تحت هذا العنوان نشر الدكتور حليم حبيب دوس بحثا في الثقافة ( عدد 300 )، عرض فيه المسألة الفلسطينية عرضا خرج منه القارئ على أن النزاع حول فلسطين هو نزاع بين الصهيونية والعروبة ؛ كما قال إن الحرب الأوربية الأولى انتهت بعد ان قطعت إنجلترا على نفسها عهدين أولهما للعرب أخلفته وثانيهما لليهود أنجزته . والواقع أن تصوير المسألة الفلسطينية بهذه الصورة يتفق والسياسة الاستعمارية ويخالف الحقيقة والواقع ، فلو كان النزاع حول فلسطين قاصرا على العرب والصهيونيين لهان الأمر وتيسرت الأمور ؛ لكن المشكلة الفلسطينية قبل أن تكون قضية العرب واليهود هي قضية إنجلترا والإمبراطورية البريطانية . فالتاريخ يحدثنا أن الجنرال اللنبى وقف في اليوم التاسع من شهر ديسمبر عام ١٩١٧ أمام باب يافا
بالقدس وقال جملته المشهورة : " إن الأرض الموعودة ليست للعرب أو الفرنسيين أو اليهود وإنما للإنجليز " ! وعد الجنرال اللنبى بلاده فلسطين ، وكان وعده هو الوعد الرابع ،
إذ سبق أن وعدت بها إنجلترا العرب في أكتوبر عام ١٩١٥ ، والفرنسين في مايو عام ١٩١٦ ، واليهود في نوفمبر عام ١٩١٧ ، ووعدت إنجلترا نفسها في ديسمبر من العام نفسه لذلك تهكم الساسة الغربيون على العهود الأربعة التي قطعت ، والوعود التي بذلت ، وأطلقوا - على فلسطين : " الأرض التي تعدد الوعد بها " - " too much promised "
مشكلة فلسطين قديمة ، وأقدم من مؤتمر بال الصهيوني الذي عقد في سويسرا عام ١٨٩٧ . فنحن نعلم أنه في القرن التاسع عشر انتشرت بين أشراف الإنجليز فكرة ( إرجاع
اليهود ( Restauration of the jews ) ادعاء منهم أن رسالة المسيحية التي انسلخت عن اليهودية لن تتم إلا بإرجاع هؤلاء اليهود إلى فلسطين . ولعل هذه الفكرة كانت تتصل اتصالا مباشرا بالحقوق السياسية والنيابية التي نالها اليهود في إنجلترا ، والتي بمقتضاها أسسوا عام ١٨١٧ ما يعرب بجمعية نواب اليهود البريطانيين Board of Deputies of British jews - وقد شغلت هذه الفكرة الرأي العام البريطانى كثيرا حتى أثناء حروب انجلترا مع محمد علي باشا عام ١٨٤٠ ، حتى قال إرل ألف شفتسيري Earl of shaftesbury لوزير خارجية إنجلترا في ذلك الوقت وهو ( بفرستون ) : إن الوزير أرسل من قبل الله لإرجاع اليهود إلي فلسطين . والواقع أن اهتمام إنجلترا بفلسطين في ذلك الوقت لم يكن رغبة في تحقيق رسالة المسيحية أو مساعدة اليهود ، بل لمصلحة الإمبراطورية البريطانية . ففلسطين تتصل بالشام ومصر ، وفلسطين تقع على طريق الهند كما أشار بذلك صراحة الكولونيل (جولر Gawler ) عام ١٨٤٥ في كتابه عن سوريا
والكولونيل نفسه هو الذي زار عام ١٨٥٠ فلسطين وبرفقته زعم يهود إنجلترا ورئيس جمعية النواب اليهود ، الا وهو موسي مونتغبور وهذا اليهودي هو الذي نجح في إدخال عدد كبير من اعضاء جمعية النواب اليهود في طبقة أشراف إنجلترا ، حتى إننا نجد من بين أعضائها في القرن العشرين أمثال السير هربرت صموئيل ، ولورد روتشيلد ،
والسير روبرت ولي كوهين ، ولورد بيرستد ، ولورد ملخت . ولورد ريدنج ، الذي كان نائبا للملك في الهند من ١٩٢١-١٩٢٦ ، ووزيرا لخارجيتها عام ١٩٣١ وهؤلاء وغيرهم من بين الذين وجهوا سياسة إنجلترا التوجيه الخاص نحو الشرق العربي وفلسطين .
