إذا تطوعت وكتبت على صفحات " الثقافة " عن مشروع بڤردچ الاقتصادي ، فذلك لأنى اشعر بما " للثقافة " من باع طويل في بحث المسائل الاجتماعية وتوجيهها لما فيه خير المجتمع الذي نعيش فيه . وبدلا من ان نري المشروع تتناوله أفلام السياسيين على غير هدى ، تري أن " الثقافة " تحدد موضوعاته من واقع التقرير نفسه ، ومن الروح العالية التي اتصف به بڤردچ واعضاء لجنته . فقد وضع بڤردچ الاقتصادي كتبا قيمة عن البطالة وعن كفاية العمال والموظفين ، وعن التأمين الاجتماعي ،
وعن مشاكل الصناعات التي ازدحم فيها عدد العاطلين ، كما ان اعضاء لجنته حووا من بينهم من تخصص في الشئون المالية ، ومنهم من تخصص في فنون الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري والتأمين والمواصلات ، بل وفيهم من اتصف بكونه المرجع العام في علم الاقتصاد والاجتماع والإحصاء والتحسينات الاجتماعية
و المشروع في نفسه مبدأ اقتصادي يطبق على جميع
البلاد طبقا لظروفها ، وهو يجمع بين توازن حياة الناس الاجتماعية وبين التقدم الفني الذي دخل على حياة الإنتاج فجعل من المجتمع طبقتين : طبقة العمال وطبقة الممولين والمنظمين ، فعمل على جمع شملهما بعد أن تفرقت مصالحهما .
وبڤردچ رجل اقتصادي لا يمت للسياسة بأية صلة ، وهو يعتقد في التطور لا في الانقلاب والتدهور ، وجميع كتبه وكتب أعضاء لجنته يدل على علو الكعب في تحسين حياة المجتمع عن طريق تطبيق المبادئ الاقتصادية على حياة الناس في شئونهم الاجتماعية ، فيقول كما يقول بيجوه ) ١ ( وكينز ) ٢ ( وفيليس براون ) ٣ ( ، وروبنز إن على أهل الصناعة والتجارة ونقابات العمال ان يعلموا المبادئ الاقتصادية ويقتربوا منها حتى تقوم اعمالهم على ضوء القواعد العامة الاقتصادية ، فإذا بحث بڤردچ ولجنته
تحسين حال المجتمع ، فإنما يسعي في تحرير الناس من البطالة والفاقة والجهل ومساوي الإصابات حتى ينال كل فرد ، ذكر وانثى ، من ضرورات الحياة في جميع مراحل العمر ، من المهد إلى اللحد ، ما يستحقه من دخل يقوم بأود حياته في صحته ومرضه ، وفي عمله وتعطله ، فيري ان التأمين الاجتماعي ضرورة من ضرورات الحياة للغني والفقير على السواء في أوقات السلم كما هو في أوقات الحرب ، وإنك إذا أردت اكتساب الحرب فما عليك إلا أن تعبئ
الجهود الحربية للشئون السلمية ومستقبل الحياة في اوقات السلم ، وان الحكومة الرشيدة هي التي تجعل من السلم نفس المبادئ التي تؤمن الناس ضد الحرب بجميع أنواعها ) ١ ( . وإذا كان التوجيه الحكومي قد دعا إلي تنظيم الجهود لكسب الحرب ، فهذا التوجيه نفسه خير كفيل بكسب سلامة العمال وطبقات الأمة ، وضرورة تعاونها لحسن الإنتاج والتبادل ، فالتوجيه الاقتصادي يجمع بين دفتيه المصالح الفردية وتنظيمها لما فيه الصالح العام بشرط ضرورة تعديل الأساس في النظام الصناعي للحكومة ولهيئة الموظفين الفنيين بها .
