الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316الرجوع إلى "الرسالة"

مشكلة البحر الأبيض المتوسط، مصالح بريطانيا وفرنسا فيه(*)

Share

نجتاز الآن مرحلة جديدة من مراحل النزاع الأبدى بين القانون والقوة ، فهذه هى الدول الدكتاتورية التي لا تعترف بغير حق الأقوى ، وتسخر من إيماننا بنظام دولي قائم على احترام استقلال الشعوب ، وترفض كل مفاوضة مخلصة حبية لتسوية المشاكل الدولية ، مفضلة عليها فرض إرادتها بالتهديد ، وهذه هي الدول الديمقراطية ، دول الماجنا كارتا وإعلان حقوق الإنسان التي يسود فيها الاعتقاد بأن للدول - كالأفراد - حقوقاً متساوية في الحرية ، بغض النظر عن درجة قوتها ، وبأن السلام قائم على احترام القانون ، وأن الوسيلة الوحيدة للعمل على احترامه هي مقاومة العدوان

وتقوم منذ سنوات علاقات متوترة أقرب إلى الحرب منها إلى السلام بين هاتين المجموعتين من الدول ، فنحن في حالة حرب من الوجهة العملية فى شئون الرأى والمال والاقتصاد والصناعة ، والدعاية ، وقد زادت أخيراً هذه الحالة سوءاً ، فاستغلت الدول الدكتاتورية غفلة حكوماتنا وترددها ، فلم تتوان عن اللجوء إلى العنف عند ما أحست بالقدرة على استعماله ، فاستطاعت بذلك أن تستولى فى أوربا الوسطى وأسبانيا على مراكز ذات أهمية عظمي لها من الوجهة الحربية والاقتصادية

ومن الضروري ، لتتجنب اليوم الذي بخير فيه بين الخضوع للمتدين وتعجيل النكبة العالمية ، أن نكون جبهة عامة من الشعوب التي تفضل القانون على العدوان ، ويجب أن نكونها قوية لتستطيع تحويل هتلر الذى يبقى بعد دكتاتور ألمانيا وحدها ، بل إيطاليا  كذلك ،عن المنحدر الذي يجذب العالم نحو الحرب

مساهمة بريطانيا في الدفاع عن السلام

يعلم الناس مساهمة بريطانيا في تدعيم السلام، وهذه المساهمة

ذات وجهين ، المسكرية والسياسية ، ويمكن أن تعتبر أسبق الدول في الحالتين

فقد قمنا في الناحية العسكرية بما لم نفعله قط في تاريخنا من قبل : لقد أدخلنا نظام التجنيد وقت السلم ، ويجدر بي أن أسوق كلمة موجزة في هذا الموضوع الذى كان محلاً لتعليقات عديدة في فرنساء لست أقول إننا فعلنا هذا عن طيب خادار ، ولكن لفورنا لم ينشأ عن أنانية أو جهل قد يصل إلى مرتبة الغباء، فإن الرجال في انجلترا كما يجب أن تعرفوا ، قد جاءوا وما زالوا ، ليجودوا بأنفسهم بكثرة ، ولقد بلغ عدد من قيد اسمه في البحرية أو الطيران أو الجيش ستة آلاف إلى ثمانية آلاف في اليوم ، والتفسير العميق لهذا أن التجنيد في وقت السلم ضد تقليد ذي وجهين ، حربي وأدبي ، دام منذ مئات السنين ، وليس من الهين أن نتحرر بسهولة من هيمنة القرون النفسانية . أما التقليد الأدبى فهو مذهب التطوع الساري في جميع النواحى ، فانظروا مثلاً إلى مستشفياتنا التي تعيش بفضل جود الأفراد . وأما التقليد الحربي ، فلأننا من سكان الجزائر قد اعتدنا أن نعتبر أن حماة أرض الوطن هم بحارتنا لا جنودنا . وأرجو أن تقدروا فيما عدا الذين سيعملون في دفاع الطيران أن مجندينا سيحاربون في بلاد أجنبية وفي مناطق بعيدة في بعض الأحيان ، وأن رجل الشارع لا يرى دائماً كيف ولماذا تكون هذه المناطق الأجنبية مرتبطة بطريق غير مباشر بسلامة ونجاح الجزر البريطانية . فإذا ثبت في الأذهان هذه الاعتبارات. النفسانية فهمتم ووافقتم على أن اعتناق مبدأ التجنيد هو انقلاب حقيقى عند الإنجليز ، وأن سبباً واحداً استطاع أن يخرجنا عن مقتنا التقليدي للتجنيد : هو الرغبة في ألا ندع أدنى شك يتسرب إلى أصغر يقعة في أوربا عن إرادتنا في تقديم أكبر ما يمكن في المساهمة التي نستطيعها

