الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الثقافة"

مشكلة الامتحانات، فى مصر

Share

{تأخذ الامتحانات في مصر صورة مرعبة ، ويحس الناس  اثارها السيئة تتغلغل في كل نواحي التعليم ، ويشفقون من أن نظمه تتبع حاجات تلك الامتحانات ، بغير نظر إلي قواعد التربية الصحيحة . ولذلك رأت رابطة التربية الحديثة بحث هذه المشكلة من جميع نواحيها ، وتناولها رجالها بالدرس الدقيق ، رجاء أن يصلوا إلي نتائج نخفف من حدتها وتهذب من طريقتها ، حتى تصبح اداة صالحة للحكم على عقلية النقيذ من غير إرهاق له ولا لمطيه ووالديه . وكان خاتمة تلك البحوث ذلك البحث القيم الذي القاه وكيلها في اجتماع عقد بدار الجمعية الجغرافية منذ أيام برياسة سعادة وكيل المعارف ، حضره عدد كبير من رجال التربية والتعليم - ونظرا لأهمية هذا الموضوع الخطير ، رأينا تلخيص هذه المحاضرة على دفعتين ، نتناول في الأولى أنواع الامتحانات وأغراضها وعيوبها ، وفي الثانية بحث أساليب الامتحانات الحديثة في البلاد الأجنبية ، واقتراحات الأستاذ القباني لمعالجتها في مصر) .                                                           المحرر

بدأ المحاضر بالإشارة إلي الأغراض المختلفة التي تقصد من الامتحانات ، وضرورة التمييز بينها . فالامتحان قد يكون أداة تعليمية يستخدمها المدرس في دروسه ، كما يستخدم الأسئلة الشفوية ، وقد يكون أساسا لنقل التلاميذ من فرقة إلي فرقة ، أو لتقسيمهم إلي فصول متجانسة في الفرقة الواحدة ، وقد يكون امتحانا توجيهيا للكشف عن نوع الدراسة ، أو نوع المهنة التي يليق لها الطالب ، أو امتحانا للقبول لتبين مبلغ استعداد الطالب لنوع معين من الدراسة ، وقد يكون امتحانا نهائيا لمعرفة مقدار ما أفاده الطالب في مرحلة معينة من مراحل التعليم ، وقد يكون امتحانا مهنيا للكشف عما إذا كان الطالب قد أصبح أهلا لمزاولة مهنة معينة ، كالهندسة أو الطب أو العمل الكتابي بالمصالح . الخ .

ثم بين المحاضر أن طبيعة الامتحان والمسائل التي يثيرها تختلف باختلاف الغرض المقصود منه ، فمن الخطأ مثلا محاولة الجمع بين امتحان إتمام الدراسة الابتدائية وامتحان لقبول بالمدارس الثانوية ، لأنه ليس كل من يتم الدراسة الابتدائية يكون لديه الاستعداد العقلي الكافي للنجاح في الدراسة الثانوية النظرية ، كما أنه ليس كل من يتم الدراسة الثانوية يكون لديه الاستعداد العقلى الكافي للإفادة من التعليم الجامعي الحق . وفي امتحان إتمام دراسة مانعنى باختبار مقدار تحصيل الطالب والصفات التي كسبها منها ، أما في امتحان القبول لدراسة جديدة فأهم ما يجب أن نوجه إليه عنايتنا هو الكشف عن القدرات العقلية ، وبصفة خاصة عن المواهب الطبيعية التى تؤهل الطالب للنجاح في هذه المرحلة الجديدة وهنا تساءل المحاضر : هل امتحاناتنا المألوفة نؤدي أي واحدة من هاتين الوظيفتين على وجه مرض ؟ هل تعطينا حكما صحيحا عن تحصيل الطلبة والقدرات التي اكتسوها من دراساتهم لا أو عن استعداداتهم العقلية ومواهبهم الطبيعية !

