الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الرسالة"

مشكلة اليهود في العالم, جناية أحمد أمين ، على الأدب العربي

Share

إن الذي يدرس تاريخ اليهود من قديم الزمن يعرف أن  العوامل التي تتنازع سياستهم ليست حديثة العهد، وأن مواقف  الأمم الأخرى منهم في هذا العصر كانت لها أشباه ونظائر  في عصور التاريخ المختلفة في عهد قدماء المصريين والبابليين  والآشوريين والفرس والإغريق والرومان. فمسألة اليهود كانت  موجودة حتى قبل أن يفقدوا استقلال شعبهم وقبل أن يخرب  طيطوس ابن الإمبراطور الروماني فسباسيان معبدهم وقبل أن يقضي  على أورشليم، وقبل أن يتشتت اليهود في العالم(1). بل هي كانت  موجودة قبل ذلك عند أسرهم، ونقل الكثير منهم إلى بابل وهو  المعروف في التاريخ باسم أسر بابل (2)وكانت موجودة عندما سمح

( ١ ) كان اليهود منتشرين في العالم المتحضر من قديم الزمن قبل سقوط أورشليم ، وأحيانا كان بعضهم يتخذ جنسية أخرى ويرقي أعظم المناصب فى الأمم الأخرى القديمة وحاولوا نديما السيطرة على الأسواق المالية كما يغسلون الآن( ٢ )فى عهد يختصر الكلدانى

لهم قورش ملك الفرس بالعودة وإعادة بناء أورشليم، وعندما شجعهم  في أعمالهم المالية كي ينشط التجارة في دولته. ويتنازع نفوس  اليهود من قديم الزمن عاملان: النزعة العالمية، والنزعة الشعبية  المصطبغة بصبغة دينية. وقد كانت متاعب اليهود قديماً وحديثاً  ناشئة من استفحال النزعتين وتنازعهما نفوسهما؛ فتارة يوقعهم  الغلو في المحافظة على تقاليد النزعة الشعبية الدينية في نزاع مع الدول  الأخرى، وتارة يوقعهم الغلو في النزعة العالمية في ذلك النزاع. وقد  كانت النزعة العالمية تظهر في نفوسهم في بعض الأحايين بمظهر  اقتصادي مالي فيحاولون السيطرة على أسواق العالم المالية، وتارة  تظهر النزعة العالمية بمظهر الدعوة إلى مُثُل عليا. وكان بعضهم  يريد قصر تحقيق هذه المثل على اليهود، وهؤلاء هم الذين  كانوا يناصرون النزعة الشعبية الدينية، وبعضهم لا يريد قصرها  على اليهود بل تعميمها في العالم. والغريب في أمرهم أنه بالرغم من  المشاحنات والاقتتال الذي كان يحدث قديماً بين اليهود من  أنصار المحافظة على تقاليد النزعة الشعبية الدينية وبين أنصار  النزعة العالمية، وبالرغم من أن النزعة العالمية في نفوس بعضهم  كانت تتخذ مظهر الأثرة المالية والطباع الدنيوية الراغبة في الربح  المالي قبل كل شيء، وهي طباع تخالف نزعة المثل العليا وتخالف  التضحية في سبيل تحقيقها، فإن كثيراً منهم كان يحاول التوفيق  في نفسه بين النزعتين المتناقضتين أو يحن تارة إلى هذه وتارة إلى  تلك، كما أن بعضهم كان يحاول الاستفادة لنفسه أو للشعب اليهودي  من النزعتين المتناقضتين معاً. فاليهودي الذي يميل إلى المثل العليا  أو الذي يميل إلى المحافظة على تقاليد النزعة الشعبية الدينية لا يرى  حرجاً في أن يلتجئ إلى صاحب النزعة العالمية المالية والطباع  الدنيوية لاستخدام ماله وسلطته في سبيل تحقيق مثله العليا أو في  سبيل المحافظة على التقاليد الشعبية الدينية لضيقة التي ترفض النزعة  العالمية، كما أن صاحب الطباع الدنيوية والأثرة المالية لا يرى تناقضاً  في خطته إذا حن إلى المثل العليا التي قد تخالف نزعة أثرته الدنيوية،  أو إذا ساعد في المحافظة على تقاليد النزعة الشعبية الدينية الضيقة  التي تخالف نزعته العالمية الدنيوية، وربما حن إلى المثل العليا ذلك  الحنين الذي يدعو إلى التضحية في سبيلها في الوقت الذي يستثمر  الدعوة إلى تلك المثل العليا لكسب المال وزيادة نفوذه الاقتصادي.  واجتماع هذه النزعات المختلفة في النفس الواحدة ليس مقصوراً على  اليهودي فهي طباع النفوس البشرية عامة، ولكن هذا التناقض

