هي قصة طريفة حقاً . . حكى فيها كاتبها الإنكليزي عن نفسه وعن أخيه . . حكى قصة حياتهما ؛ فرافقني أنها جمعت إلي جمال الغرض وروعة المغزي ، ويهزنى أسلوبها الشائق الجذاب ، ومداخلها اللطاف الدفاق ، والصدق الذي يشبع في ثنايا سطورها فيكسبها حياة ، ويسكب في حروفها حرارة .!
قال الكاتب : ".. كان جميلاً حقاً ذلك البيت الذي نشأت فيه . كان يتوسط مزرعة كبيرة يمتلكها أبي ، فكانت شرائط الحياة الصحية متوافرة فيه . كذا تملك ثورة كبيرة من فيض الطبيعة المغداق : الشمس الساطعة ، الهواء النقي العليل ، ألحان الطيور الشادية ، لون الغراس الأخضر الجميل ، والطلاقة . . الطلاقة والانفساح اللذين يتميز بهما ريف إنكلترا العظيم .!
ولكن ماذا كانت تجدينا هذه الثروة العظيمة ؟ ! لقد كنا فقراء بنفوسنا . أو بالأحرى . كان أبواي كذلك يقولون إن النفس الرحبة الممتلئة بالحياة هي التي تخلع على الطبيعة أكثر جمالها ؛ وهي قولة بالغة الصدق ، أحسب أنني جربت صدقها من طريق عكسي . . فقد كانت نفوسنا المقفرة تسلب الطبيعة جمالها وتخلع عنها نضرتها وروائها . ! أجل .. كانت ظلال نفس الحزينة تخيل إلي أن كل شئ من حول يبكي ، ! كنت أستريح إلى الكآبة
وكثيراً ما كنت أنطلق في الليل البهيم سادراً لا ألوي على شيء ، فأحس وفر الظلمة الرهيبة ، وأستشعر كوابيس أحلام اليقظة المزعجة تخنق روحي ، وتثير في حنيناً غريباً إلي الإجهاش بالبكاء المرير ! أما أخي . . فقد شاء قدر رحيم أن ينتزعه من أبويه إلى هذه " الجنة " التى هيأها له عمي ! لقد كان يرقب مقدمه . فلما أهل بطلعته المشرفة ، وصافح أديم وجهه الطري أولى نسمات الحياة فتح له عمي أبواب جنته ، وقال له : " أدخل .. أدخل ملوك العزم والطمأنينة .. إنها جنتك الخالدة ! " ولم تسكن هذه " الجنة " سوى " قلب " عمي.. ذلك الملك الكريم الذي عرف الحياة حباً خالصاً ، وتجاوب أرواح .. !
كان عمي يطلب الولد ويلح في طلبه . . ولكن إنسلاخ الأعوام كان يضيق من فسحة هذا الرجاء شيئاً فشيئاً . . حتى كان ذلك اليوم المشئوم . يوم أن قبض الله زوجته إليه فجأة . . وغدا عمي وحيداً . . !
كان يحبها . بل كان يعبدها ، فآلي علي نفسه ليمكنن في جوارها بقية حياته . لم يكن يعتقد أنها ماتت ، وإن كان سلم أنها ماتت بالجسد . وكثيراً ما كان يتضوأ محياه بالجمعة قدسية كنت أحار في اكتناهها ، ثم لا يلبث أن يقول في صوت منهدج النبرات : " إنني أحيا وإياها . . إنني أراها . إن الأرواح لا تفنى يا بني ولا تموت ! "
ولما أعجب أبي ولده الثاني - أخي - أنطلق الحبيس من أشجان عمي ، وكانت له عند أبي رجاوة : أن يضم أخي إليه ؟ فأبى والدي - إزاء إصراره وتشبثه - أن يفجعه في أخريات أيامه ، وتليب خاطره قائلا : " إنه ولدك منذ الساعة . . خذه إليك يا صاحبي ! " .
وانتقل الوليد الصغير إلي " جنته " . . كانت " قلب " عمي .
ومنذ ذلك اليوم وتقسطعت بيني وبين أخي وشائح الأنصال ! .
كانت أمي عصبية المزاج . . تمثل " المرأة " في تقلبها وعنادها ولجاجتها ، وكان بها دائماً شعور الطائر الذبيح قلق دائم ، واضطراب ، وإجفال لا يدرك لهما نعلة ! وكانت تجمع في أخلاقها النقائض كلها ؛ فهي تارة شرسة جموح ، تهدر بالوعيد ، وتنذر بالويل ، وتقذف بالحمم ؛ وأخري لينة عطوف ، في هدو الحمل الوديع ، تسرف في بذل حنانها وحبها ، وتغالي في البذل ؟ .