وبعد أن شرح رأي علماء النفس في ماهية الاستعدادات العقلية ، ونوع العمليات الفكرية التى يبرز فيها الذكاء ، بين أن امتحاناتنا لا تختبر في التلمذ قوة الفهم والإبتكار ، والقدرة علي استنباط العلاقات بين الأشياء والحقائق ، والبراعة في تطبيق المعلومات واستخدامها عند التصرف في المواقف الجديدة ، بقدر ما تختبر فيه الحفظ الآلي ، والقدرة علي سرد حقائق مخزونة في الذهن من غير أن تقيم لنا دليلا علي أنه قد محضمها وأصبح قادرا على الانتفاع بها . وقد ضرب لذلك أمثلة كثيرة من اسئلة الامتحانات العامة في السنوات الأخيرة على اختلاف مراحلها وموادها ، نذكر منها ما يلي:

١ - تكلم عن عمليتى الهضم والامتصاص                         (شهادة الدراسة الابتدائية سنة ١٩٣٤ ) . ٢ - ترجم لرفاعة بك وبين أثره في التعليم في مصر .             (شهادة الدراسة الثانوية القسم العام سنة ١٩٣٧) . ٣ - ارسم خريطة لحوض السوبات مبينا عليها حدوده وأشهر طفاته.

صف سطح هذا الاقليم ويمانه ، واشرح أهميته في مالية النيل ، (شهادة الدراسة الثانوية القسم العام سنة ١٩٣٨). ٤- ا أذكر قانون يويل واشرح طريقة واحدة لاثباته . ب صف مقياس الكثافة المعتاد ، الإبترومتر ، وبين طريقة تدريجية واستعمله (شهادة الدراسة الثانوية القسم العام سنة ١٩٣٨). ٥- اشرح نظرية ,المثل,عند أفلاطون. (شهادة الدراسة الثانوية القسم الخاص سنة ١٩٣٨). ٦ - عرف الذرة والوزن الذري ، والجزئ والوزن الخزيئ وأثبت العلاقة بين الوزن الجزيئ والكثافة النسبية. ) شهادة الدراسة الثانوية القسم الخاص سنة ١١٣٨ ( . صف الجهاز النفسي في جميع رتب الخلاريات الحيوانات الفقرية مبينا ذلك بالرسم ، ) شهادة الدراسة الثانوية القسم الخاص سنة ١٩٣٨ ( .

وأمثال هذه الأسئلة كثيرة في جميع المواد ، وظاهر أن الإجابة عنها لا تتطلب من التلميذ أكثر من أن يحفظ بضع صفحات معينة من الكتاب المقرر عليه ، حتى إذا حان موعد الامتحان أفرغها على ورقة الإجابة كما هي من غير تصرف . ومثل هذه الاسئلة لايقيس الذكاء , بل إنه لا يمكن أن يكون مقياسا صحيحا للتحصيل المدرسي ، فالمعلومات لا تصبح علما أو ثقافة بالمعنى الصحيح إلا بعد أن يتشربها العقل ويهضمها ، أي يتفاعل معها حتى تصبح جزءا من نسيجه ، فينمو بما اكتسبه منها ، ويصير بعد امتصاصها أقدر علي التصرف في المشاكل التى تعرض له مما كان قبلا . وفي هذه الحالة لا يكون اختيار قيمة هذه المعلومات عن طريق استعادتها من العقل كما هي ، بل عن طريق قياس القوة التي أضافتها إلي العقل.

