الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 394الرجوع إلى "الثقافة"

مشكلة الموظفين

Share

مضت الحرب بخيرها إن كان لها خير وبكل شرورها التي قاساها البشر جميعا في هذه السنوات الطويلة . ولسنا نريد الخوض في حديث هذه الحرب هنا ، لأن أحاديث الحياة الحاضرة كلها ليست سوى ترديد لما فعلته تلك الحرب من آثار سوف تذكر تلك الحرب لمدة عشرات من السنين على أنها الفاعل الأكبر لما اعتري العالم أجمع من تطورات في شتى نواحي الحياة .

ولكن الحرب أجهدت أهل مصر كما أجهدت سائر الأمم ، لأن مصر قطر متوسط في العالم المحترق ، وكان لابد لها أن تكون قاعدة من أهم قواعد الجيوش . كانت مصر كما قال المستر تشرشل أ كثر من مرة هي الدلتا الخصيبة التي تستطيع ان تؤوي مئات الألوف من الجنود ، وهي بحكم موقعها متصلة أوثق الاتصال بالعالم الغربي والعالم الشرقى على السواء .

وقد كان لهذه الحقيقة أثرها العظيم في حياة سكان القطر ، فإذا نحن ضربنا صفحا من كل مخاوف الغارات وأضرارها وبسطنا الأمر في أبسط صوره ، قلنا إن أهل مصر شاركوا جيوش الحلفاء في أقواتهم الضرورية وفي كسائهم ومسكنهم ، بل فيما هو أخص من ذلك كله وأغلى .

ولهذا آل الأمر في مصر إلي صورة بسيطة من صور الحياة . وذلك أنه كان على كل ساكن في مصر أن

يقدم ضربية غير مباشرة من قوته وملبسه ومسكنه ومسراته . وكان الأثر الظاهر لهذا كله هو الغلاء الفاحش الذي عم البلاد مدة ست سنوات طويلة ، ولا زال يعمها إلى اليوم بعد انقضاء مدة الحرب . فزادت نسبة الأسعار في كل مرافق الحياة زيادة حسبتها الدوائر الحكومية بما يقرب من أربعة أضعاف الأسعار المعتادة ، وأحسها الناس فعلا إحساسا يزيد على الأربعة أضعاف . وإنه لمن أعجب العجب كيف تمكن أهل مصر من اجتياز مدة الحرب مع هذه الحال بغير أن يشيع فيهم الاضطراب ، أو تجتاحهم الكوارث من الأوبئة الجسمية والخلقية وإذا كانت البلاد علي وجه العموم قاست من الحرب ما قاست فإن هناك طائفة خاصة كان ألمها أشد الآلام ، وكان وقع الحرب عليها يقرب من أن يكون استحالة مادية ، وتلك هي طائفة موظفي الحكومة  .

ولسنا نحب أن نفيض في شرح ما قاساه موظفو الحكومة في سنوات الحرب ، لأن الإفاضة في ذلك الشرح لا يمكن أن تصور صورة كاملة للمأساة ، ولأن وصف القليل منها يعيد إلي النفوس من الآلام ما يزعجها في غير قصد . وحسبنا أن نأتي هنا بمثال مما نشر في الصحف من المآسي التي تنم عما كان في نفوس هؤلاء الموظفين من الآلام البائسة التي لم يكن من اليسير الاحتيال على الخلاص منها فقد نشر في الصحف أن موظفا رأي أن الحياة قد أصبحت فوق ما يحتمل ، فجمع أهله من زوج وأطفال مع سدد قذائف مسدسه إلي الزوجة فقتلها ثم إلي أطفاله الصغار فقضي عليهم ثم أدارها إلي قلبه فانتحر أخيرا .

هذه مأساة نشرت أخبارها في الصحف على أنها حادثة عابرة ، فلم يعلق عليها أحد ، بل أغلب ظنى أنها كانت فلتة من رقباء النشر الذين ما كان ينبغي أن يغيب عنهم أن تنشر أنباء مثل تلك الكارثة الأليمة غير مرغوب فيه لاعتبارات تتصل بسير الحرب .