أظهر ما يكون في اليهود لغلوهم في النزعتين المتناقضتين غلواً يظهر  الفرق بينهما في نفوسهم أكبر منه في نفوس غيرهم. وقد ظهر اليهود  قديماً وحديثاً ظهوراً كبيراً في مناصرة النزعتين المتناقضتين، وهذا  أدى كما ذكرت إلى مشاحنات بين طوائفهم وإلى مشاحنات بينهم  وبين الأمم. وقد ظهرت النزعة العالمية في حياة اليهود على اختلاف  مظهري تلك النزعة أي المظهر المالي الاقتصادي ومظهر المثل العليا  قبل أن يفقد اليهود كل سلطة سياسية في حكم فلسطين. فظهرت  في دولة الفرس(1) وظهرت في دولة الرومان(2)

على أن فقدانهم كل سلطة سياسية في حكومة فلسطين  لم يوهن النزعة الشعبية الدينية في نفوسهم وإن كان قد ساعد  على استفحال النزعة العالمية. وتحريم الكنيسة المسيحية على  المسيحيين تقاضي الربح عند تسليف النقود واعتباره ربا أدى  إلى ما يشبه احتكاراً من اليهود للمعاملات المالية وإلى سيطرتهم  على الأسواق المالية في أوربا، وهذا قوى النزعة العالمية في نفوسهم  كما أدت النزعة الشعبية الدينية إلى مناصرة بعضهم بعضاً؛ وزادت  هذه المناصرة إذ وجدوا أنفسهم قلة يهودية في وسط كثرة غير  يهودية من الشعوب التي هاجروا إليها. وشأن القلة من الطوائف  التعاون حتى لا تغمرها الكثرة ولا سيما إذا كانت الكثرة كثرة  تبغض القلة. وزاد البغض الديني في نفوس الكثرة أولاً استيلاء  اليهود على الأسواق المالية بالتسليف؛ وثانياً عواقب مناصرة اليهود  بعضهم لبعض من استيلائهم على كثير من المهن التي تحتاج  الأعمال الفكرية والاستعداد العلمي والفني. وبالرغم من أن  بعض اليهود حاول معالجة هذا البغض والقضاء على الكره الذي  كان غير اليهود يشعرون به نحوهم بالاندماج في الأجناس الأوربية  اندماجاً تاماً، فإن الكثرة من اليهود بقيت محافظة على تقاليد  النزعة الشعبية الدينية. ولو أن النزعة العالمية غلبت على نفوسهم  كل الغلبة لتمكنوا من الاندماج في الشعوب التي استوطنوا  أرضها. وهذا الاندماج كان ينسي تلك الشعوب أن اليهود في  أصلهم أجانب، وهذا كان يزيل البغض الذي كانت آحاد تلك

الشعوب تشعر به نحوهم، وكان يستطيع اليهود أن ينعموا بميزة  القدرة على كسب المال، ولكن ربما كانت تلك القدرة تقل لو تم  ذلك الاندماج لأنه كان ينسيهم اختلاف جنسهم عن الأجناس  الأخرى؛ فكان يقضي على مناصرة بعضهم لبعض، وعلى تعاونهم  للسيطرة على الأسواق المالية، وعلى المهن الفكرية والعلمية. وبقاء النزعة الشعبية الدينية في نفوسهم أدى إلى فكرة  الصهيونية (1)التي تدعو إلى العودة إلى حكم فلسطين. وهذه الفكرة  كانت في أول أمرها مثلاً أعلى كالمثل العليا تحلم بها الإنسانية  ولا تحقق. وهذه الفكرة الصهيونية زادت اعتقاد آحاد الشعوب  الأوربية أن اليهود بينهم - وإن تجنسوا بجنس غير جنسهم،  وإن ضحوا في الحروب وفي غير الحروب لمناصرة الجنس الجديد الذي  تجنسوا به - إنما هم أجانب بالرغم من ذلك، وأنهم يعدون أنفسهم  أجانب.