وإذا كان أقسي نقد يوجه إلي التعليم في مدارسنا أنه لايربى شخصية الطلاب ، ولا ينمي فيهم الصفات التى تعدهم للكفاح في الحياة ولخدمة المجتمع ، فلا شك في أن الإمتحانات التي من النوع السابق من أكبر العوامل التي توجه التعليم ذلك التوجيه الناقص . فالمدارس لا تتحرج من أن تصرف الوقت في حشو أذهان تلاميذها بما سماه الأستاذ هو ابتهد الانجليزي " الأفكار الخامدة " ، وهي

" الأفكار التي يقتصر العقل على استقبالها من غير أن يستخدمها أو يختبر صحتها او يحولها إلي صور جديدة ", وهي تضمن بوقت التلاميذ أن يصرف في مطالعة حرة ، أو بحث شخصي ، أو نشاط اجتماعي ، أو هواية عملية ، أو رياضة بدنية ، أو غير ذلك من النواحي التي تنمي الشخصية ، وتكون الخلق المتين

هذا إلي أن الامتحانات العمومية من أقوى عوامل الجمود في التعليم ، لأنها تتطلب التوحيد في المناهج والأساليب ، فتحول بذلك دون مراعاة المدارس لحاجات البيئة المحلية وتمشيها مع الحوادث التي تثير اهتمام المجتمع ، وتمتعها من مسايرة ميول تلاميذها وإطلاق الحرية المعقولة لهم في الدراسة ، كما أنها تحد من حرية المعلمين في اختيار مادة الدروس وطرق التدريس .

ثم إن شبح الامتحان المائل دائما للأذهان يدفع المدرسين إلي إرهاق التلاميذ بالواجبات المنزلية ، ويدفع الآباء إلي الضغط على أبنائهم في الاستذكار غافلين عما يلزم لصحتهم من راحة ورياضة ، ويدفع التلاميذ عند اقتراب موعد الامتحان إلي مواصلة الليل بالنهار في مجهود مضمن ينتهي في كثير من الأحيان بإضعاف أجسامهم وإتلاف أعصابهم . وليس العهد بتقرير الدكتور علي إبراهيم باشا عن صحة طلبة كليات الجامعة بعيد .

بعد هذا النقل المحاضر إلى البحث عن مبلغ دقة الامتحانات من حيث هي أداة للقياس ، وبعبارة أخري ، البحث عما إذا كانت الدرجة التي يحصل عليها طالب في مادة من المواد تدل بالضبط على حقيقة قوته في هذه المادة . وعرض نتيجة تجربة قام بها علي امتحانات وسط السنة ببعض مدارس القاهرة في سنة ١٩٣٠ . والفكرة التى قامت عليها هذه التجربة هي أن من علامات المقياس المضبوط - كالمسطرة أو الميزان - أننا إذا قسنا به الشئ الواحد مرتين فلا بد أن تتفق نتائج القياس في الحالتين

فإذا كان الامتحان مقياسا مضبوطا لتحصيل الطالب ، فإننا إذا امتحنا فصلا من التلاميذ امتحانين متكافئين من جميع الوجوه في مادة واحدة وفي وقتين متقارنين ، وجب أن تنفقن درجات كل تلميذ في الامتحانين . فلتحقيق ذلك اتفق المحاضر مع نظار مدارس التوفيقية وشيرا والخديوية والإبراهيمية الثانوية ، ومدرسة العاسية الابتدائية ، على إعادة امتحان بعض الفصول في مادة معينة لكل فصل منها ، عقب عودة التلاميذ من إجازة وسط السنة . واتخذت جميع الاحتياطات لجعل الامتحان الثاني في كل مادة مكافئا تماما لامتحان وسط السنة في تأليفه وتصحيحه. وقد أخطر التلاميذ عن الامتحان مقدما في بعض الفصول كى يستعدوا له ، وأعطي للبعض الآخر من غير إخطار سابق , المقارنة بين النتائج في الحالتين .