لكن يهود القارة الأوربية تنبهوا للأغراض التي
ترمي إليها إنجلترا من وراء سياستها نحو اليهود وفلسطين ، فسارعوا إلي تنظيم أمورهم بفضل ) تيودور هرزل ( المؤسس الحقيقي للصهيونية . ولما رأت انجلترا أن المسألة كادت تخرج من يدها ، بادر وزير مستعمراتها في ذلك الوقت ) جيو شمئرلين ( إلي استدعاء ) هرزل ( إلي إنجلترا ،
وعرض عليه عام ١٩٠٣ وطنا قوميا لليهود ، لكن ليس في فلسطين بل في أوغنده ، وكان الوسيط بين الطرفين هو المحامي لويد جورج . ووزير الخارجية ) ارترجيمس بلفور ( الذي شاءت المقادير أن تضعه في نفس المنصب عام ١٩١٧ كما وضعت لويد جورج رئيسا للوزارة .
عرض ) هرزل ( هذه المنحة على المؤتمر الصهيوني السادس الذي عقد في بال عام ١٩٠٣ فرفضت . وأدرك الإنجليز أن اليهود يلحون في المطالبة بفلسطين ، وأدركوا أيضا أن روتشيلد أخذ يمد اليهود بالأموال الطائلة لاستيطان فلسطين ، فعدلت عن عرضها الأول وأخذت تتحين الفرص لتحقيق أغراضها . ثم أعلنت الحرب الأوربية الماضية ، وإذا بأستاذ الكيمياء في جامعة منشستر وهو ) حاييم فيزمان ( يعد نفسه لتزعم الحركة الصهيونية ويأتي عام ١٩١٦ فيستدعي من الجامعة إلي وزارة الذخائر الحربية حيث كان ) بلفور ( وزيرا للبحرية . ويلتقي الإثنان ويدور بينهما حديث ، وكان حول فلسطين ؛ وذلك لأن إنجلترا أدركت بعد مضي عامين من الحرب أن كسبها مرهون بإشراك أمريكا التي آل الحكم فيها إلي الحزب الديمقراطي نصير اليهود وحاميهم . لذلك سافر ) بلفور ( إليها ومضي هناك عام ١٩١٧ ليدرس الأمور عن كثب ؛ واقتنع أخيرا بأن نفوذ اليهود في البيت الأبيض عظيم جدا ، وان إنجلترا لن توفق في ضم أمريكا إلي صفوف الحلفاء إلا إذا نجحت في كسب عطف اليهود هناك وإشراكهم في المسألة الفلسطينية . وقد أطلع ) بلفور ( على هذه الرغبة صراحة
اليهودي ) لويز برنديز ( أكبر الحائزين لثقة الرئيس ولسون وأعز أصدقائه في أبريل سنة ١٩١٧ . عرض بلفور رأيه على حكومته فأقتنعت به ؟ وأرسلت لوقتها يهوديا إنجليزيا وهو السير روفوس إسحاق ) اللورد ريدنخ نائب الملك في الهند فيما بعد ( إلي امريكا للاتفاق مع اليهودي الامريكي ) لويز برنديز ( ؛ وكانت نتيجة الاتفاق اعتراف إنجلترا بجعل فلسطين الوطن القومي لليهود ، وعضدت الحكومة الأمريكية هذا الطلب وقدمته إلى مجلس الوزراء البريطاني .
