اتسعت رقعة المدن الكبرى في العالم اتساعا عظيما وتغير مظاهرها تغيرا كبيرا بعد الحرب الكبرى ، ولا تزال حركة البناء في هذه المدن قائمة على قدم وساق ، فأنشئت في باريس مثلا مدينة جامعية في موضع الحصون القديمة ، واختطت في مدينة لندن شوارع جديدة وميادين فسيحة مكان الشوارع والمنازل القديمة . ولقد سارت حركة البناء في بريطانيا العظمي بعد عام ١٩١٩ بخطى سريعة موفقة وبذل الانجليز جهودا جبارة في سبيل حل مشكلة المساكن فلاقت هذه المشكلة من عناية الانجليز أكثر مما لافت أيه مشكلة اجتماعية أخري بعد الحرب العظمي ، وقد يدهش القارئ إذا عرف أنه قد شيد في الفترة الواقعة بين عامي ١٩٣٨،١٩١٩ أكثر من ٣.٦٦٦.٠٠٠ منزل جديد أعانت الحكومة منها أكثر من ١.٤٠٠.٠٠٠ بما لا يقل عن ١٨٠ مليون جنيه لا يدخل فيها ما قدمته أخيرا من الأموال الطائلة لإزالة الأحياء القذرة من المدن الكبرى . وقد تضافرت على العمل جهود السلطات العامة والهيئات الخاصة فأما الثانية فقد كان همها إنشاء منازل يستطيع شراءها العمال ذوو الأجور المرتفعة والمتوسطة ؛ وأما السلطات المحلية فقد كرست معظم جهودها لخدمة فقراء السكان ، وكان البرنامج الذي تعمل لتنفيذه يشمل بناء المنازل وإزالة الأحياء القذرة القديمة وتخفيف الزحام .
ولقد تبين بعد انتهاء الحرب الكبرى أن مشكلة المساكن تتطلب علاجا حاسما سريعا لأن حركة البناء قد وقفت أو كادت في أثناء الحرب ، ولأن الأمة شعرت أن الجنود المرضى يجب ألا يعودوا إلي المساكن المزدحمة غير الصحية ، وأن من واجب الأمة بصفة عامة ألانسح بأن يشب الجيل الجديد في أوساط قذرة مضعفة للقوة ، وأن
-١٧٤٣-
انتصار مبدأ الحق على مبدأ القوة في العلاقات الدولية يجب أن يكون له أثره أيضا في الشئون الداخلية ، فيمتنع الأقوياء عن استغلال الضعفاء ، وتبذل الجهود لرفع مستوي حياة الطبقات الفقيرة بوجه عام ، وقد نجحت هذه المساعي فارتفعت الأجور الحقيقية للعمال واتسع نطاق الخدمات العامة وتحسنت حال طبقات العمال عما كانت عليه في الماضي .
وبدأت آثار هذه الجهود في الظهور في عام ١٩١٩ فقد فرض البرلمان في تلك السنة على السلطات المحلية أن تمد كل منها في دائرتها الخاصة مشروعات لبناء عدد من المساكن يفي بحاجات طبقات العمال وتعهدت الحكومة بإعانة هذه السلطات بالمال الذي تحتاجه للقيام بهذا العمل كما تعهدت بمعاونة الأفراد والهيئات الخاصة على بناء منازل للعمال تؤجر لهم بأجور رخيصة .
وقد ساعد علي تنشيط حركة البناء ما وضع من النظم لمساعدة الفقراء ومتوسطى الحال علي الاقتراض لشراء المنازل ، وبفضل هذه النظم استطاع عدد كبير من العمال الذين لم يكونوا قبل الحرب يفكرون في امتلاك بيوت أن يبتاعوا لهم منازل خاصة ، ويقترض العمال ما يلزمهم من المال لشراء البيوت من شركات البناء وهي شركات نجحت في بريطانيا أكثر منها في أي بلد أوربي آخر حتي بلغ مجموع ما أقرضته منذ عام ١٩١٩ نحو ١.٣٤٤.١١٧.٧٢٩ جنيه أي ثلثي نفقات المنازل التي بنيت في بريطانيا ، ويساعد هذه الشركات المصارف المالية وشركات التأمين والسلطات المحلية والأفراد أصحاب الأموال .
على أن هذه الجهود السالفة الذكر لم تنتفع بها الطبقات البائسة التى لا تكفيها أجورها للسكن في منازل صحية والتي تسكن الأحياء القذرة القديمة التي خلفتها العصور الخالية لكل دولة في أوربا ؟ وقد بدأت الحكومة المركزية والسلطات المحلية جهودا موفقة لإزالة هذه الأحياء ؛ فقام وزير الصحة في عام ١٩٣٣ بحملة قوية وطلب إلي السلطات المحلية في أجلترا وويلز أن تعد كل منهما برنامجا يؤدي إلى إزالة هذه الأحياء أو تحسينها كلها في خلال خمس سنين .
وقد أثمرت هذه الجهود كلها ثمرة أخرى طيبة ؛ ذلك أن السلطات العامة شعرت بالحاجة إلى وضع نظام ثابت لتخطيط المدن ، وأصدر البرلمان قانونا يجعل للسلطات المحلية الإشراف الكامل على جميع الأراضي الصالحة للبناء في أنجلتر وويلز ؛ وبذلك استطاعت هذه السلطات أن تسيطر على نظام المباني التي يقيمها الأفراد والشركات وأن تحفظ للمدن جمالها وحسن تنسيقها وأن تجعل بيوت الأغنياء والفقراء على السواء صحية واقتصادية وحسنة المنظر في أن واحد .