وقد ظهر من نتيجة التجربة أن أكثر من ربع  التلاميذ الذين امتحنوا في مختلف المواد بالمدارس الثانوية قد نجحوا في أحد الامتحانين ورسبوا في الآخر ، مما يجعل نجاحهم أو رسوبهم في أي الامتحانين قابلا للطمن ، وأن الغالبة الكبري منهم -٨٩ تلميذا من ١٥٦ - اختلفت درجاتهم اختلافا محسوسا في الامتحان الثاني منها في الأول ، وهناك ستة تلميذ كانت درجاتهم في أحد الإمتحانين أقل من ٢٠ % من النهاية العظمي ، وفي الإمتحان الآخر أكثر من ٦٠ % منها ، أو كانت في أحد الامتحانين أقل من ٤٠ %من النهاية العظمى وفي الامتحان الاخر أكثر من ٨٠ %منها

ولو حظ أن الدرجات تزيد في الامتحان الثاني عليها في الأول أحيانا ، وتنقص عنها أحيانا ، دليلا علي أن اختلاف الدرجات لا يرجع إلي نقص اهتمام التلاميذ بالامتحان الثاني وعدم استعدادهم له ، بل يرجع إلى أسباب متصلة بطبيعة الامتحان ، وأهمها أن الامتحان مقياس ذاتي ، أي تتوقف نتيجته على تقدير الشخص الذي يقوم به ، سواء

أكان ذلك من حيث اختيار الأسئلة والحكم على مدى ملائمتها لقوي الطلاب ، أم من حيث تصحيح أوراق الإجابة وتقدير الدرجة التى تستحقها

وبالنظر إلي كل هذه العيوب التي لمسناها في الامتحانات تساءل المحاضر : هل يمكن أن تستغني عنها بتاتا ؟ والجواب  أن هذا غير متيسر لأننا لم نتوصل بعد إلي شئ عملي يمكن أن يقوم بالوظائف التي تؤديها . وقد يقال : لماذا لا نكتفي بالمقاييس التي ابتكرها العلماء لقياس الذكاء والملكات العقلية المختلفة ؟ وهذه المقاييس في الواقع مفيدة جدا في الكشف عن استعدادات التلاميذ الطبيعية ، التي يهمنا أن نعرفها كي نحسن توجيهم إلى أنواع التعليم الملائمة لهم . ولكنها لا تقيس إلا الناحية الفكرية من شخصية الإنسان أما الميول والصفات الخلقية الضرورية للنجاح في الدراسة وفي الحياة العملية ، كالثقة بالنفس والاجتهاد والمثابرة وضبط النفس ، فليس لها إلى الآن مقاييس علمية يمكن الوثوق بنتائجها . ومن جهة أخري ، فإن مقاييس الذكاء والملكات الخاصة لا تقيس القدرات التي اكتسبها الطالب من دراسته ، ولذلك لا تكفي للحكم عليه حكما كاملا ، وينبغي أن نكمل نتائجها بمقاييس تقيس قوته العلمية لا سيما في مراحل التعليم الراقية .

وقد ابتكر علماء التربية نوعا جديدا من الاختبارات لقياس مقدار تحصيل التلاميذ العلمي قياسا موضوعيا -أي لا تتوقف نتيجته على تقدير المختبر- وتسمي "الاختبارات المفننة" ,ويشتمل الاختبار منها علي عدد كبير جدا من الأسئلة القصيرة ، قد يبلغ المئات ، والإجابة عن كل سؤال لا تتجاوز في العادة كلمة واحدة ، أو علامة بسيطة ، توضع في المكان المخصص لها في كراسة الإجابة . ويعتقد الكثيرون - وبخاصة في امريكا - أن هذه الاختبارات تغني عن الامتحانات المألوفة ، ولكن أكثر رجال التربية في البلاد الأخرى لا يشاطرونهم هذا الرأي . (البقية في الصفحة التالية)

وعلى كل حال فهذه الاختبارات لا تحل مشكلتنا ، لأنها في مجموعها لا تقل عن الامتحانات العادية - بل قد تفوقها كثيرا - في توجيه الطلاب إلي الاعتماد على اختزان الحقائق المفردة غير المترابطة في ذاكرتهم.

والخلاصة أن الامتحانات إن كانت شرا فهي شر لابد منه ، والواجب أن نبحث عن وسائل إصلاحها حتى تخلص مما يثير شكوانا من العيوب والشوائب ، وهذا ما سيتبين في المقال التالي .

اشترك في نشرتنا البريدية