الدهاليز جمع دهليز ، وهو الممر بين مكانين أو بناءين منفصلين . وهو فى عرف المربين بانجلترا الممر بين نوع من أنواع التعليم الثانوى والنوع الآخر . وهذه الدهاليز والأنواع تاريخ يرجع إلى سنة ١٩٤٤ حينما صدر " قانون التعليم " الأخير . فقد نص هذا القانون على أن التعليم الابتدائى ينتهى بالطفل فى سن الحادية عشرة أو بعدها ، ومن ثم يبدأ التعليم الثانوى الذى صار - بحكم هذا القانون - حقاً مجانياً لكل طفل أتم التعليم الابتدائى . ولما كان الأطفال ليسوا سواءً فى قدراتهم الفطرية ، واستعداداتهم الخاصة ، وميولهم ، وكان التعليم الثانوى النظرى - بمعناه القديم - مرحلة موصلة للتعليم الجامعى ، لم يكن من المعقول ولا من المصلحة أن يتاح هذا النوع النظرى لجميع الأطفال على اختلاف قدراتهم وميولهم ، ومنهم من لا يصلح له ، ولا يستطيع لذكائه المحدود أن يتابعه إلى النهاية وإلى المرحلة الجامعية . هذا إلى أن الحياة العملية لأى مجتمع لا تحتاج فى ميادينها المختلفة إلى الجامعيين القادة فحسب ، ولكنها تحتاج إلى العمليين من الصناع والتجار والزراع وسائقى السيارات ، ورجال البريد ، والفعلة . وهؤلاء يكونون السواد الأعظم من الأمة وعمودها الفقرى . وإذا فلا بد من تنويع التعليم الثانوى بحيث يقدم كل نوع إعداداً صالحاً لمن يلتحق به من الأطفال ، ولا بد أيضاً من تقسيم الأطفال إلى مجموعات متناسقة كل مجموعة توجه إلى نوع التعليم الثانوى الذى يناسبها ، ولا بد كذلك من وضع قاعدة ثابتة علمية يعتمد عليها لقياس الأطفال أو اختيارهم ، بحيث يمكن بمقتضاها توزيعهم توزيعاً سليماً على أنواع التعليم الثانوى .
أما تنويع التعليم الثانوى حتى يناسب حاجات المجتمع وقوى الأطفال واستعداداتهم فهذا ما قضى به قانون سنة ١٩٤٤ . فقد جعل التعليم الثانوى ثلاثة أنواع : النوع النظرى ، ويكون فى المدارس الثانوية النظرية والتى يطلق عليها عادة فى انجلترا Orammar Schools ، وهذه تعد
للالتحاق بالجامعات والمعاهد العالية . والنوع الفنى ، ويكون فى المدارس الثانوية الفنية التى تنتهى بالسادسة عشرة أو السابعة عشرة ، وفيها يتنوع الإعداد من صناعى إلى تجارى إلى زراعى ، وفقاً لحاجات البيئة والبلاد ، واستعداد الأطفال وميولهم . والنوع الثالث هو التعليم الثانوى العام وينتهي بسن الخامسة عشرة ، وفيه تكون التربية عامة نظرية وعملية ، هدفها إعداد الشاب ليزاول حياته العملية بعد ما يغادر المدرسة ، فهي تعمل على إعداد المواطن الصالح بقدر ما تسمح به قدرات التلميذ المحدودة ، وسنو دراسته . ويلتحق بالنوع الأول نخبة الأطفال ممن تصل نسبة ذكائهم إلى ١٢٥ فما فوق ، وهؤلاء يكونون عادة نحواً من ١٠ % من مجموعة التلاميذ المتقدمين للتعليم الثانوى ، ويلتحق بالنوع الثاني من هم أقل ذكاء والمتوسطون ، ويلتحق بالنوع الثالث من هم أقل من المتوسط فى الذكاء .
وهذه الأنواع من مدارس التعليم الثانوى ، وهذه الأنواع من الأطفال تتطلب القاعدة - أو المقياس - التى يمكن تطبيقها ، الحكم الصحيح على نوع التعليم الصالح له الطفل . وهذه القاعدة وجدها رجال التعليم فى مقياس الذكاء . فعند ما ينتهى الأطفال من التعليم الابتدائى يختبر ذكاؤهم ، ويوجهون بمقتضى نتائج الاختبار ؛ كل إلى نوع التعليم الثانوى الصالح له .
