن ونيوتن ، والسياسي المعروف كانتجChanning  والخطيب البرلماني وليم وليبرفورس ، ومستر يبشر شو Beecher showe السيدة الأرستقراطية المثقفة والنابهة الذكر .

فاعجب ، يا صاح ، حين تعجب لساسة أعلام وكتاب عظام ، وامة قوية لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها ، يحرمون تجارة الرقيق ، ويحلون استبعاد الامم والشعوب !!! أولئك افراد مهما بلغ عددهم قد دافعوا عنهم حتى تنسموا الحرية والفكاك ، وأولئك أناس في ذري الأرض الفضاء يخضعمون ويستعبدون بقوة الحديد والنار ، تسلب حرياتهم وتخنق إرادتهم ؛ والويل لمن تحدثه نفسه بالتطلع إلي الحرية والاستقلال : ولنوم الشعوب يقظة ، ولقعود الأمم توتب ونهوض .

أما مصر ، فقد كان موقفها من هذه التجارة في أول الأمر موقفا سلبيا كلاميا . نادي محمد على باشا عند زيارته للسودان في سنة ١٨٣٩ بإبطالها ، أي في الوقت الذي قررت فيه بريطانيا العظمي تحرير الرقيق . ونادي بعده سعيد باشا حين زورته للسودان ايضا في سنة ١٨٥٨ بمنعها ايضا .

أما إسماعيل باشا فقد انضم إلى معاهدة إبطال تجارة الرقيق رسميا ، وزار إسماعيل انجلترا في سنة ١٨٦٩ ، وبقي فيها ثمانية أيام ، طاف بكثير من معالمها ، وقوبل فيها بحفاوة منقطعة النظير ، واستقبله في المستقبلين ولي العهد . فلما رحل منها كتب أحد الكتاب الانجليز يقول : " إن المحاولات العظيمة التي قام بها جماعة أصدقاء إبطال تجارة الرقيق ، قد تركت اثرها الفعال في نفس صاحب السمو عزيز مصر ، وإنه ما اختلط بأية طبقة من الطبقات الراقية إلا وشعر بأنهم يمقتون هذه التجارة المشينة أشد المقت . وإن ولي العهد ، وانجلترا بأسرها ، لتجله محلا عظيما من الأجلال ، إذا استطاع سموه ان يقطع دابر هذه التجارة في السودان " .

ولما زار ولي عهد انجلترا وزوجه مصر في شتاء ذلك العام ردا لزيارة إسمعيل ، كتبت وصيفة الأميرة مسز جراي في مذكراتها تقول :

" دعينا إلي عشاء فاخر ، في أحد قصور إسمعيل التي تعيد على الذاكرة أقاصيص " ألف ليلة وليلة " ورأيت فيها

رأيت كثيرا من الخلق ، ولكن الذي استرعي نظري ذلك الرجل الأوربي ، ذو اللحية الكثة والعينين الساحرتين والجسم القوي المشوق ، ويجانبه سيدة فاتنة الوجه رشيقة القد ملتصفة به في مشيتهما ، كانهما فتيان حسيبان في وقد الحب وبداءته ، يزرعان حديقة غناء ، فلما دنوت مبهما وتبينتهما ، وجدتهما السير صموئيل بيكر ، والليدي بيكر . وقد علمت ان الخدوي قد عينه حاكما عاما ، مطلق التصرف في مديرية خط الاستواء ، ليقاوم تجارة الرقيق ويسحقها . وأمل عزيز مصر قد تأثر بما رأي وسمع في انجلترا ، من كره الشعب لهذه التجارة المزرية ، فأراد أن يقضي عليها قضاء مبرما " .

في تلك الفترة التي كان فيها توماس كلاركسن ، يقيم الدنيا ويقعدها بكتبه ورسائله ومحضراته ، مخلصا في دعوته ، مؤمنا برسالته ، وفي تلك الفترة من سنة ١٨٣١ وصوت وليم وليبرفورس يتردد بليغا ، عاليا ، مؤثرا ، مقنعا ، في أروقة البرلمان الانجليزي ، ليقنع الأعضاء ، فتخضع الوزارة الإنجليزية إلى الموافقة على إلغاء تجارة الرقيق في انجلترا ، ثم في العالم كله مهما كلفها ذلك من مال وجهد ، في تلك الفترة وأموال تعويضات الرقيق تدفع من الخزينة الإنجليزية لأصحاب الرقيق ، ولد في جزيرة " واوشي "(١) في السودان ولد للسيد رحمة بن منصور العربي العباسي ، لم تطلق ساعة مولده المدافع . أو تقام الزينات ، ولم يسمع الناس سوي صوت قريبة مثلجة الصدر بالمولود الجديد ، اطلقته في جنبات السكون بالزغردة والفرح ، ثم أقبل الأهل والرفاق يشدون على يدي السيد رحمة بن منصور ، يهنئونه من أعماق قلوبهم نموذج ابنه " الزبير " .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية