استعرضنا في المقال السابق " المشاكل الاقتصادية لما بعد الحرب " بصورة عامة ودون مراعاة وجه التخصيص ، المشاكل التى تنتظر العالم بعد ان ينتهي من الحرب الحالية ، وذكرنا أن تلك المشاكل لن تكون بنت ساعتها ، بل إنها ستكون استمرارا لما فات وإن انتابها من التعديل ما يكاد يخرجها عن مظهرها الأصيل . ونعود اليوم فنضع كلا من تلك المشاكل تحت المجهر على حدة لندرس دقائقها ، ونتبين التيارات المتضاربة التي تتجاذب كلا منها . ولنبدأ بمشكلة الأجور نظرا لأنها تخص النسبة العظمي من الشعوب ، ولما أثير حولها من أحاديث .
تواجه مشكلة الأجور في كل أنحاء العالم عدة تيارات قوية تتجاذبها من مختلف الوجهات ، ولم يظهر إلي الآن لأي منها الغلبة المطلقة ، وإن كان البعض منها بدأ يطغي على غيره نتيجة آراء نفعية لم تراع فيها المبادئ الاقتصادية السليمة . فأما الفكرة القديمة التي سادت العالم إلي عهد الثورة الفرنسية ) واستمرت في مصر بأوضح مظهر إلي عهد محمد علي باشا ( فهي نظرية أجر الكفاف ، أي الأجر الذي يفى بحاجة العامل الضرورية كي يعيش لينتج ، أي أن تلك النظرية لم تكن تنظر إلي العامل إلا كآلة تعطي ما يلزمها من الوقود كى لا تتعطل عن العمل ؛ ولكن بقيام الثورة الفرنسية وما انطوت عليه من المبادئ الإنسانية عن حرية الفرد وكرامته ، انتشر مبدأ جديد ينادي بحرية العمل ، وحرية التعاقد فأصبح صاحب العمل حرا في أن يستخدم من العمال من يشاء ، كما أصبح العامل حرا في أن يشتغل حيث شاء ، وكيف شاء . وتصور أصحاب هذا المبدأ أنه بتضارب المصالح المختلفة ) العمال من جهة وأصحاب العمل ورأس المال من جهة اخري ( ينال
المجتمع أعدل توازن منشود . ولنا نحن أن نتساءل - هل تتساوي الفرص أمام تلك العناصر الثلاثة حتي تتنافس تنافسا عمليا مشروعا لتفتح فيما بينها التوازن المنشود ؟ ولعله مما لا يحتاج إلي شرح أو توضيح أن نقول بأن الفرص تكاد تنحصر لدي أصحاب الأعمال ورؤوس الأموال ، وتكاد تنعدم لدي العمال ؛ فسمة مدارك الأولين وسمة حيلتهم والفائض الذي لديهم و ) رأس المال المدخر ( تمكنهم من التحكم في العمال دون رحمة أو تقدير ، ولقد فكر العمال للتغلب على تلك الحالة الطارئة أن يؤلفوا فيما بينهم اتحادات أو نقابات بالمعنى المصطلح ترعي مصالحهم وتجعلهم في مركز الند للند أمام الأعمال ، ولقد أدت تلك الاتحادات إلي تقوية مركز العمال ، إلا أنها كانت سلاحا ذو حديثين ، فهي وإن كانت قد حدث من طغيان فئة أصحاب الأعمال إلا أنها كثيرا ما أدت إلي اختلال التوازن الاقتصادي في الأمم كما سيأتي شرحه ولعل العذر الذي يتعلل به أصحاب مبدأ حرية التعاقد هو عذر مقبول ، ذلك لأن رأيهم هذا إنما نشأ في ظروف كان تقدير عمل الفرد أى ما ينتجه سهل التحديد ، وبالتالي كان في إمكان العامل أن يعلم هل يغيته صاحب العمل أم ينصفه ، ثم إنه لو رأي غيثا في تلك المعاملة لأمكنه أن يعمل في جهة أخري أو أن يعمل مستقلا . ولعلنا قد تبينا أن مبدأ حرية التعاقد إنما يتضمن مبدأ آخر ، ذلك هو أجر النتاج أي الأجر الذي يساوي ما ينتجه الفرد ، فالشخص الذي ينتج خمس وحدات من سلعة معينة في اليوم لا بد وأن يحصل على أجر يساوي تلك الوحدات الخمس ، فإن لم يحصل على الأجر الذي يستحقه في جهة ما انتقل إلى جهة أخري .
ولكن التعقيد الذي لازم الحياة الإنتاجية بعد الثورة الصناعية جعل من العسير ، إن لم نقل من المستحيل ، تقدير ما ينتجه الفرد تقديرا تاما بل اصبح التقدير مجملا وبغير تحديد . ونتيجة لهذا اعتقدت فئة العمال في مختلف الانحاء أنها مغبونة دون أن تستطيع إظهار حقيقة هذا الغين ، وإن
استطاعت تبيان مظهره في ثراء أصحاب الأعمال ، وبتراكم هذا الشعور بدأت الضغائن تظهر بين العمال وأصحاب الأعمال . وحينما استقر النظام الديموقراطي اصبح للعمال القول الفصل ، وبدأوا ينادون بنظرية جديدة نعتقد نحن انها ابعد ما تكون عن الاقتصاد السليم ؛ ويعتقد العمال ومن يجارونهم انها المبدأ الإنساني القويم ، تلك هي نظرية المستوي الأدنى للأجور وبالتالي الحد الأدنى لمستوي المعيشة . وتنادي هذه النظرية بوضع حد أدنى لآجر العامل مهما كان عمله ومهما كانت كمية إنتاجه حتى يستطيع أن يعيش عيشة مرحة كريمة ، ونحن لسنا ننتقد تلك المعيشة المرحة الكريمة ، بل إنا لنرجوها لكل فرد من أفراد البشرية ، ولكننا في مجال التنظيم لا نعتقد بمبدأ المجاراة والتمويه . فلو حدث وضمنا لعامل ما مستوي معينا من المعيشة الرحة الكريمة فماذا يدفعه إلى العمل والاجتهاد ؟ يقول البعض إن كرامة الإنسانية تستدعي هذا ، ونقول نحن إن حسن التنظيم يستدعي شيئا غيره .
ولعله يجدر بنا ان نتحدث قليلا عن مشروع بيفردج وما دار حوله من احاديث . وضع بيفردج مشروعا خاصا بريطانيا مدعما بالأرقام والنسب جاء فيه : " إن من واجب الدولة أن تكفل لرعاياها التحرر من العوز عن طريق مشروع تأمين إجباري يكون عاما في تطبيقه ؛ فيضمن بهذه الوسيلة حدا ادني من الدخل لكل إنسان " كما جاء فيه " إن الإعانة حق وليست عرضة لاختبار وسائل الارتزاق " ) ١ ( كما كفل هذا المشروع لكل فرد من أفراد الشعب قدرا من المساعدة حين مولده كمجانية الولادة والتغذية لعهد الطفولة المبكرة ، والعناية الطبية ، كما وفر للإنسان المساعدة حين مماته من مصاريف الدفن وخلافه ، كما قرر معاشا طيبا للشيخوخة . وقد قابلت اغلب الدوائر هذا المشروع بالتهليل والتكبير لسبيين : - أولهما - أنه يرضي
فئة العمال ، وهي التي يقع عليها عبء الحرب الأول . وثانيهما - لأنه مشروع إنساني يصيب العاطفة ، وإن لم يتفق مع التفكير السليم . فأما بخصوص القسم الأول من المشروع ، وهو توفير مستوي معين لمعيشة الفرد يحصل عليه سواء أعمل أم لم يعمل ، فقد بينا فيما سبق أننا لا توافق عليه نظرا لأنه مدعاة لإيجاد روح من الخمول والتواكل بين العمال ، مما يؤدي إلي نقص في الإنتاج ، وبالتالي إلي هبوط في مستوي المعيشة العام . وأما بخصوص القسم الثاني ، وهو تقديم قدر معين من المساعدة للإنسان حين مولده ، فإنا لندعو إلي التوسع فيه قدر الإمكان ، بل إنا لندعو إلي أبعد من ذلك ، فنطلب من الدولة أن ترعي أطفال الفقراء من يوم الميلاد إلي أن يبلغوا سن الشباب التي تؤهلهم إلي العمل ، فتقوم الدولة بتوفير الغذاء اللازم واللبس والتعليم ، كما يجب على الدولة أن توفر المعالجة المجانية والنظافة والمساكن الصحية ، وما إلي ذلك من الخدمات العامة للجميع ؛ على أنها إلي جانب هذا يجب أن تشرف على علاقة العمال بأصحاب الأعمال ، وأن تحد من أرباح الآخرين عن طريق الضرائب المختلفة ، وأن تحارب البطالة بإنشاء الأعمال الجديدة . تلك كلمة عابرة لا تتناسب مع الأهمية الكبيرة التي أعطيت لهذا المشروع ، ولكن المجال هنا لا يسمح بالتوسع أكثر من ذلك ، وإن نحن قد أوردناها هنا ، فإنا أوردناها لصلتها بما سبقها . وقد نعود إلي هذا المشروع في مقال تال
والآن كنتيجة حتمية لاستكمال هذا المقال ، نورد رأي كارل ماركس في مشكلة الأجور .
