قرأت في إحدي المجلات الفنية الأمريكية أن الولايات المتحدة قد نجحت في مشروع حكومى جليل كان تنفيذه منذ سنة ١٩٣٣ .
المشروع يمثل أكبر مجهود بذل لإزالة العوائق الشائكة وبين الفنون الجميلة وتمتع الطبقات الدنيا بها .
يولد الإنسان ويولد معه الظمأ إلي الجمال . ويري أن الفنون هي التي تستطيع وحدها أن تطفئ هذا الظمأ . ولكن مما يحزن في نصيب الإنسانية أن أجيالا تولد وتعيش وتموت ، ويموت معها ذلك الظمأ المكبوت في النفوس إلي الفنون ، صورا كانت أو تماثيل أو أي لون من ألوان الفنون ، فلا تذوق الجمال ولا تري أي شعاع من شعاعاته . وإلى جانب ذلك تري أ كثر الفنانين يكتب لهم مثل ذلك المصير الأليم ، فيعيشون محرومين مغمورين ، ويتركون لحياة دون أن يتاح لهم أو يواتيهم الحظ في أسباب المعيشة .
وما هذه الأدوات السابقة إلا من فساد النظم الاجتماعية السائدة في عصرنا الراهن . إذ كانت الفنون في العصور الوسطى عماد الحياة ، بل كانت جزءا لا يتجزأ من حياة الإنسان لكن هذه الفنون أخذت تتوزع على الاختصاص الشخصي منذ عصر النهضة في أوربة . حتى أصبح الفنان في القرن العشرين بممعزل عن العالم ، وغدا الجمهور لا يعبأ بالفن . فبقي الفنان يتضور جوعا إذ لم يجد من يقتني نتاجه وألواحه .
لقد نجح المشروع الأمريكي بفضل كبار رجال الفن ومديري المتاحف ومدرسي الفنون الجميلة ، فوصلوا إلي وسائل مجدية في تشجيع الفنون ، وكلفوا الفنانين بأن يعدو صورا وتماثيل بشتي النواحي التي تروقهم ، وتركوا لهم الحرية على شرط أن يكون إنتاجهم مناسبا لأحد المباني العامة مثل الأندية ودور الملاهي وحمامات السباحة والمكاتب والمحاكم والحدائق ...
وبهذه الوسائل التي اتبعوها ظهر ناجحا أكثر من ثلاثة آلاف وستمائة فنان ، أنجزوا ما لا يقل عن ستة عشر ألفا من الصور والتماثيل .
يتقاضى كل فنان أجره حسب موهبته ومقدرته . وبهذه الطريقة أيضا وصلوا إلى فن شعبي شائع ليس موقوفا على الأغنياء وذوي الثراء . فشاع هذا الفن في جميع أنحاء البلاد الأمريكية ، وامتلأت المحلات العامة حياة ونشاطا ، إذ تحولت من مبان كئيبة صامتة يسأمها الإنسان إلي بيئات متمدينة بهيجة ، تدخل السرور والغبطة على القلوب وتذيع الروح الفنية فيها ، وبذلك تنتعش حواس الإنسان ويكتسب انسجاما وصفاء يجعل الحياة سعيدة أمامه فيؤدي عمله على أحسن وجه .
وبهذه الطريقة أيضا استطاعت الأمة الأمريكية أن تكتشف فنانين عظماء ، وأن تحول غير الموهويين منهم إلي أعمال أخري تناسب استعدادهم .
فحبذا لو أن وزارة معارفنا الجليلة تعد مشروعا كالمشروع الأمريكي في تشجيع الفنانين وتشتغيلهم في تزيين المباني والشروعات الحكومية وتنسيقها تنسيقا فنيا ، فتكون بذلك قد شجعت بني الوطن وبناته الموهوبين الذين يموتون جوعا ولا يدري بهم أحد .
هذا ولا ريب خير من إنفاق آلاف الجنيهات كل عام الشراء صور من المعارض المختلفة ثم يقذف بها إلي مستودعات متحف الفن الحديث فتحرم حتى من النور .
فهل يأتي يوم على هذا الوطن العزيز تري فيه مبانيه العامة كالحمامات والأندية ودور السينما والمحافل وصالات الجامعة والمستشفيات ومصلحة البريد كل هذا مزين الجدران بصور فنية بأيدي الموهوبين والموهوبات مما يتناسب وموضوعات المباني ويحث الجمهور على تذوق الفن وتقدير أهله والانتفاع بثمراته وخيراته ؟
