إصلاح برامج التعليم المصرية مشكلة طال عليها العهد، وتقلبت بين مختلف التجارب والعهود ولم تستقر على وضع ثابت حتى اليوم؛ وقد كان اضطراب برامج التعليم وتغييرها بين آونة وأخرى من أهم الأسباب التي أدت إلى انحطاط مستوى الثقافة المدرسية، وبث الفوضى إلى معاهد التعليم وإلى نظم الدراسة والامتحانات؛ وكان آخر العهد بتغيير البرامج منذ نحو عام فقط ولكن النظام الجديد ما كاد يستقر حتى سمعنا وزير المعارف الجديد يصرح منذ أيام بأنه يعتزم تأليف لجنة من ذوي الخبرة في شئون التربية من رجال المعارف وغيرهم لتبحث برامج التعليم وتضع لها من الأسس الجديدة ما يتفق مع حاجات العهد الجديد، وهذه في الواقع فكرة لا بأس بها؛ ولكن الذي يصح التساؤل عنه بهذه المناسبة هو: أليس لهذه التجارب التعليمية من نهاية؟ ومتى توفق وزارة المعارف إلى وضع الأسس النهائية لبرنامج التعليم
القومي؟ ذلك أن مسائل التربية يجب أن تكون بمعزل عن التقلبات السياسية، ويجب أن تكون بالأخص بمعزل عن الآراء والرغبات الشخصية؛ ومن المستحيل أن نظفر بسياسة إصلاحية ثابتة للتعليم إذا لم نوفق إلى وضع المبادئ والأسس النهائية واذا لم تتخذ هذه المبادئ واولأسس صفة الاستقرار إلى حين معقول؛ ولا بأس من أن تكون التفاصيل ذاتها عرضة للتغيير والتبديل كلما دعت الحاجة أو دعت التجارب، ولكن الاستمرار في الإنشاء والمحو على هذه الصورة كل عام أو عامين أو بعبارة أخرى كلما تغير وزير المعارف، خطة عقيمة ضارة نلمس الآن نتائجها السيئة. وإذن فلنؤمل أن تكون هذه التجربة الجديدة التي يزمع وزير المعارف القيام بها لوضع النظم الأساسية للتعليم والتربية، هي ختام هذه الفوضى؛ بيد أنه يشترط لنجاح مثل هذه التجربة أن تجري بعيداً عن الجو الحكومي، وأن تقوم بها صفوة من ذوي الخبرة والثقافة الرفيعة، وأن يسترشد في إجرائها بكل ما يقتضيه العهد الجديد من تنمية الروح القومية وتوسيع الأفق وتعزيز العناصر الأخلاقية والعملية في ثقافتنا.