وهذه الفكرة الصهيونية مخالفة لمصالح اليهود الاقتصادية؛  فإن قطراً كفلسطين ربما كان يصلح لاستيطانهم قديماً عند  ما كانوا قليلين وعلى حالة قريبة من البداوة، وعندما كانوا هم  الكثرة الغالبة فيه. أما الآن فقد زاد عددهم في العالم وتعددت  فوائدهم ومنافعهم العالمية، وصار في هذا القطر كثرة غير كثرتهم  من العرب الذين وراء كثرتهم في فلسطين كثرة عربية أخرى  في الأقطار المجاورة. ولو خلت فلسطين لليهود لما استطاعت  أن تؤوي غير عدد قليل من الملايين العديدة من اليهود. وفي  العالم بقاع شاسعة أكثر خصباً تحكمها إنجلترا وغيرها من الأمم  المناصرة لليهود. فلا يمكن أن يقال إذاً إن الضرورة والأسباب  الدنيوية هي التي تقضي بإسكان المهاجرين اليهود في فلسطين. . .  لا، بل تشبث اليهود بفلسطين هو تشبث بتلك النزعة الشعبية  الدينية التي تفضل التقاليد القديمة والتي تحاول أنتعكس دورة  الزمن وأن تعيد العالم كما كان في بدايته وأن تتجاهل حقائق  الحياة. وهذا من قبيل التشبث، في أمور الحياة لا في عواطف  النفس وحدها، بمثل أعلى لا يمكن تحقيقه. وهذا التشبث كما قلنا

طالما أوقع اليهود قديماً وحديثاً في قتال ونزاع مع الأجناس  المجاورة، وطالما أدى إلى ضياع فائدة اليهود الدنيوية الحقيقية.  ولكن حقائق الحياة والضرورة قد تغري اليهود بقبول الاستيطان  في بقعة أخصب من فلسطين وأقل سكاناً وأوسع رقعة. ويمكن  إرضاء العاطفة الشعبية بأن يسمي ذلك الوطن الجديد   (فلسطين  الجديدة)  أو   (صهيون)  وأن ينشئوا فيها مدناً تسمى بأسماء  المدن القديمة في فلسطين القديمة. ويمكن إرضاء النزعة الدينية  بأن ينقلوا من الأحجار والآثار المقدسة، ومن تربة أرض  فلسطين القديمة إلى فلسطين الجديدة ما يقدس به الهيكل الجديد  وما هو ضروري للدفن الديني المقدس. وهذا الحل يجمع  بين إرضاء العاطفة وبين الفائدة الاقتصادية

-  ٨ - عرف الناس ما كان من انزعاج الأستاذ أحمد أمين من كلمة  الحق، وفهموا أنه تجلد وتصَّبر إلى أن عجز عن التجلد والتصبر،  وللطاقة الإنسانية حدود وما كنت أحسب أن الأيام ستقهر الأستاذ أحمد أمين على  أن يهددني بأبيات فيها لوثة جاهلية، وهو الذي دعا الأمم العربية  إلى وضع آثار الشعر الجاهلي في   (متحف)  لا يدخله الناس  إلا بعد استئذان!

ويعز عليَّ والله أن ينزعج الأستاذ أحمد أمين وأن يدَّعي أنه  لقى رسائل من مختلف الأقطار العربية فيها سباب موجه إلى من  هجم عليه في مجلة   (الرسالة) . فهذا الادعاء يشهد بأنه يعجز عن  الصدق في بعض الأحيان لو كان الأستاذ أحمد أمين يعرف عواقب ما يصنع لفهم أن  الأمر كان يجب أن يكون بالعكس: فهو يجني على ماضي الأدب

العربي بأحكامه الخواطئ، ويحتال لإفهام الجمهور أن أدباء العرب  لم يكونوا أصحاب أرواح، وإنما كانوا أصحاب معدات. وأنا أدفع  تلك التهم وأصحح ما وقع في كلامه من أغلاط فمن الذي يستحق اللوم والسباب في هذه القضية؟ لو فرضنا جدلاً أني أشاغب الأستاذ أحمد أمين لكان من  الذوق أن يتلقى العرب هذه المشاغبة بالقبول، لأن فيها تمجيداً  لماضي الأمة العربية