وليست مساهمتنا في الميدان السياسي بأقل انقلاباً من المساهمة العسكرية. ففي إعطائنا الضمانات لدول مختلفة في شرق أوروبا ارتبطت انجلترا بالقارة كما لم تفعل من قبل هذه الضمانات التي تخص. غير بولونيا رومانيا واليونان وتركيا، وهذه تسوقني إلى الكلام على مشكلة البحر الأبيض :

شرق البحر الأبيض

من الجلى أن الضمانات التي أعطيناها دول البلقان تجبرنا على الاحتفاظ بالسيادة البحرية التي للتحالف الفرنسي الإنجليزي في البحر الأبيض ، ومن العبث أن نبين تفوق أسطول هذا الحلف الساحق على أى عدو في كل ما يختص بالسفن ؛ ولكن هناك، وهذا صحيح، تهديد الطيارات والغواصات، وهو ما يجدر بنا أن نحسب حسابه ، ولكنى أظن أنه قد بولغ كثيراً في تقدير هذا الخطر . ولعلكم تذكرون ما حدث في شتاء العام الماضي عند ظهور غواصات قراصنة من جنسيات مجهولة في البحر الأبيض فإنها لم تلبث بعد إعطاء السلطات الفرنسية والإنجليزية أوامرها إلى وحداتها بمهاجمة وإغراق كل غواصة تقابلها على بعض طرق المواصلات البحرية حتى اختفت بفعل السحر ، مما يدل على أنه توجد أميرالية فى أوربا تشاركنا يقيننا في قوة وسائلنا الدفاعية الفعالة ضد غارة الغواصات

من الجلى أن الضمانات التي أعطيناها دول البلقان تجبرنا على الاحتفاظ بالسيادة البحرية التي للتحالف الفرنسي الإنجليزي في البحر الأبيض ، ومن العبث أن نبين تفوق أسطول هذا الحلف الساحق على أى عدو في كل ما يختص بالسفن ؛ ولكن هناك، وهذا صحيح، تهديد الطيارات والغواصات، وهو ما يجدر بنا أن نحسب حسابه ، ولكنى أظن أنه قد بولغ كثيراً في تقدير هذا الخطر . ولعلكم تذكرون ما حدث في شتاء العام الماضي عند ظهور غواصات قراصنة من جنسيات مجهولة في البحر الأبيض فإنها لم تلبث بعد إعطاء السلطات الفرنسية والإنجليزية أوامرها إلى وحداتها بمهاجمة وإغراق كل غواصة تقابلها على بعض طرق المواصلات البحرية حتى اختفت بفعل السحر ، مما يدل على أنه توجد أميرالية فى أوربا تشاركنا يقيننا في قوة وسائلنا الدفاعية الفعالة ضد غارة الغواصات