وهنا نجد الحكومة البريطانية تترك اسلوبها السياسي التقليدي ، وتوفق بين مصالحها واماني اليهود القومية ؛ وذلك لأنها لو وافقت على المشروع كما عرض عليها لخسرت بترول الموصل والطريق إلى الهند ، والدفاع عن قنال السويس والشرق الأدنى .
ولعل الفضل في إصدار تصريح بلفور الغامض المكون من ثمان وستين كلمة ، والذي يعترف صراحة بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مع المحافظة على الحقوق الدينية والمدنية لغير اليهود من سكان البلاد ، رجع إلي المدرسة الإنجليزية المصرية التي وضع حجر اساسها اللورد كرومر ،
والتي كان عملها قاصرا على وادي النيل والحجاز والشام . ومن أكبر شخصيات تلك المدرسة ) أوبرى هربرت ( أحد رجال قلم الاستعلامات السري و ت.لورنس و ) ملغر ( . وكانت تلك المدرسة تميل إلى جعل السيادة البريطانية في الشرق العربي مقدمة ؛ وان تعترف إنجلترا لسائر الشعوب العربية بحق تقرير مصيرها واختيار نوع الحكومة التي تريدها ، أو تسمح لها بأن تكون فيما بينها حلفا تحت إشرافها .
وقد خطت الحكومة البريطانية فعلا الخطوة الأولى في سبيل تحقيق تلك الأغراض عام ١٩١٣ ، إذ بدأ اللورد كتشنر الاتصال بالأمير عبد الله امير شرق الأردن
الحالي ( احد ابناء شريف مكة . وفي يوليه ١٩١٤ ظهر الأمير مرة اخري في القاهرة لمباحثات سرية مع الإنجليز
ثم اعلنت الحرب ، والأمير في الآستانة . ولم تكد تركيا تعلم أن روسيا انضمت إلي الحلفاء حتي سارعت إلي ألمانيا . وعجل الأمير بالعودة إلي القاهرة ، وضاعف الإنجليز نشاطهم لكسب العرب إلي جبهتهم ، فكتب كتشنر خطابا إلي الشريف أرسله مع ابنه ؟ فطالب حسين باستقلال سائر البلاد العربية ) ما عدا عدن ( ، وكان ذلك في خطابه المؤرخ ١٤ يوليه ١٩١٥ . ثم حدث أن خلف السير مكمهون اللورد كتشنر ، واستؤنفت المراسلات بين السير هنري مكمهون وبين الشريف ، وانتهت إلي وثيقة ٢٤ ١ كتوبر ١٩١٥ التي اجاب فيها الإنجليز مطالب العرب كاملة ، وكان هذا هو الوعد الأول الذي أعدته إنجلترا فيما بعد بالإشتراك مع فرنسا في وثيقة اخري بتاريخ ١٨ اكتوبر ١٩١٧ ، وما زالت هذه الوثيقة مع سائر الوثائق في عمان ،
وثانية بتاريخ ٨ فبراير ١٩١٨ . وفي ٩ نوفمبر بلغ الممثل الفرنسي في وشنجتون الرئيس ولسون اعترافات حكومته والحكومة البريطانية للعرب ، هذه الاعترافات القائمة على مبدأ حق تقرير مصير الشعوب . وبناء على هذه ، الاعترافات وتلك الوعود قاتل العرب إلي جانب الحلفاء هذا القتال الذي قال عنه الجنرال اللنبي امام مؤتمر الدول الأربع الكبرى : إن مساعدة العرب لا يمكن تقديرها . ولما عقد مؤتمر السلام بباريس ، وتعارضت مطامع فرنسا مع وعود إنجلترا ، قال ليد جورج امام ولسون : لقد حشدت بريطانيا ألف الف جندي لمحاربة تركيا ، وبالرغم من ذلك لم تستغن عن مساعدات العرب !
