قصرنا البحث في مقال سابق علي أوصاف المسرح الدولي الذي عليه تمثل رواية فلسطين . أما اليوم ، سنحصر جل اهتمامنا في الرواية نفسها ؛ في أبطالها ، وفي فصولها ، عسانا نوفق إلى استخلاص ما يرجي لها من ختام .
للرواية بطلان ، وبها عدد من الفصول مجهول ؛ طوي منها فصلان ، كما أوشك الثالث على النهاية ، فهل تختم الرواية بالرابع أم لها بقية ؟
هذا هو السؤال الذي يدور على ألسنتنا جميعا ، وعلى الجواب يتوقف المصير )
الفصل الأول
رفع الستار على أول فصل في الرواية سنة ١٨٩٧ ، يوم ان قامت هيئة يهودية دولية منظمة تطالب رسميا - لأول مرة منذ ألفي عام - يجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود . فقد انعقد في تلك السنة في " يال " من أعمال
سويسرا ، المؤتمر الصهيوني الأول ، الذي قرر فيما قرر ، بث الدعوة للفكرة الصهيونية بين الشعوب والحكومات
أخذت الصهيونية منذ ذلك اليوم تنمو وتترعرع ، يغذيها كل اضطهاد في شرق أوروبا ، وما يتبع ذلك من هجرة إلى غربها ، حتى أصبح الصهيونيون غالبية بين اليهود بعد أن كانوا أول الأمر اقلية ، واعترف الجميع بخطرهم الدولي . فلما جاءت الحرب الماضية ، شعر الحلفاء بالحاجة إلى خطب ودهم ، فدخلوا معهم في مفاوضات انتهت سنة ١٩١٧ بإصدار وعد بلفور المشهور ، وفيه تتعهد بريطانيا بتسهيل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين:
وكانت الحرب قد أيقظت كذلك أماني العرب القومية ، فاستخلصوا قبل ذلك من بريطانيا سنة ١٩١٥ وعدا صريحا
بإقامة دولة عربية مستقلة ، تشمل فلسطين ، حالما نضع الحرب أوزارها
وبهذين الوعدين ينتهي الفصل الأول من الرواية
الفصل الثاني
يبدأ الفصل الثاني في مؤتمر الصلح ، عندما نوقشت إنجلترا الحساب فيما وعدته أثناء الحرب ؛ فتهربت من الوعد السابق للعرب ، وتمسكت بالوعد اللاحق لليهود ، فأقامت نظام الانتداب على فلسطين ، وأدمج وعد بلفور في سكه وفتح الباب علي مصراعيه للهجرة اليهودية.
وقد أثارت هذه السياسة ثائرة العرب ، فتطور الأمر من حيرة إلى انتقاد ، إلى احتجاج ، إلى إضراب ، إلي حرب أهلية ! أما اليهود ، فقد نشطوا في إنشاء الوطن القومي ، فدخلوا أفواجا إلى فلسطين ، تسندهم رءوس الأموال اليهودية ورءوس الحراب البريطانية - وقد زاد عددهم من ٤٠ ألفا سنة ١٩١٩ إلى ٤٠٠ ألف سنة ١٩٣٩ ، فأصبح بذلك الوطن القومي ، باعترافهم أنفسهم ، حقيقة مائلة أمام أعين الجميع
ظل الحال كذلك عشرين عاما ، والإنكليز في حيرة من أمرهم ؛ يمالئون العرب حينا فنثور ثائرة اليهود ، ويمالئون اليهود احيانا فتسيل الدماء ؛ يحاولون إسكات العرب ، تارة بالوعد ، وتارة بالوعيد ، وتارة بالسيف والنار فلا يفلحون ؛ يبعثون باللجنة تلو اللجنة تبحث عن حل فلا تجد ؛ حتى اقتنعوا بأن لا سبيل إلى الخروج من مأزقهم إلا إذا تراضوا مع العرب ، وهم الأكثرية ، وأقنعوا اليهود ، وهم الأقلية ، بالعدول عن مطالبهم المتطرفة كالسيطرة السياسية مثلا ، والاكتفاء بما تم لهم فعلا من إنشاء وطن قومي له طابعه اليهودى من الوجهة
الدينية والاجتماعية والثقافية
أصدرت إنجلترا لذلك كتابها الأبيض المشهور سنة ١٩٣٩ ، وقد بقت سياستها فيه على أسس ثلاثة :
1 - حق العرب في أن تبقي الأغلبية في فلسطين عربية ، فقصرت الهجرة ما بين سنة ١٩٣٢ وسنة ١٩٤٤ على ٧٥ ألف مهاجر ، على ان يكون للعرب بعد ذلك مطلق الحرية في قبول أو رفض كل لاجيء جديد .
٢ - حق العرب في أن تبقى الثروة العقارية عربية ، فلا يسمح لليهود أو غيرهم بشراء أرض إلا في منطقة محدودة لا تتجاوز ١٠ % من مساحة فلسطين .
٣ - حق فلسطين في الاستقلال ، وذلك بعد فترة انتقال تمتد إلى عشر سنوات ، وتنتهي سنة ١٩٤٩ ، تسلم في أثنائها السلطة تدريجيا إلى أهل فلسطين من عرب ويهود ، وتضمن حقوق اليهود في وطنهم القومي بمعاهدة تعقدها فلسطين المستقلة
وقد أعلنت الحكومة البريطانية في صيف سنة ١٩٣٥ عن تمسكها تمسكا لا رجعة فيه بهذه السياسة الجديدة ، فأسدلت الستار بذلك على الفصل الثاني من الرواية .