هذه الالتزامات والمصالح التي لا تحتاج إلى التنويه بأهميتها فسر الاهتمام الذى يبديه الرأى العام الإنجليزي في مراقبة تزايد القوات الإيطالية فى ليبيا ، كما نفسر قرار الحكومة الخاص بتكوين احتياطي جديد في الشرق الأدنى والأوسط ، والقواعد الفرنسية في تولون وأجاكيو وبيزرته وأوران والجزائر لا تقل شأناً فى خد : القضية المشتركة من القواعد الإنجليزية في شرق البحر الأبيض، كما أنه لا يخفى أن تفوق الأسطول الفرنسي الذى لا يمكن إنكاره في أفريقيا الشمالية هو من أكبر الضمانات

الأكيدة التي يمكن أن يرجوها الإنسان في تدعيم السلام في البحر الأبيض

غرب البحر الأبيض

ولنأت الآن إلى غرب البحر الأبيض ، فبريطانيا العظمى تعلق أكبر أهمية على تحالفها التقليدى مع البرتغال . هذا التحالف المسكين المؤسس على المصالح المشتركة والذي حافظت عليه الأمتان بإخلاص وصدق منذ ثلاثة قرون بغير أن يمس شيئاً من كبريائهما واستقلالها الشرعي

وعلينا أن نكسب صداقة الأسبان وحيادها في حالة الحرب إذا أمكننا . ولقد كنت من جهتی أحد الدعاة المخلصين لعدم التدخل فى شئون أسبانيا الداخلية كما هو حالنا مع أية دولة أخرى . ويبدو لي من المحزن - لهذا السبب نقسه - أن ظنت الحكومتان الانجليزية والفرنسية أنه من الواجب ترك الحكومتين الألمانية والإيطالية تؤثران في مستقبل الحرب الأهلية الأسبانية ، ويكاد هذا الضعف الجنوني يكلفنا غاليا

من العبث أن نضيع الوقت في الأسف على أخطاء الماضي ، وفى عدم الاعتراف بأن الجنرال فرانكو هو سيد أسبانيا اليوم ، ولكن هذا يجب ألا ينسينا أن ألمانيا قد ضمنت مراكز اقتصادية وحربية هامة ، وأن بواخر الأسطولين الألماني والطلياني تغشى موانى أسبانيا

ولا أرانى فى حاجة إلى القول بأنه لا يوجد في انجلترا شخص واحد لا يريد العيش في صداقة وسلام مع إيطاليا ، وإننا مستعدون للاعتراف لإيطاليا بمصلحتها بالاشتراك مع فرنسا وانجلترا في نظام البحر الأبيض وحرية المرور لتجارتها فيه ، ولكننا لا نستطيع مع ذلك ألا تلاحظ أن جميع مساعينا في تسكين إيطاليا لم تفد إلا في تحريض هذه الحكومة على ارتكاب أعمال شديدة الخطورة على السلام

وكما أبان إيدن في خطبة استقالته في البرلمان ، قد صحب اتفاق الجنتلمان فى أول يناير سنة ١٩٣٧ إرسال أول تجدة هامة من الجنود الإيطالية إلى أسبانيا ، وأن إمضاء اتفاق ١٦ أبريل

سنة ۱۹۳۹ تبعه ازدياد القاء القنابل المدمرة من الطيارات الإيطالية التي تعمل مع فرانكو ، وأن التصديق على هذا الاتفاق قد تبعه تضاعف عدد الجنود العاملة في الجيش الايطالي في ليبيا

وتدل جميع هذه الوقائع على أن سياسة التسكين لم يكن لها من أثر إلا إهاجة شهوة موسوليني وإسدان مراكزنا في البحر الأبيض المتوسط

كما أن وجود القوات الإيطالية في ألبانيا قد يسبب تهديداً ضد أمن وسلام البحر الأبيض أكثر خطراً من هذه القوات في أسبانيا، فعددها مائة ألف على الأقل مزودة بالدبابات والطيارات ولا تبعد عن سالونيك إلا بمائة وخمسين كيلو متراً ، وخطر هذا التهديد هو الذى ألجأنا إلى إضافة ضمان اليونان إلى ضمان رومانيا واتفاقيتنا مع تركيا

وهناك دولة كبيرة مهمها مباشرة استقرار الأمر في شرق أوربا وجنوبها الشرق ، وهى على استعداد لتضع تحت تصرفنا موارد لا تعرف في الواقع معلومات دقيقة عنها ، ولكنها مع ذلك محل تقدير لا يمكن إنكاره ، وموقعها يسمح بالتدخل عند الحاجة ، سواء في الأرض أو في البحر ، أسرع من فرنسا أو بريطانيا ، وهذه الدولة هى روسيا .