ويبدو مما تقدم أن المسألة هينة سهلة ، وأن الأمور يجب أن تسير بنظام ويسر ، دون إشكال أو اعتراض ، ولكن المسائل النظرية شئ وتطبيقها شئ آخر . فقد نشأ من تطبيق القانون الذى أشرنا إليه عدد من المشاكل التعليمية التى تحتاج إلى حل فى ضوء التجارب وظروف المجتمع .
من هذه المشاكل : " إلى أى حد يمكن الاعتماد على مقياس الذكاء فى اختيار الأطفال لأنواع التعليم الثانوى المختلفة " . ومنها : " ماذا يمكن عمله إذا ظهر أن طفلاً غير صالح للتعليم الثانوى الذى التحق به . وهو أكثر صلاحاً
النوع آخر ؟" . أما المشكلة الأولى فقد اتفق المربون وعلماء النفس أيضاً أن مقياس الذكاء أصدق المقاييس ، ولكنه مع ذلك عرضة للنقص والخطأ ، وانه لذلك قد يوضع تلميذ فى المدرسة الثانوية الفنية ثم يتبين أنه على درجة من الذكاء توجب أن يكون بالمدرسة الثانوية النظرية . وقد يتبين بعد التحاق تنفيذ بالدرسة الفنية أن ذكاء لا يسمح له بموالاة هذا النوع من التعليم ، ولا بد والحال هذه أن ينقل إلى المدرسة الثانوية العامة .
هذا ، ولأولياء الأمور آمالهم ومطامحهم ، وهم حريصون أشد الحرص على أن تتاح لأبنائهم فرصة التعليم الجامعى ، فهم لذلك يجدون فى عدم قبول أبنائهم بالمدارس الثانوية النظرية ضياعاً لهذه الفرصة . ومن حقهم إذا ظهر استعداد أبنائهم للتعليم الثانوى النظري أن ينقلوا إليه ، حتى بعد ما يكونون قد ألحقوا بغيره من التعليم الثانوى . من أجل هذا نص القانون على وجود هذه الدهاليز أو الممرات التى تخول للتلميذ الانتقال من نوع من التعليم الثانوى إلى نوع آخر هو له أصلح ، فكيف يتم هذا ؟
كان مؤتمر رابطة التربية الحديثة الإنجليزية ، الذى عقد فى الشهر الماضى مدينة Epswich ، ليدرس هذه المشكلة وما يتصل بها من المشاكل . ولهذه الرابطة نشاطها المحلى والعالمى . ولقد رحبت بدعوتها إياى لحضور هذا المؤتمر الإقليمى لأننى حريص على أن أدرس عن كثب مشاكل التعليم فى انجلترا وكيف يعالجونها ؛ فأفيد من هذه الظروف بما ينفعنا فى مشاكلنا التعليمية ، لاسيما ونحن فى طور نهضة تعليمية لم تنظم بعد ، ولم تثبت قواعدها . ونحن كذلك تواجه ازمة قوية فى التعليم الثانوى النظرى نتيجة إقبال التلاميذ عليه وانصرافهم عن الثانوى الفنى . وهى أزمة لها نتائجها الخطيرة فيما بعد ، على الشبان أنفسهم عندما يصيرون من ذوي الياقات البيضاء ولا عمل لهم ، وعلى الدولة أو البلاد التى تحتاج إلى الفنى العملى المثقف فلا تجده لأن المدارس لم تعده .
ورحبت بالسفر مسافة بعيدة من شمالى انجلترا إلى جنوبها ، هرباً من جو المدينة الصناعية التى أعيش فيها وضبابها وهبابها ، إلى ضاحية مدينة ريفية جميلة ، اختارتها الرابطة كعادتها لتكون متاعاً وراحة للمؤتمرين ، فيجدوا من صفاء الجو وجمال الطبيعة ما يشجعهم على الدرس والمناقشة ، وكان
المؤتمرون قد اختيروا بدعوة خاصة من الرابطة على أساس تمثيلهم نواحى مختلفة من نواحى التعليمين ، الابتدائى والثانوى ، وتمثيلهم التفتيش والإدارة فيهما .