يعتقد ماركس أن العامل لا ينال اجره الحق الذي يتناسب مع إنتاجيته ، فهو إن انتج مثلا ما يساوي عشرة قروش ، فإنه ينال خمسة قروش ، بينما يذهب الباقي إلي المنظم دون وجه حق ؟ ويتجمع هذا الفائض في ايدى المنظمين يختل نظام الإنتاج والتوزيع بما يبينه المثل التالي : - لو
فرضنا هناك عدة مصانع ، بكل منها ألف عامل ينتج كل منهم ) كل عامل ( في اليوم ما قيمته عشرة قروش بينما يتناول اجر قدره خمسة قروش في اليوم ، فإنه يتوافر لدي صاحب العمل كل يوم مبلغ خمسون جنيها ، وهو مهما كانت قدرته الاستهلاكية فان يستهلك بأكثر من ثلاثين جنيها في اليوم مثلا ، فيتبقى لديه فائض يومي قدره عشرون جنيها ، وهو كغيره من المنظمين لن يتركها عاطلة ، بل سيوظفها في الإنتاج ، بينما ان اجور العمال المنخفضة لا تمكنهم من شراء تلك السلع المتزايدة ، فينتج من هذا ما يسميه البعض إفراطا في الإنتاج وسميناه نحن في المقال السابق عدم تناسق في الإنتاج والتوزيع .
إن الظواهر التي توصل إليها ماركس قد يكون فيها الشئ الكثير من الصحة ، ولكن النظم التي توصل إليها للقضاء على ذلك الاحتلال لا تتفق مع ما نراه نحن في هذا السبيل ، بل إن الأمة ذاتها التى كانت مسرحا لتجربته غيرت كثيرا من النظم التي توصل إليها نظرا للنقص الخطير الذي شملته من امتناع الدافع الشخصي ) تغلبت الدول الديموقراطية إلي حد ما علي ذلك الاختلال الذي راء ماركس عن طريق الضرائب والأعمال الجديدة ، والمثل نظام روزفلت الاقتصادي في أمريكا (
ثم إن هناك مشكلة فرعية اخرى قد نشأت نتيجة الأزمات العامة ، وتتصل بمشكلة الأجور اتصالا وثيقا ، وهي مشكلة التضخم والانكماش ) ١ (
قلما يعني العمال حتى في أكثر البلاد تقدما بالأجور الحقيقية ) القوة الشرائية للأجر ( ، بل إن كل عنايتهم تتوجه إلى الأجور النقدية التي اصطلح عليها في الماضي تحت ظروف معينة ، ولهذه الظاهرة اثرها الخطير في الحياة
الاقتصادية ودورانها ، فلو فرضنا حالة هبوط في الأسعار : فان النتيجة الضمنية هيوط القيمة التبادلية ) ١ ( للسلع ، وبالتالي نستطيع أن نسنتج أن قيمة العوامل التي اشتركت في إنتاج تلك السلع قد قلت . والأمر الطبيعي الذي لامندوحة عن اتباعه إذا كانت الأمور تسير سيرها الصحيح هو خفض اجور عوامل الإنتاج ، ومنها اجور العمال ، ولكن تدخل النقابات العمالية في منع هبوط عائد العمل هبوطا صوريا ) ٢ ( يؤدي إلي نتيجتين مباشرتين :
أولا - إيجاد بطالة مفتعلة بين الطبقة العاملة والآلات الإنتاجية
ثانيا - الإخلال بالتوازن الاقتصادي ، واستمرار حالة الكساد مدة أطول مما يجب . ومن ذلك تبين ان انقاص الأجور النقدية للعمال اوقات ازمات الكساد ، لا يتضمن في حد ذاته أي غني للهيئة العاملة ، طالنا ان الهبوط في الأجور يتناسب مع الهبوط في الأسعار ، بل إنقاص تلك الأجور النقدية ، هو ضرورة تتطلبها حالة التوازن الاقتصادي ، وبغير ذلك لا بد من ان ينال الطبقة العاملة في مجموعها ضرر ليس على الرأسماليين تبعته ، وإن تقاسموا مع العمال مغبته
إنه ليبدو للقاريء لأول وهلة أننا لم نصل إلي أي تلك النظم التي تتجاذب مشكلة الاجور قد اظهر صلاحية تبرر قيامه واستقراره ، وايها لم يوف الغرض الذي قام من أجله فحق عليه الاندثار كي يخلى السبيل لما يفضله من النظم ، ولكننا نذكر ان التقرير ليس من شان الباحث ، وإنما من شأنه أن يستعرض الامور ذاكرا اوجه الخير فيها من أوجه الشر ، ثم هو يترك بعد ذلك الأمر لمن بيده الفصل