وإنني أوافق من جهتى مستر تشمبر لين عندما قال إن النظام الداخلى في ألمانيا أو إيطاليا يجب ألا يؤثر على سياستنا الخارجية . فكذلك يجب تطبيق هذه القاعدة الحكيمة مع روسيا . فإذا أحبت إيطاليا أو ألمانيا أو روسيا نظامها الحالي ، فليس لنا أن نحاول أن نفرض عليها نظاماً غيره ، وإنما الأمر الوحيد الذي يعنينا هو سياسة هذه الدول الخارجية ، وإذا كنت قد نهضت المقاومة حركات ألمانيا أو إيطاليا فلأن هذه أو تلك تحاول فرض طغيانها على غيرها من البلاد، وهذه هي مساعدة روسيا تحت تصرفنا ، وهى لا بد منها إذا أردنا أن نضع حدا للاعتداء بدون أن نلجأ إلى الحرب.

وقد تساءلوا في باريس ولو ندرة أخيراً عما إذا كان من اللازم أن نطلب إلى الفرنسيين أو الإنجليز أن يموتوا في سبيل داريج ؟ يبدو أن الجواب الظاهر

كلا! ولكن إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن نظن أن البولونيين قبلوا أن يموتوا في سبيل باريس أو لوندرة، أو يقبل الفرنسيون أن يموتوا في سبيل جبل طارق ، أو يموت الإنجليز في سبيل تونس ؟ فالمهم تخطى ستار الجدل الخادع الذي يقف عند حد هذا الأمر الذى لا أهمية له في ذاته ، أو عند معرفة لمن تكون هذه المدينة أو هذه الولاية لتقدير حقائق هذه الأمور الصحيحة . فإن الأمر أكبر اتساعاً وعمقاً من هذه الحدود .

ولقد سرني أن أعدت منذ أيام قراءة خطبة بريكليس في شعب أتينا في موضوع اقتراحات كان الإسبار طيون قد عرضوها عليه ، وأحد هذه الاقتراحات خاص بقانون أتينا حظر على بواخر ميجارا دخول موانى أتينا ، ولا بد أن أحداً سأل عما إذا كان يستأهل مثل هذا الأمر التافه الموت في سبيله ، فكان جوابه : أكرر لكم أيها الأتينيون أن انزعوا هذا الوهم بأنكم قد تدخلون الحرب في سبيل أمر تافه ، فإن تفاهة الأمر الذى نحن بصدده لا تقل عن امتحان يقينكم ، فلو تخليتم عن هذه النقطة ، فسيسألونكم فوراً أن تتخلوا عن غيرها ، لأنكم قد خفتم .

وسراء أكان المطلوب جليلاً أم لا فإنه إذا سمى شخص إلى نيله من جاره بالقوة أو بالتهديد بالقوة لا بالاتفاق الودى ، فإن الأمر في الواقع يكون هل ستصبح أحراراً أم عبيداً )

وأقول لكم بالمثل : لا لنعمل على منوال يفهم منه مواطنونا والشعبان الإيطالى والألمانى أننا لن ندخل الحرب مطلقاً من أجل أمر تافه ولكن يجب أن تكون مستعدين إلى أقصى درجة لقبول امتحان يقيننا ، والمقاومة التهديد والقوة وإنقاذ هذه القيم الأخلاقية التى تكون ثروة مدنيتنا والتي تعرف باسم التسامح والحرية والعدل »

اشترك في نشرتنا البريدية