وقاسي الموظفون ما قاسوء في صمت وإن كنت لا أستطيع أن أؤكد أنهم قاسوه في عفة وتجمل فلاشك في أن الكثيرين منهم قد مدوا أيديهم إلي ما تستطيع أن تصل إليه من الأموال بالطرق المشروعة وغير المشروعة ، ومنهم من تنزل إلى ما دون الرشوة ليستطيع مقاومة تيار الحياة . وهل يمكن أن يوجه اللوم إلي الأحياء لأنهم يحاولون التمسك بالحياة ؟ إن هذا فوق طاقة البشر . وقد قيل إن قانون سلامة الحياة هو القانون الأسمي في السلوك وفي الأخلاق على السواء . فلست أجرؤ على أن ألوم موظف التموين الذي كان ينتهز الفرض ويمد يده إلي أموال التجار

ثم يقضي عما يفعلون . ولست ألوم موظف الحسابات إذا هو مد يده إلي أمانته حتى كشف أمره بعد أن سلب من أموال الدولة مئات الألوف . لست ألوم أحدا من هؤلاء ، ولكنني ألوم شخصا معنويا واحدا هو الدولة ذاتها لقد كان من غير المعقول أن يتصور وزير أو رئيس وزارة أن موظفا له عائلة يستطيع أن يعيش على عشرين جنيها في مثل تلك الظروف الى مرت بالبلاد . وغني عن القول على ذلك أنه مستحيل على الموظف أن يعيش على عشرة جنيهات أو خمسة او أقل من ذلك كما هو الحال في كثير من الحالات . وقد كانت الدولة تضن على الموظفين حتي بالنظر في أحوالهم . وإنه لمن الضحك أن تنشر دوائر الحكومة بين حين وحين أن الأسعار قد قاربت أربعة أضعاف ما كانت عليه ومع ذلك فالحكومة نفسها لاتأبه لما يفعل موظفوها ، ومرتباتها لا تزال باقية على ما كانت عليه لم تزد إلا مقدارا يسيرا في نسبة تتضاءل في شكل عجيب مع زيادة المرتبات .

فليس من العجيب إذا وقد انقضت مدة الحرب واستقرت الأحوال بعض الاستقرار وزال كابوس المخاوف الذي كان يخيم على النفوس ، ليس من العجيب أن يعود الموظفون إلي أنفسهم فيتساءلون : ما هم فاعلون بعد أن قاسوا ما قاسوا في مدة السنوات العجاف الثقال الماضية وقد كان مما زاد الحال شدة أن الحكومة سارت منذ

حين على سنة ممقوتة ، وهي منع العلاوات الدورية عن موظفيها ، مع علمها بأن الموظف يكبر ويتزوج وأنه يأتي بعد كل سنة او سنتين مولود جديد يحتاج إلى دادة ولبن ثم إلي طعام وملبس ثم يحتاج بعد ذلك إلى مدرسة  . ولست أجد تعبيرا يصور الحقيقة كما أراها إلا أن أقول إن المتصرفين في شئون الموظفين ومرتباتهم لا يحسون حقائق الحياة التي يحياها هؤلاء الموظفون .

فمن ذا الذي يستطيع مع كل هذا أن يلوم الموظفين إذا هم قاموا اليوم بالإضراب تلو الإضراب والاحتجاج تلو الاحتجاج ، يطلبون تحسين أحوالهم التي طال عليها الانتظار وهي لا تزداد إلا سوءا ؟ من ذا الذي يجرؤ على أن يلوم الموظفين إذا هم طلبوا أن ينصفوا بالطرق المشروعة حتى لا يمدوا أيديهم إلي الطرق غير المشروعة ؟ ومن ذا الذي يجرؤ على أن يحتم على الموظف الشاب أن يضحي بكل شئ في سبيل المصلحة العامة مع أنه يحس إحساسا قويا بأن الأمناء على المصلحة العامة لا يوجهون إليه الرعاية التى يتطلبها الإنسان من أولى الأمر لأنه إنسان ؟

إن في وسع الحكومة أن تشرع من القوانين ما تشاء ، ولها أن تكفل سير الأمور في المصالح العامة كما ينبغى لها . ولسنا نزعم أن للموظفين حقا في أن يضروا بمصالح الناس وهي المصالح التي اؤتمنوا عليها . ولكنا مع ذلك لا نري هذه الحلول التي تلجأ إليها الحكومة حلولا معقولة . فإن فرض العقوبات لا يمنع البائس من ارتكاب العمل الذي يعاقب عليه وإنا نعتقد أن الحل الأمثل لهذا الاضطراب النفساني كله أن تبادر الحكومة إلى التوسعة على الموظفين ، وحسبهم ما قاسوه في مدة السنوات الطويلة التي مرت بهم إلى الآن . وإن الحكومة لتحسن الإحسان كله إذا هي بادرت إلى التوسعة وإصلاح الحال ، فان هذا يقر القلوب في الصدور ويعيد الثقة إلي النفوس القلقة التي تزعزعت فيها الثقة في عدالة أولى الأمر .

اشترك في نشرتنا البريدية