١ - شعار الأسرة :
إن قرار مجلس الوزراء الأخير الخاص بعلاوة الغلاء يثير أمامنا مسألة هامة ؛ فالقانون بفثاته المتفاوتة قد انحاز إلي جانب الأسرة ، وعمل على مساعدة العائلات الكثيرة العدد . وصدور هذا التشريع بهذه الصورة امر طبيعي ؛ فإن الصيغة الأخيرة التي اثارها رجال الاجتماع في السنين الأخيرة ، كانت تلح على فرض ضريبة على العزاب فصدور هذا القرار إما هو نتيجة لهذه الضجة ، وصدي لهذه الصيحة ؛ فكان الغرض المقصود منه هو تشجيع الأسرة ، ومحاربة العزوبة . وهذه بالذات هي المسألة الهامة التي آثارها القانون الجديد ، والتي عنيتها ، والتي تدفعني إلي الكتابة
إن الدعاية للأسرة قد تكون مقبولة في بلاد ديكتاتورية تستعد للحرب ، وتلد للقتال . وقد تكون مقبولة في بلاد كفرنسا ، تشعبت نواحي ثروتها ، واوقفت نسلها ، حتى اصبح سكانها في حالة ثبات ، بل وحتي خيف على الشعب الفرنسي ان ينقرض ، وحتي رات الحكومة الجديدة ان تجعل شعار الأمة الفرنسية " الأسرة "
ولكن أيكون تطبيق هذا المبدأ مقبولا في مصر إنك تعرف ولا شك الشئ الكثير عن حياة الفاقة في هذا القطر العزيز ؛ فالناس في الريف يتقاتلون على القيراط وما دونه ؛ والملكيات في مصر ملكيات مكروسكوبية ، على حد تعبير الدكتور محمد عوض ، والآجور لا تكاد تكفي للكفاف ؛ والدخول في الغالب وعند سائر الناس منحطة ؛ فلا عجب ان يكون مستوي المعيشة في مصر مثيرا للشفقة والرثاء
ويقابل هذه الفاقة نمو مطرد في السكان ، نمو لا مثيل له . فحسب الشعب وظروفه الاجتماعية والدينية تهيئ له إطرادا جنونيا في عدد سكانه ، حتى إن الكثيرين يتوقعون ان يصل عدد السكان إلى ثلاثين مليونا في زمن قريب ، بينما الثروة المصرية عند حدها لم تتزايد ولم تتحسن ولو تم هذا الوضع لكان معناه الضائقة والتدهور الذي لا قرار له .
فأنت تري إذا أنه من الخطر إباحة الزيادة في مصر ، وتشجيع الزواج والنسل في بلد عاجز عن إسعاد أهله وقد لمس هذه الحالة قليلون ، فهالهم الأمر ، ولم يجدوا مصرفا عن هذا الخطر إلا بالدعوة إلى تحديد النسل ، وإيقاف هذا التزايد الطرد . . ولكن صيحاتهم كانت هادئة فلم يسمعها الكثيرون ، رغم انها صيحات صادقة فيها الخير والنفع لهذا الشعب .
٢ - تشاؤم مالتوس
ولا نكاد نذكر هذه الصيحات حتى تعاودنا ذكري أول صيحة من نوعها ، واقصد بها دعوة مالتوس في أوائل القرن التاسع عشر إلي إيقاف هذا النسل المتزايد ، وتحسين مستوي المعيشة عن طريق تقليل متقاسمى الثروة .
في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ، كانت انجلترا تعاني حالة معيشية سيئة ، كتلك الحالة التي يعانيها كل شعب كل رزقه من الزراعة وما تدره الأرض من خير محدود . ولقد هال هذا الأمر كثيرين من الفلاسفة والمفكرين ، فدعا سبنسر إلى تحديد النسل ، وعهد بدعوته إلى ظهور آراء مالتوس ، الذي نظم دعوته الهائلة ، ومبادئه المتشائمة ، بتحديد النيل
لقد أدرك هذا الاقتصادي الفطن أن الناس يتزايدون تزايدا مضاعفا ، بينما المواد الغذائية تتزايد تزايددا تدريجيا ، فتبين انه بعد زمن قصير يصبح السكان في
حالة حاجة وفاقة ، لزيادة عددهم وقلة المواد الغذائية وعدم تناسبها مع عددهم ؛ ولذا دعا بشدة إلي عدم الزواج والتأخير فيه حتى يحد من تكاثر النسل .