لقد بحث بفردج وهو مدير عام مدرسة الاقتصاد بلندن من سنة ١٩١٩ حتى سنة ١٩٣٧ المشروعات الهامة الخاصة بالبطالة والعطل ، كما انه قد درس وهو رئيس الكلية الجامعة بأكسفورد موضوع الوظائف الفنية في الصناعات وفي الوظائف الحكومية ، وهو المرجع الهام في تقرير تعيين الوقود على المصانع والأفراد ) ٢ ( ، وهو الذي بحث موضوع الجهات المحتشدة بالسكان وقرر أن البطالة ليست من خواص الصناعة ، بل هي من مميزات النظام الاجتماعي العام في حالته الراهنة ، ولهذا يعتبر مشروعه عن " التأمين الاجتماعي " مشروعا دوليا عاما ، تتقبله جميع الدول على اختلاف مذاهبها السياسية ومشاربها الاجتماعية ) ٣ (
لقد جمع مشروع بڤردچ شمل شركات التأمين في مصلحة من المصالح ابتغاء تجمع الأموال والفائدة من استثمارها لمصلحة المتعاونين فيها تحت الإشراف الحكومي وتوجيه الدولة العام ، وأعطي المشروع حق العامل للعمل كما يعطي للعاطل حق المعيشة السليمة ، ولكنه يحتم على العاطل أن يعمل كيفما يتراءى للدولة تحديد جهات عمله ،
فليس للدولة أن تري البطالة شائعة في القري والمدن دون تنظيم ، وليس لها أن تري أوقات العمل ضائعة هباء منثورا ، وليس للعامل ان يهاب الحياة العائلية مخافة تدهور مستوي معيشته وعدم التيسير لأفراد عائلته بعد مماته ، بل في أوقات شيخوخته وبطالته . والدولة الرشيدة هي التي يكثر فيها عدد المنتجين ولا تتفاوت طبقاتهم ، لا أن تسود طبقة سيادة كبري على جميع الطبقات ، فيقل الدخل العام وينخفض مستوي الإنتاج العام .
ومشروع بڤردچ يستعرض حالة التأمين الاحتياطي بوجه عام ، ويستجمع جميع المشروعات التي سبقته لتحسين حالة العمال ويسترشد بالقواعد الاقتصادية التي سادت روح أصحاب المشروعات السابقة ، وهو في تكييفه الحديث يدل على غزارة التمييز بين نفقات المعيشة وبين مستوي العامل الحقيقي المؤسس على كفاية إنتاجيته الحدية ، فيوحد الجهود التي بذلت لتوحيد وجهات النظر الخاصة بالأجور الاجتماعية التي اتبعتها فرنسا ، والأجور الاقتصادية التي سادت روح التشريع البريطاني . وبڤردچ في مشروعه يبين إمكان تضافر العمال ونقاباتهم من جهة ، وأصحاب المعامل في نطاق مصانعهم من جهة اخري ، والحكومة من جهة ثالثة في حدود التحسينات الاجتماعية ، على ان يتعاون الجميع في إصلاح ما افسدته مساوئ النظام الفردي الحر الذي بدأ يعيش أكثر من حياته الإنتاجية المناسبة لنهضة عصره ،
ولذلك نري أنه بينما يتضافر العمال وأصحاب المصانع مع الحكومة في تقديم الأموال اللازمة للتأمين الاجتماعي ، فان المال اللازم للمشروع في اي دولة من الدول هو نسبة
مئوية من دخل الأمة العام . ويدل الكشف التالي علي هذا الاتجاه السليم المنتج القويم .
المساهمة في التأمين
ينقسم الجمهور إلي أربع فئات رئيسية داخل سن العمل من حيث التأمين الاجتماعي وهم :
١ - الموظفون . ٢ - أصحاب الأعمال والعمال والتجار المشتغلون . ٣ - المتزوجات اللاتي في سن العمل 4- النساء اللواتي في سن
العمل ولا عمل لهن ، وهذه الفئات الأربع هي التي تتأثر في الاشتراك في التأمين الاجتماعي بالطريقة الآتية :
ذكور
الفرد المؤمن
صاحب العمل
الفئة ا من ش ٢١ فما فوق ١٨-٢٠ ١٦-١٧ الفئة ب من ش ٢١ فما فوق ١٨-٢٠ ١٦-١٧ الفئة ح الفئة و من ش ٢١ فما فوق من ١٨-٢٠ من ١٦-١٧
بنس شلن 3 4 أي ٢١ قرشا 6 3 أي ١٧ قرشا 6 2 ١٣ قرشا 3 4 ٢١ قرشا 6 2 أي ١٨ قرشا 6 2 ١٣ قرشا - 9 2 أى ١٨ قرشا 0 3 أي ١٥ قرشا 6 1 أي ٨ قروش
بنس شلن 3 3 أي ١٦ قرشا 3 3 أي ١٦ قرشا 6 2 ١٣ قرشا - - - - -
إناث
الفرد المؤمن
صاحب العمل
بنس شلن 6 3 أي ٢١ قرشاً - 3 أي ١٥ قرشاً - 2 عشرة قروش 9 3 أي ١٨ قرشاً - 3 أى 15 قرشاً - 2 أي ١٠ قروش - - 3 أى ١5 قرشاً 6 2 أي ١٣ قرشاً 6 1 أي ٨ قروش
بنس شلن 6 2 أى ١٣ قرشا - 2 أي ١٠ قروش - 2 ١٠ قروش - - - - - - -
فالمشروع يساير البلاد الزراعية كما يساير البلاد التجارية والصناعية بخطوات مالية مناسبة ، والمشروع
يطبق على البلاد المختلفة طبقا لقدرة كل منها المالية .