ولو فرضنا جدلاً أن الأستاذ أحمد أمين على حق في السخرية  من ماضي الأدب العربي لكان من الطبيعي ألا يستريح العرب  إلى ذلك الحق، لأن الأبناء الأبرار يجسّمون محاسن آبائهم  ويتغاضون عما قد يكون فيهم من عيوب والأمر ليس كذلك في هذه القضية: فالأستاذ أحمد أمين  لم يكن في جانب الحق حين قال في الاستهزاء بالأدب العربي ما قال،  وأنا كنت وما زلت في جانب الحق حين حكمت بأن الأدب  العربي أدب أصيل، وأنه خليقٌ بالخلود

الأستاذ أحمد أمين يروّح عن نفسه بذلك الادعاء الطريف  ليوهم القراء بأن أدباء العرب في مختلف الأقطار قد توجعوا له  أشد التوجع، وتعرضوا لخصمه بالشتم والسباب، كأن أدباء  العرب لم يبق لهم مأرب يحرصون عليه غير حماية أحمد أمين من  كلمة الحق!

ولنفرض جدلاً أن أدباء العرب جميعاً وقفوا في صف هذا    (الأديب)  فهل يتوهم أنه سينجو من قلمي حين ينحرف عن  الصواب؟

لقد سرني والله أن يتطاول على صاحب     (الرسالة)   وأن  يتهمه بسوء النية في نشر هذه المقالات؛ فصاحب     (الرسالة)    قد آذاني أشد الإيذاء حين استباح أن يحذف من المقالات  الماضية بعض الفقرات، ليظل مهذَّباً مؤدَّباً كصديقه المهذَّب  لمؤدَّب أحمد أمين!

كم تلطفتُ وترفقتُ في موطن لا يجوز فيه لطفٌ ولا رفق،  ثم كان جزائي أن يقال إن أدباء العرب غضبوا عليّ وسبُّوني  لأني جهرت بكلمة الحق! ومع ذلك فما الذي يؤذيكم مني يا أحفاد يعرُب وقحطان؟

أليس في مقدوركم أن تحتملوا أديباً جنى على نفسه وعلى  معاشه ليرفع راية النقد الأدبي؟ أليس في مقدوركم أن تحتملوا أديباً يقتل أعصابه في أوقات  القيظ ليردّ عادية العادين على اللغة العربية؟ ألا تستطيعون أن تغفروا زلة رجل جهل أخلاق الزمان  فاعتصم بالحق والعدل؟ لقد حدثني عنكم أحمد أمين بما لا أحب ولا تحبون فإن كان صدق فيما حكاه فغفر الله لكم! وإن كان تزيّد  فعفا الله عنه! وسبحان من لو شاء لهدانا جميعاً إلى سواء السبيل

أما بعد فقد كان السياق يوجب أن تكون كلمة اليوم في نقض  ما ادعاه أحمد أمين على الأدب الأندلسي من الجمود أمام الطبيعة  الفاتنة في تلك البلاد ولكني أحببت أن أقف وقفة قصيرة عند إحساس العرب  بالطبيعة وبالوجود يعرف كل من اطلع على كتب الأدب أن الشعراء كانوا  يتواصون عند خمود القريحة بالنظر إلى المياه الجارية، والرياض  الحالية.

ومعنى ذلك أنهم كانوا يفهمون أن النظر إلى جمال الوجود  يوقظ العواطف ويُرهف الأحاسيس وهذا يشرح السبب في غرام العرب بافتتاح القصائد بالنسيب  لأنهم كانوا يدركون أن تأثر الشاعر بأقوى مظاهر الطبيعة  وهو الجمال يوجه إحساسهم إلى مختلف الأغراض ومثل الشاعر في ذلك مثل المغني. فالمغني يجلس في هدوء  ثم تصدح حوله الموسيقا بأصوات مختلفات، ويظل كذلك إلى  أن يستيقظ ما كان غفا من أحلام القلب والروح فينطلق في النشيد وكذلك كان شعراء العرب: كانوا يهيمون بالرياض الحالية،  أو الديار العافية، أو المياه الجارية، قبل أن يشرعوا في نظم  القصائد. فإذا أخذوا في النظم بدءوا بالجوانب الدقيقة من ذوات  أنفسهم وقلوبهم ليواجهوا الأغراض المنشودة وهم في فورة من  طغيان العواطف وعنفوان الأحاسيس