ولقد لاقت بحوث هذا المصلح ما تلاقيه في العادة بحوث جميع المصلحين ، من الاعراض والنقد والسخرية ؛ ولكن الزمن اثبت صلاحية هذه الآراء التي اثارها هذا الرجل الفذ ، واصبحت اليوم جمعية مالتوس التى اعتنقت مبادئه نجد تأييدا ، وتبدي نشاطا لا نظير لهما
وكما وجدت هذه الدعوة في انجلترا ، كذلك انتشرت إلي القارة ؛ واصبحت فكرة تحديد النسل رغم ما قوبلت به ، من رجال الدين من المحاربة - فكرة عامة شائعة يدعو إليها دعاة الاصلاح
ولم يجمد أمام هذه الدعوة - للأسف - غير بلدان الشرق ، وهم اولى الناس بالتفكير في مصائرهم ؛ فالصين واليابان والهند ومصر ، كلها بلاد مزدحمة بالسكان ، حتى لتكاد الارض تنوء بثقل ما محمل . ومع ذلك نقف العادات والتقاليد ، وأحيانا الديانات ، حائلا دون نشر هذه المبادي .
وعلي الرغم من أن تعاليم مالتوس قد وصلتنا ، فانا كشعب متفائل ، لا نكترث قليلا ولا كثيرا لتشاؤمه وعلى الرغم من ان تعاليمه قد مهدت لها تعاليم فيلسوفنا الشيخ أبي العلاء ، فانا لم نأخذ بعد بها
٣ - مالتوس وأبوالعلاء -
وما دمنا في صدد الحديث عن أبي العلاء بعد مالتوس ، وما دمنا نتحدث في مجلة تعني بالأدب ، فلا بأس من أن نشير إلي مسألة هامة ، هي أن لأبي العلاء تعاليم آثارها في القرن العاشر الميلادي ، تتعلق بالنسل . وهي تشابه تماما تلك المبادئ التي نادي بها مالتوس في القرن التاسع عشر
أما كيف تدعي أن أبا العلاء قد وضع أسس مبدأ اقتصادى هو اليوم عمدة كل بحث يتعلق بالسكان ، فذلك ما سنبينه من المقارنة بين ظروف المذهبين .
لقد عرفنا أن مالتوس عاش في إنجلترا في أوائل القرن التاسع عشر ، فهالته حالة العمال وما يعانونه من بؤس وفقر . فقد كان هذا القرن بدء ظهور الآلات في الصناعة ، وقد احدث ظهورها تطورا عظيما في الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية ؛ فكثرت الهجرة إلى مواطن الصناعة ومرا كزها الجديدة ، وكثر النسل تبعا للنشاط المؤقت في الميدان الصناعي ، فأثر ذلك على الزراعة وتجمعت عوامل كثيرة ، منها الكساد التجاري العام بعد الحروب النابليونية ، وزيادة أسعار الحاصلات الزراعية لحماية الحكومة لها ، وقلة أجور العمال الصناعيين ، وانتشار البطالة بينهم ، فساءت أحوالهم ، مما أثر في مالثوس ؛ فتألم لهذه الحالة ، واستيأس من إصلاحها ، وركبه التشاؤم ، فلم يجد مفرا من المطالبة بتقليل هذا العدد الهائل من السكان ، بإيقاف زيادة النسل .