لكن بينما توفق إنجلترا في الشرق إذ بالغدر يقسو عليها في الغرب ، فتهزم جيوشها في ٢٠ ديسمبر ١٩١٥ في غاليبولي ، وتجلو عنها نهائيا في ٩ يناير ١٩١٦ وفي كوت
الإمارة بالعراق - اضطر القائد الإنجليزي تونز هند ( إلي التسليم في ٢٩ إبريل من العام نفسه ، فانتهزت روسيا وفرنسا حاجة إنجلترا إلي مساعدتهما وطلبتا منها بعض الامتيازات التي اقرتها إنجلترا في الاتفاقية المعروفة باتفاقية ) سيكس بيكو ( في ١٦ مايو ١٩١٦ . وقيدت إنجلترا نفسها فيها بوعود لفرنسا تتعارض مع وعودها للشريف ووثيقة مكمهون التي لم تسمع عنها فرنسا إلا في مؤتمر السلام الذي عقد في ربيع ١٩١٩ وكانت هذه الاتفاقية هي وعد إنجلترا الثاني . أما الوعد الثالث ، فقد كان لليهود في نوفمبر ١٩١٧ ، والرابع وعد اللنبى لإنجلترا في ديسمبر من العام نفسه
نجحت المدرسة الإنجليزية المصرية في الاحتفاظ بالسيادة البريطانية على فلسطين . وفي عام ١٩٢٠ اعلنت انتدابها واصبحت المشكلة الفلسطينية اعقد من ذنب الضب في الموصل آبار البترول وفي حيفا تنتهي انابيبه ،
وفلسطين ضرورية جدا من الناحية الاسترايجية لشكل دولة تريد أن تهيمن على الشرق الأدنى أو تشرف على العلاقات بين الشرقيين أو الشرق والغرب . فلسطين إذا يجب أن تبقي بريطانية ، ويجب أن تدافع عنها بريطانيا بمختلف وسائل الدفاع ؛ تدافع عنها ضد العرب وضد اليهود وضد التيارات السياسية العالمية . لكن العرب يدركون تماما أن البلاد بلادهم ، يؤيدهم التاريخ ويقرهم الواقع ، فهم أسبق إلي فلسطين من بني إسرائيل . فالتاريخ يحدثنا ان تلك البلاد قطنها عنصران قبل ان ينزع الإسرائيليون إليها أحد العنصرين سامي ، وكان يتكون عادة من البابليين فالكنعانيين فالإراميين فالعرب ؛ وبعدهم جاء العنصر غير السامي وإليه ينتمي الحيثيون والفلسطينيون الذين نسبت البلاد إليهم ؛ ومن بعدهم جاء بنو إسرائيل . ولم يكد يستقر اليهود في البلاد حتى سباهم الأشوريون في القرن الثامن والبابليون في السادس ، وشتتهم البطالمة وطاردهم الرومان
وأحرقوا معبدهم عام ٧٠ م ، كما أطلقوا على أورشليم ) الباكابيتولينا ( . واستمر حال اليهود كذلك بين اضطهاد الوثنية والمسيحية وتشريد اليونان والرومان ، حتى جاء الإسلام فحنا عليهم واحسن إليهم ، وبعث فيهم الرغبة في الحياة والاستعداد للمساهمة في تشييد الحضارة وقيام المدنية .
واليهود أنفسهم يقررون أن الفضل في ازدهار علومهم وآدابهم في مصر وشمال إفريقية والإندلس وسائر الأقطار الإسلامية يرجع إلي الإسلام والمسلمين كل هذه المعلومات يعرفها العرب حق المعرفة ، فهم حريصون على الاحتفاظ بفلسطين وطن الأباء والأجداد والمسلمون حريصون عليها أيضا لأنها بلد المسجد الأقصي ؛ والشرق العربي حريص عليها لأنها الحلقة التي تربط بين أطرافه ، والحجر الاساسي
لبناء صرح الوحدة العربية