ألا يشهد ذلك بأن شعراء العرب كانوا يدركون قيمة الطبيعة  في إذكاء الأرواح وإرهاف القلوب؟ وهل فكر أحمد أمين في شيء من ذلك؟ هل خطر في باله أن شعراء العرب في الأعصر الخالية كانوا  تعلقوا أشد التعلق بالسياحات والرحلات حتى صار من النادر  أن يقر شاعر في بلده إلى أن يموت؟

قد يقال إن ذلك كان سعياً في طلب الرزق ونجيب بأن الشعراء كانت لهم غايات أعظم من طلب الرزق،  فقد كانوا يستأنسون بالبلاد والبحار والأنهار والجبال حتى ليمكن  القول بأن دواوينهم في بعض مناحيها تشبه الخرائط الجغرافية.  وهل نسيتم قصيدة المتنبي في شعب بوان؟ هل نسيتم قصيدة  البحتري في إيوان كسرى؟ هل نسيتم قصائد الأندلسيين في أهرام  مصر؟ هل نسيتم قصائد الشريف الرضي في أطلال الحيرة؟  هل نسيتم قصيدة الأنطاكي في ليالي الجزيرة والنيل؟ هل نسيتم  ألوف القصائد التي سجلت أهواء الشعراء في الحنين إلى معاهد  الأنس والوصال؟

لقد هجر ابن زريق وطنه في طلب الرزق، فهل عرفتم كيف  اكتوى بالتشوق إليه يوم مات؟ إن الذي يحكم بأن شعراء العرب لم يحسوا الطبيعة ولم يتغنوا  بأفانين الوجود لا يكون إلا رجلاً حرمه الله نعمة الفهم العميق  لأسرار الشعر والبيان لقد أراد الأستاذ أحمد أمين أن يحكم بأن الشعراء في العصر  الأموي والعباسي قلدوا شعراء الجاهلية في وصف الرسوم والطلول فهل نستطيع أن ندله على أن هيام أولئك الشعراء بوصف الرسوم  الهوامد، والطلول العافية، ليس إلا تعلقاً بالطبيعة في جانبها الباكي  الحزين؟

إن صديقنا أحمد أمين لم يفهم كيف وقف أبو نواس على الطلول،  بعد أن سخر ممن يقفون على الطلول وهو يرى ذلك رجعة إلى  التقاليد الجاهلية. فهل يظن أن الطلول كانت انقرضت لعهد  أبي نواس ولم يبق إلا العمران الباقي على الزمان؟ فما رأيه إذا حدثته بأن صور الطلول لا تزال باقية إلى اليوم! أشهد صادقاً أني ما مررت بشارع الرملة في مصر الجديدة  إلا خفق القلب لرسم كان لي فيه صديق أضاعه القلم الجموح

أشهد صادقاً أني أتلفت من حين إلى حين وأنا أخترق شوارع  مصر الجديدة عساني أرى الصديق الذي كنت أسايره لحظات  أو ساعات ونحن نتعقب بالنقد اللاذع أحوال الدنيا والناس فكيف يكون حالي لو نظمت قصيدة في التوجع لتلك الدار  التي صارت رسماً بعد أن صنعت في تجريح صاحبها ما صنعت؟ وهل يمكن القول بأن ابن المعتز كان يقلد شعراء الجاهلية  حين قال:

لا مثل منزلة الدويرة منزلٌ ... يا دار جادك وابل وسقاكِ

بؤساً لدهر غيرتكِ صروفه ... لم يمح من قلبي الهوى ومحاك

لم يحل للعينين بعدك منظرٌ ... ذُمّ المنازل كلهن سواك

أي المعاهد منك أندب طيبهُ ... ممساك بالآصال أم مغداك

أم برد ظلك ذي الغصون وذي الجنى ... أم أرضك الميثاء أم رياكِ

وكأنما سُعطت مجامر عنبر ... أو فُتّ فار المسك فوق ثراك

وكأنما حصباء أرضك جوهرٌ ... وكأن ماء الورد دمع نداك

وكأن درعاً مفرغاً من فضة ... ماء الغدير جرت عليه صباكِ

وقد ترجمت هذه الأبيات إلى الفرنسية في النسخة الفرنسية  من كتاب النثر الفني فعدّها الفرنسيون من أصدق ما تحدثت  به القلوب فهل يرى صديقنا أحمد أمين أن هذه القصيدة لا تمثل إحساس  الشعراء بالوجود؟ وهل يمكن الشك في قول ابن سنان الخفاجي:

ولما وقفنا بالديار وعندنا ... مدامع نسديها لكم ونثيرها

شكونا إليها ما لقينا من الضنى ... فعرفَّنا كيف السقام دثورها

وقد درست إلا أمارة ذاكر ... تلوح له بعد التمادي سطورها

خليليّ قد عمَّ الأسى وتقاسمت ... فنون البلى عشاق ليلى ودورها

فلا دار إلا دمنة ورسومها ... ولا نفس إلا لوعةٌ وزفيرها

لعمر الليالي ما حمدت قديمها ... فيوحشني ذهابها ومرورها

وقالوا عطاء الدهر يبلى جديده ... ومن لي بدنيا لا يزول سرورها

فهذا شاعر لا يكتفي بأن يقول إنه يحسّ الطبيعة، وإنما  يؤكد أن الطبيعة توجعت لمن يهواه، وذلك غاية الغايات  في الإحساس بالوجود

وكذلك صنع الشاعر الذي قال:

تعفو المنازل إن نأوا ... عنها وتغبرّ البلادُ

والحيُّ أولى بالبلى ... شوقاً إذا بلى الجمادُ

فمن الذي يستطيع أن يحكم بعد هذه الشواهد بأن شعراء  العرب لم يحسوا معاني الوجود؟ ومن الذي ينكر صدق اللوعة  على ابن الخياط إذ يقول:

وقفت أداري الوجد خوف مدامع ... تبيح من السر الممنَّع ما أحمي

أغالب بالشك اليقين صبابةً ... وأدفع من صدر الحقيقة بالوهم

فلما أبي إلا البكاء لِيَ الأسى ... بكيتُ فما أبقيتُ للرسم من رسم

كأني بأجزاع النقيبةُ مُسْلمُ ... إلى ثائر لا يعرف الصفح عن جُرم

لقد وجدت وجدي الديار بأهلها ... ولو لم تجد وجدي لما سقمت سقمي

عليهنّ وسمٌ للفراق وإنما ... عليّ له ما ليس للنار من وسم

وكم قسمَّ البين الضنى بين منزل ... وبيني ولكن الهوى جائر القسم

منازلُ أدراسٌ شجاني نحولها ... فهلاّ شجاها ناحل القلب والجسم؟

فما رأي الأستاذ أحمد أمين في هذا الشعر النفيس؟ وهل  خطر في باله أن شعراء العرب لهم أمثال هذه المعاني؟ أنا أخاطب رجلاً من أساتذة كلية الآداب، ولولا ذلك  لشرحت ما في هذه القصيدة من شواهد الإحساس بقدرة الطبيعة  على تذوق البؤس والنعيم وهل اتفق لشاعر في شرق أو في غرب أن يصل إلى قول  بعض الأعراب في توديع نجد:

أقول لصاحبي والعيس تهوى ... بنا بين المنيفة فالضمار

تمتع من شميم عَرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار

ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريّا روضه بعد القطار

وأهلك إذ يحل الحي نجداً ... وأنت على زمانك غير زار

شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سِرار

ولكن الأستاذ أحمد أمين قد يتهمنا بالتعصب للأدب العربي  ويقول إننا ننظر إليه بعين المحب، فهل يستطيع أن يدلنا على  شاعر أوربي توجع لفراق النعيم في وطنه مثل هذا التوجع؟ إن العرب لم يسودوا من باب المصادفات، وإنما سادوا لأن

لهم عبقرية ذاتية قضت بأن يسيطروا على العالم زمناً غير قليل. وقد دالت دولة العرب أكثر من عشرة قرون، ومع ذلك بقيت  سلطتهم الأدبية والروحية. فهم سادة لمئات من الملايين وإن  لم يبق لهم عرش ولا تاج وقد تحذلق المتحذلقون فقالوا إن الفقه الإسلامي صورة من  الفقه الروماني، فهل هذا صحيح يا بني آدم من أدعياء العلم  بأصول الشرائع؟

