وإذا كانت مصر قد عاشت تلك السنين الطويلة بدون متحف حربي عام فقد أنشئت عدة متاحف ضمت عدة مجموعات من الأسلحة أهمها ما هو محفوظ الآن في المتحف الحربي في قصر عابدين. وقد تنبهت وزارة الدفاع الوطني منذ سنوات إلى أهمية هذا المشروع فقدرت إنشاء متحف حربي عام عينت لإدارته لجنة من كبار ضباط
الجيش المصري واختارت حضرة النقيب عبد الرحمن زكي أفندي أميناً له.
وشرع أمين المتحف من اللحظة الأولى في وضع برنامج الإنشاء فزار الأماكن التي توجد فيها آثار حربية مصرية سواء كانت هذه الأماكن معاهد عامة أو منازل خاصة. فكثير من ضباطنا الذين اشتركوا في حروب السودان
وأغلب أمراء العائلة المالكة يحتفظون بمجموعة ثمينة من الأسلحة وخصوصاً من عهد محمد علي إلى الآن. وليكون تنظيم المتحف على أحدث طراز سافر أمينه إلى أوربا فشاهد هناك أحدث الطرق لحفظ الآثار وأبرع الوسائل لعرضها على أنظار الجمهور حتى تؤدي الغاية المقصودة منها سواء كانت قومية أو تعليمية وقد يكون من الصعب على الإنسان أن يتخيل صور مصر الحربية خلال خمسين قرناً فإذا قارنا بين إنسان يتخيل صورة وبين آخر يحاول أن يخلق صورة واضحة استطعنا أن ندرك ضخامة
العمل وما يحتاج إليه من جهود. فإنشاء النموذج الواحد يستلزم الرجوع إلى عشرات المؤلفات والصور. فها هو مثلاً نموذج لقلعة بنيت في عصر رمسيس الثالث يتطلب بناؤه زيارة القلعة الحقيقية ومعرفة تخطيطها ثم الطريقة التي تبعها المصريون الأقدمون في
حروبهم والأسلحة التي استعملوها لمغالبة مهاجميهم حتى تتكون لدينا صورة صحيحة عن استعداد القلعة وشكلها وهذا يستلزم منا
أن ندرس عشرات المراجع لنتأكد من صحة ما نصنع فالآثار التي تركها الأقدمون قد عصفت بكثير من معالمها تقلبات الزمن وتوالي الحروب بين غزو وفتح. هذه القلعة التي نراها في لمحة بصر احتاجت من منشئها إلى عدة سنين استعان فيها بدراسة غيره وخبرة نفسه. فالعبرة في المتاحف أن تكون معروضاتها صورة تاريخية صحيحة وليست بناء يسهل على الناقدين نقضه وإثبات خطئه