أما صاحبنا أبو العلاء فقد رأي في عصره ما هاله ؛ فالحالة السياسية في البلاد الاسلامية كانت مضطربة اشد الاضطراب في وقته ، والحالة الاقتصادية سيئة منحطة ، وحكام الأقاليم شديدو الوطأة على الناس ، والتضييق عليهم في معايشهم وموارد أرزاقهم . وأبوالعلاء نفسه لم يسلم من هذه المضايقة ؛ فقد روي ان حاكم حلب ضايقه في وقف له ، حتى اضطره للسفر إلى بغداد للشكوي منه او التشفع لديه والحالة المعيشية في بلدان الشرق على العموم كانت بائسة تاعسة ، كلها فقر ومجاعات ، وجدب وأزمات ، مما اضطر الناس إلي أكل الكلاب والميتات ، وإلى أن يتخذ بعضهم بعضا طعاما في القاهرة وبغداد
كل هذا اثر في عقلية أبي العلاء وشعوره ، فلزمه التشاؤم والبأس من صلاح الناس او صلاح احوالهم ، فكره
الدنيا ، وكره البقاء فيها ؛ وإذا كان النسل وسيلة البقاء فانه كره النسل ، ودعا إلي عدم الزواج . ولكنه كان يعرف ان الطبيعة البشرية لا يمكن ان تركن او تقنع العزوبة والعفة ، ولذلك اباح الزواج بشرط ان يكون من امرأة عاقر ؛ ولقد شدد أبو العلاء كثيرا في ألا يترك مجالا للزيادة والتوالد ، حتى اتهمه بعضهم بأنه دعا إلى وأد البنات . ولقد سلم أبو العلاء بسماحة زواج العاقر من خطأ وقع فيه مالتوس ، الذي لم يسمح بالزواج المبكر إطلاقا ، فان هذا التحريم لا يمكن أن يتفق مع الاستقامة المطلوبة ؛ ولقد صحح هذا الخطأ في مبادئه من جاءوا بعده ، فأباحوا الزواج المبكر ، بشرط استعمال الطرق الطبية التي عرفت فيما بعد لمنع النسل .
من هنا نستخلص أن أبا العلاء ومالتوس قد نشا في ظروف متماثلة ، أورثهما التشاؤم والبأس ، فخلقا تعاليم متشابهة . أما مالتوس فقد نظم مبادئه تنظيما حسابيا اقتصاديا . وأما أبو العلاء فقد نظم تعاليمه تنظيما شعريا خاليا من التفصيل والتطويل . ولعل البعض يري انه لم يكن يرعي إلا إلى مسألة فلسفية بحتة ؛ ولكن المسلم به" أن تشاؤمه وفلسفته كانا نتيجة الظروف التي عاش فيها ، مما يجعلنا نجزم بأن الحياة الاقتصادية هي التي أوحت إليه بمبادئه التي تدخلها ضمن القوانين الاقتصادية الخاصة بالسكان
٤ - خاتمة
لقد رأينا مما سبق الظروف التي أوحت بمبادئ تحديد النسل ، ورأينا تلك الشجاعة والصراحة التي عالج بها هؤلاء الاقتصاديون والفلاسفة موضوعهم . والواقع أن ظروف السكان وأحوال معيشتهم في مصر ، تحتاج إلي هذه الشجاعة لعلاجها . فاذا كان الرأي العام يميل إلى تشجيع النسل ، ومحاربة تلك الأفكار العسرة الهضم فليس معنى ذلك ان نسلم بهذه الحالة احتراما للراي العام ، ومسايرة لرغباته ؛ بل الأجدر بنا أن ندرس الموضوع
دراسة منزهة قائمة على العقل والمنطق ، حتى نوفق إلي رسم سياسة تهيئ لهذا البلد العيش اللائق بأمة محترمة .
وإذا كنت لا أحب إعادة ما كتبه غيري ، فاني مضطر إلي أن أكرر أن تساهلنا وتراخينا في موضوع السكان ، بعرضنا لأضرار هائلة ؛ فان مستوى المعيشة آخذ في الانخفاض تبعا لزيادة السكان ؛ وفي الوقت الذي يجب ان نفكر فيه في تهيئة مستوي لعيش أبنائنا أرقي من هذا المستوي الذي نعيش فيه ، نسمح نحن لعوامل الفاقة والفقر ان نضعضع هذا الأمل ، وان يخلق مستوي من العيش لا يعلم إلا الله مدى عونه وانحطاطه
أما بعد ، فان لولاة الأمر العذر كل العذر في إصدار هذا القرار ، فقد كانت ظروفه ظروفا ملحة سريعة ، لا هدوء فيها ولا استقرار ، فهو قرار مرتجل ، أملته المشاكل المضطربة الحالية . فلعل الوقت يسمح لهم فيما بعد ، بمعالجة هذه المشكلة في جو أكثر هدوءا واستقرارا ، وليهيئ الله لهم في أمرنا رشدا .
(دكرنس)