إن العرب سادوا بحق، وقد تركوا ثروة أدبية وفلسفية  وتشريعية لا يغض من قدرها إلا حاقد أو جهول فمتى نرجع إلى أنفسنا لنبحث عن الميراث النبيل الذي ورثناه  عن أسلافنا النبلاء؟ لقد سمعتم وسمعنا كيف بغى الأسبانيون بعضهم على بعض،  وكيف فصل في تلك المعارك الدامية بعد نحو ثلاث سنين فهل تذكرون أن أسلافنا صبروا على المعارك الأسبانية نحو  ثمانية قرون؟

وهل كان ذلك إلا لأنهم شعروا بأن الأندلس قطعةٌ من  أرواحهم وقلوبهم؟ فكيف تحكمون بأنهم لم يحسُّوا الطبيعة   ولم يتشبثوا بالوجود؟ إن العرب في أغلب أحوالهم عاشوا عيشة جافية قضت عليهم  بأن يتلمسوا مساقط الغيث، فكيف يقال إنهم لم يحسُّوا الطبيعة  إلا بطريق سطحية؟ أكتب هذا وأنا أعرف أن الأستاذ أحمد أمين سيهزّ  كتفيه ويقول:   (هذه خطابيات يراد بها اكتساب عواطف  الجمهور!)

إن قال ذلك فسأحيله على تاريخ يحيى بن طالب فهل يعرف من هو يحيى بن طالب؟ وكيف يجهله وهو يتصدر لتدريس الأدب العربي بكلية الآداب؟ إن يحيى بن طالب أحس الطبيعة وأحس الوجود إحساساً  نادر المثال، وهو وحده كاف للزكاة عن الأدب العربي، وقد  اتهمه من لم يعرفوه بأنه خالٍ من وصف مظاهر الطبيعة  وأشكال الوجود فهل ننتظر أن يظفر هذا الشاعر بفصل نفيس من   (فصول)   أحمد أمين؟

لو كان صديقنا العزيز أحمد أمين قد اطلع على الأدب العربي  لتذكر نخلتي حلوان في شعر مطيع بن إياس، وكان لهما في حياة  الخلفاء أحاديث يذكرها بالدمع من قرأ معجم البلدان. ولكن  أين أحمد أمين من هذه الشؤون وهو مفتون بالحذلقة والأغراب؟ إن أحمد أمين لا يجني على الأدب العربي، وإنما يجني على نفسه  حين يزعم أن التشبيهات ليست إلا ألاعيب ولو كان من أهل الخبرة بدقائق الأشياء لعرف أن التشبيهات  من أصدق الشواهد على تعلق العرب بالطبيعة وبالوجود ولن أشرح له هذا المعنى إلا يوم يعرف أن من واجب المرء  أن يطلب العلم من المهد إلى اللحد. وقد تلوح فرصة قريبة  فأشرح هذا المعنى لمن يهمهم أن يعرفوا كيف تغيب حقائق  الأدب عن هذا   (الأديب)  وهل نكتم ما نعرف مكايدةً للصديق  أحمد أمين؟

لقد استطعنا بحول الله وقوته أن نبدد الشبهات التي أثارها  حول الأدب العربي من يجهلونه كل الجهل أو بعض الجهل فلنأخذ بعد ذلك في رفع التهمة عن الأدب الأندلسي ليعرف  من لم يكن يعرف أنه خليق بأن ينصب له كرسي خاص في كلية  الآداب. والأمل كبير في أن يغفر الأستاذ أحمد أمين جنايتنا عليه  حين أفهمناه أن في مصر ناساً يقرءون ويحكمون فإن كان قد استمرأ العافية من سكوت النقاد بضع سنين  فليعرف أن ذلك حلم تبدد، ونعيم ضاع، وعليه أن يستقبل المكاره  بعزائم الرجال والله وحده يعلم أني لم أُرد بهذا النقد غير وجه الحق، ومنه  وحده أنتظر حسن الجزاء (للحديث شجون)

اشترك في نشرتنا البريدية