وإذا كان المشروع حتى الآن لم يلاق التشجيع الكفيل ببحث الفنيين في مصر ، فإنه كان أولى به أن يلاقي اهتمام رجال القانون في بلادنا ، حيث إنهم دائما المفضلون في بحث تشريعات العمال والمصانع وأصحاب المزارع والمزارعين ، وإذا كان لرجال التشريع أن يبحثوه على ضوء تجاربهم الفنية بمصر ، فما أولى رجال البرلمان والسياسة بمصر أن يبحثوه على ضوء حكم البيئة التي يعيشون فيها ، والحقيقة أننا نري أن هناك صعوبة في فهم هذا المشروع على حقيقة مبادئه إذا ما قامت هيئة حكومية بترجمته .
وذلك لأن الواجب في تكوين مثل هذه اللجان أن يكون أعضاؤها من مستوي اقتصادي واحد ، وأن يتفهم المترجمون مصطلحاته وروحه قبل البدء بترجمته ، وإلا ضاعت روح تكييف المشروع على أصوله السليمة
وتورد الكشف التالي لتبيين
معنى التأمين الاجتماعي وعلاقته بحياة العمال من الوجهة الاقتصادية .
ملخص مشروع بڤردچ
مقدار التأمين لرجل وزوجته وطفلين :
قبل الحرب
البطالة
العاهات الناشئة من غير العمل
الشيخوخة
المترمل
الأمومة
الجناز
العاهات الناجمة من العمل
العلاج الطبى
المبلغ
٣٣ شلنا أى ١٦5 قرشا في الأسبوع
١5 شلنا أي ٧5 قرشا فى الأسبوع
٢٠ شلنا أي ١٠٠ قرش في الأسبوع
١٨ شلنا أي ٩٠ قرشا في الأسبوع
جنيه فى الأسبوع
صفر
نصف مرتب العامل
نفقات الطبيب
المدة والظرف
25 أسبوعا يعطيها إعانة بعد البحث في موارد العامل الأخرى
٢٦ أسبوعا يليها 5 و 7 شذات أي ٣٨ قرشا في حالة الأصابات المعدة عن العمل
المقترح في المشروع
المبلغ
٦ " شنا أي ٢٨٠ قرشا في الأسبوع
56 شلنا أي ٢٨٠ قرشا في الأسبوع
40 شلنا أي ٢٠٠ قرش
٤٠ شلنا أي 200 قرش
جنيه في الأسبوع
20 جنيه
ثلثى مرتب العامل بشرط أن لا يتجاوز 380 قرشا ولا يقل عن 56 شلنا أي ٢٨٠ قرشا
علاج طبى شامل لجميع أفراد العائلة
المادة والظرف
مدة غير محدودة من غير بحث في موارد العامل فإذا طالت مدة بطالة العامل طلب إليه أن ينتظم في مركز من مراكز التمرين المعدة له
مدة غير محدودة ومن غير بحث في موارد العامل الأخرى
في حالة مد الخدمة تضاف علاوة مقدارها شلنان في الأسبوع ١٠ قروش
خلال ال ١٣ أسبوعا الأول تحصل الأرملة على ٢ ، شلنا أي ٢٦٠ قرشا في الأسبوع
وتري أن المشروع وإن كان من عمل أحد علماء الاقتصاد الإسكتلنديين ، فإنه أدق في مصطلحاته من أن يأتي علي يد أي فئة أخري من علماء الاقتصاد ، فقد امتازت اسكتلنده بإخراج رجال الهندسة والعلوم والاقتصاد بدرجة أعم مما لو جاء علي يد علماء الاقتصاد في الدول الأخرى ، وإذ جاء مثل هذا المشروع لتطبيقه دوليا علي بلاد العالم ، فهو أسمي من أن يجىء عن تفكير غيرها من رجال العلم والفن والتوجيه الحكومي العام في الدول الأخري .
فالمشروع ذو مبادئ عامة ، يرضى به الاشتراكيون كما يرضي به أنصار المذهب الحر ، ومعتنقو مذهب الاشتراكية الحكومية ، ويكفي أن يكون مصدره أعظم بلاد العالم العريقة في الديمقراطية ، فإذا أخذنا في تطبيقه فالله يهدي حكومتنا الرشيدة في فهمه على حقيقة أمره وما ربك بظلام للعبيد . وفي ذلك يقول سبحانه وتعالي : " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ، وكفي بنا حاسبين " .