وهي حيناً باكية ، وأحياناً متباكية ، وتراها ضاحكة شادية في أقل الأحايين ! أما أبي . فقد كان رجلاً مريضاً بالعقل وبالجسد وبالروح ! أحب في حدائته .. عشق في صباه .. فجمع في أكثر من إمرأة أكثر من مرة . . لج في الغدر والغرق فيه إلى أذنيه ! عرف الليالي الحمراء ، وزامل بنات الهوي الرخيص وأبناء الطرقات ! نالت حياته العابئة المستهترة من عقله ومن كيانه ومن روحه . . أهدرت في نفسه كل تقدير للقيم . أفقدته إتزان الرجولة ورجحان العقل .. سلبته راحة البال .. شبت نارها في أعوار ضميره وصيرنه عبداً الهواجس والأوهام والأضاليل . . جنحت به إلي نزوات الاستبداد والجور والأخذ بالثأر ، فصار لا يقضي عن هفوة . . ولا يفلت فريسة ، ولا يرضى أن يسكت على ضيم .!
... ولم نكن أغنياء . . كما أننا أيضاً لم نكن بالفقراء . كنا في حال وسط بين الشدة والرخاء ، وكنا نستطيع أن تحيا وأن تتنفس سعداء ، لولا أن نفوسنا كليلة مرضى شوهاء !.
وهكذا سلخت حياتي جلها ضحية هذين الوالدين . لم أعرف قط طعم الهناءة .. ثم أذق أبداً للذات العيش . . لم أجد فرداً يحنو علي . . لم أجد صدراً يضمني إليه . لم أرقلياً
يخفق من أجلي . لم أجد نفساً سليمة تجاوبني أحاسيسي العالية الرفيعة ! كنت أكبت مشاعري في أفوار نفسي كنت أطوي صدري علي ثورة عانية تضح في مسارب كياني . كنت أحيا على مثل الجمر المتقد بفري مهجني ويقرض أعصابي !.
وشب أخي .. فعرف الحب .. وشدا أغاريد الحياة المذية . غمرته أضواء الروح ، فاستشعر اضطرام النفس بفوائد الأحاسيس . . ذاق حلاوة القبض الإلهي ، واغترف من ينابيعه الثرة . . أمده عمي بصوفية حبيبة مهدت له أسباب الأتصال بالروح الأعلى ، فاستقامت فطرته واعتدل زمامه وصار في الحياة رجلاً كريماً . !
.. لقبي ذات يوم . . فانفتح له قلبي ، وسالت من أجل فرحتي برؤيته عبراتي ! عرف همومي . وغاص إلي تدوبي وجراحاتي ، فحاول - جاهداً - أن يقوم إنحراف نفسي ويعالج في شدوذي وإضطراب أعصابي . . ولكنه حاول عبثاً !
كان حريصاً على ألا ينكأ جراحاتي القديمة الغائرة . . ولكن ... هيهات ! .. ثم غاب عني - كالطيف - بضع سنوات . رحل إلي فرنسا . كان يراسلني دائماً وبدأب في كل سطر بخطه لي على الكفكفة من تباريح آللامي ووردت منه ذات يوم رسالة ألقي إلي فيها نبأ زواجه ومضي عام . فثني بذكر أنه قد أنجب غلاماً جميلاً .. طفلا يمثل في غرارته طهر حواري الجنة !
وهذا هو " جو " الصغير الآن إلي جانبي يذاهب كلبه العزيز ، ويبث أنغام الهناءة في بيني المنعزل القصى ، بعد أن غيب القبر أبويه إثر حادثة - لا أريد أن أطيل الوقوف عند ذكراها الرهيبة ! - ذهبا ضحيتها ، وأبقيا لي "جو" رمزاً للحب . عنواناً للفيض الإلهي الذي تفجر في قلب
عمي ، وتسرب إلي جوانح أخي ، ومس قلبي منه رشاش رقيق !
وإني لأحاول الساعة أن أبذل له حنان أبويه العظيمين مجتمعين . . عم أمه وأبيه - وأحس في ملازمته فرحة .. أفتقدتها طوال حياتي العانية ، وأستشعر قوة ما شعرت بها يوماً قط . . ذلك أنني أعلم الساعة علم اليقين أن مشمل. الحب الإلهي قد إنتقل إلي يدي وجعل الرب الإله مني أميناً عليه !
ذلك الشمل الذي سلمه عمي إلي أخي ، فاستلمته من أخي بدوري ، وسأظل حفيظاً عليه . حتى يجئ ذلك اليوم الذي يتلقاه عني فيه ، "جو" الصغير ليلقن النفوس البريئة الطاهرة - على وهج شعلته المضوية - أسمى دروس المحبة وأرق أنغام الصفاء .!
(مصر الجديدة)