قال بعض المؤتمرين : إن اختيار التلاميذ على أساس نتائج اختبارات الذكاء قد أضاع الغرض منه . فالمدارس وأولياء الأمور قد انصرفوا إلى تدريب التلاميذ على حل الاختبارات المطبوعة إعداداً لهم ، وأسرفوا فى هذا على حساب تعليم المواد الدراسية ، فالمقياس إذاً غير سليم ، ومعطل للغرض الأساسى من المدرسة وهو التعليم والتربية . وقال آخرون : إن الذكاء يجب ألا يكون أساس الاختيار للتعليم الثانوى والجامعى ، فالحياة تحتاج إلى الخلق والشخصية ؛ وكثير من متوسطى الذكاء - مع المثابرة والأتزان ومعالجة الأمور بروية - أصلح المجتمع من الأذكياء المهملين أو المغرورين أو فاسدى الأخلاق . وإذاً فلنجعل أساس الاختبار هو الشخصية والخلق والذكاء جميعاً .
فرد عليهم بعضهم قائلا : وكيف يكون ذلك ؟ واعترض آخرون على نظام الدهاليز وقالوا : إذا أصررنا على نقل التلميذ الذكى من التعليم الفنى إلى التعليم الثانوى النظرى فإنا نحرم التعليم الفنى من العناصر الذكية التى تكون قادة فى مهنها المختلفة . ونحن أحوج فى التعليم الفنى إلى القادة الأذكاء . فمن الحكمة والحال هذه أن نعمل على إلحاق الأذكاء عمداً وعن قصد بالتعليم الثانوى الفنى .
وجاءت مشكلة الدهاليز ؛ فرأى بعض المؤتمرين أن نقل تلميذ بعد سنتين أو ثلاث من نوع التعليم الثانوى إلى نوع آخر يوجد ارتباكاً فى حياته التعليمية ، ويتطلب من المدرسة أن تمده بدروس خاصة فى اللغات الأجنبية وغيرها من المواد التى لم يتلقها حتى يعوض ما فاته . وشكا بعضهم أن بعض المدارس تتخذ من " رخصة " الدهاليز وسيلة للتخلص من التلاميذ الذين لا ترغب فيهم أخلاقياً وإن كانوا صالحين علمياً . وشكا بعضهم أن الآباء يعلقون آمالاً كبيرة على الدهاليز ، فيحاولون أثناء الدراسة نقل أبنائهم إلى التعليم الثانوى النظرى بأساليب ملتوية متعبة .
وتساءل الجميع : لماذا يوزع التلاميذ فى سن الحادية عشرة على أنواع التعليم الثانوى ؟ لهذه السن ميزة خاصة نفسية تجعلها السن المحددة لبدء التعليم الثانوى ؟ ولماذا
لا تؤخر التوزيع والاختيار إلى سن الثالثة عشرة حين يتبين لنا بوضوح ودقة أنواع القدرات والاستعدادات فيكون الاختيار أسلم ؟ واتجه الرأى نحو هذا الحل وكثر مؤيدوه .
قال بعضهم : فلننشئ إذا مرحلة متوسطة من الحادية عشرة إلى الثالثة عشرة بين التعليمين الابتدائى والثانوى . وقال آخرون : الأولى أن نبقى نظام المراحل الحالى ونجعل المدرسة الثانوية - فى سنواتها الأولى - مشتركة لجميع التلاميذ ، ثم نبدأ التوزيع بعد الثالثة عشرة . واقترح بعضهم نظام المدرسة الثانوية الشاملة Comprehensive Sehere التى تضم أنواع التعليم الثانوى الثلاثة فى بناء واحد ، وقام ضد هذا الاقتراح اعتراضات : منها أن هذه المدرسة ستكون من الكبر والضخامة بحيث تعرقل الإشراف الإدارى المباشر ،
ودراسة الأفراد وتوجههم ، مما يتسنى فى المدرسة صغيرة الحجم .
وتحمست فأدليت باقتراح لقى كثيراً من الرضا ، قلت : أليس من الحكمة أن نجرى التجارب على أنواع هذه المدارس المقترحة - فى بعض المناطق التعليمية - لنعرف أولاً مقدار صلاحيتها قبل تزكيتها وتعميمها ؟ إن نظام التعليم بانجلترا مرن ، وللسلطات المحلية حرية وافرة فى أن تجرب ما تشاء من أنواع التعليم ما دامت لا تخرج عن روح القانون .
وصادف هذا الاقتراح تأييداً فأقره المؤتمرون مع غيره من الاقتراحات . ثم انصرفنا وقد أفادت عقولنا وأجسامنا ووجداناتنا .
( مانشستر )