الفصل الثالث
تفاءلت العروبة كلها بانتهاء الفصل الثاني ، فجنح العرب في فلسطين إلى السكينة ، وأخذوا يعدون العدة للقيام بدورهم في الفصل الثالث - فصل الانتقال من عبودية خدموا فيها سيدين ، إلى حرية مطلقة - كما تطلع الكل إلي الفصل الرابع والأخير ، حين تنبوأ فلسطين العربية المستقلة المكان اللائق بها بين دول الشرق والغرب .
أما اليهود فقد وقعت عليهم السياسة الجديدة وقع الصاعقة ، فتولاهم أول الأمر ذهول حال بينهم وبين
المعارضة المنتجة ، لكن سرعان ما رجعوا إلى صوابهم . فتبادلوا الرأي في انجع وسيلة لنسف الكتاب الابيض من أساسه
ثم وقعت الحرب . . وشغل الجميع عن مستقبل فلسطين لاهتمامهم بمستقبل العالم . وتطوع الكثيرون من أهل فلسطين ، عرب ويهود ، في القوات البريطانية وقد اعترف الإنكليز انفسهم بصدق عزيمة الطرفين في الكفاح ضد المحور .
لكن كفاحهما هذا ، جنبا إلي جنب ضد عدو مشترك ، لم يقرب بينهما البتة ، بل استمرت إلي اليوم تلك الهدنة المسلحة التي اقامتها ظروف الحرب ، وشرع الكل في الاستعداد ليوم الحساب استعدادا تضاعف كلما اوشكت الحرب على نهايتها ، أو لاحت في الأفق تباشير السلام ؛ فالناس في فلسطين يعملون للسلم وغيرهم في حرب ، وللحرب وغيرهم في سلم !
لقد غيرت الحرب معالم الفصل الثالث من الرواية تغييرا جوهريا ، فاصبح فترة جمود وركود بدلا من ان يكون فترة انتقال وآمال ، كما كان مقدرا له قبلا . فهل تبدأ فترة الانتقال الحقيقية بانتهاء الحرب ، أم تطرح المسألة على بساط البحث من جديد ؟ الارجع هو الأخير . فالساسة اليوم ، وهم يخطون عالم ، لن يتقيدوا بعهود الأمس واتفاقاته ، بل سيبحثون امهات المسائل من جديد فيقررون فيها قراراتهم ، مستوحين في ذلك مبادئ جديدة ومصالح جديدة ، وتوازنا للقوي الدولية جديدا
لهذا ، يجب على العرب إعادة شرح قضيتهم للعالم ، فقد نجحوا سنة ١٩٣٩ في إقناع بريطانيا حكومة وشعبا بعدالة مطالبهم ، وهم ناجحون اليوم ، إن شاء الله ، في إقناع الكل من جديد .
تقوم المعارضة للصهيونية علي أساسين : أساس عملي هو المصلحة ، وأساس نظري هو المبدأ ، ولعله من سوء طالع الصهيونيين ان تتعدد الاسس هكذا ، فالدول فيما بينها قد تقرر مبادئ عامة للاخلاق الدولية ، ثم تعدل عن تطبيقها في حالة خاصة إذا وجدت في ذلك تنافرا مع مصلحة الغالبية ، أما في مشكلة فلسطين ، فالمصلحة الدولية والمبدأ متفقان اتفاقا يجعل من الصعب التمسك بحل لا يحقق كليهما .
إن مصلحة العرب في ان يحكموا انفسهم بأنفسهم ، دون ان يدخل الغريب مسيطرا ، بديهي لا يحتاج إلى إيضاح ، لكن الصهيونيين ، بمنطقهم الغريب ، يحاولون إقامة الحجة على أن في بقائهم مصلحة كبرى للعرب هم عنها غافلون ، فيوردون الإحصاءات التى تبين - على حد قولهم - مبلغ الانتعاش الاقتصادي الذي حل بفلسطين من يوم ان جاءوا إليهم بعلمهم ومالهم .
ولكن العرب - ولو سلموا جدلا بهذا- يفضلون بلا شك القليل مع العزة الاجتماعية والحرية السياسية ، على الكثير مع الضعة الاجتماعية والرق السياسي .
على أن الصهيونية لا تتنافي مع مصلحة العرب في فلسطين فقط ، بل مع مصلحة الدول العربية كلها . فمصر والشام والعراق وغيرها من بلاد العربية يضيرها كثيرا ان تتوسطها دولة غريبة لا تنتمى إلى العروبة أو الإسلام أو الشرق بصلة ، بل تختلف عنها تماما في اللغة والدين والثقافة والاقتصاد ، فتحول بذلك بين وحدتها الجغرافية والاقتصادية والسياسية .
كما أن الصهيونية لا تتفق ومصلحة إنجلترا وأمريكا ، وقد اقتنعت الأولى بذلك اخيرا ، فراحت تخطب ود العرب وتعمل على جمع شملهم ، لشعورها بأن مصلحتها في إرضاء
العرب والمسلمين . أما امريكا ، فما زالت احزابها تعمل لليهود حسابا ؛ لكنها ستقتنع ، إن عاجلا أو آجلا ، بأن لا مصلحة لها البتة - وهي قادمة على توسع سياسي واقتصادي في الشرق - في إغضاب شعوب الشرق العربي بملايينه الستين ، ومسلمي الهند ، بملايينهم التسعين ، من أجل نفر من اليهود لا يتجاوز عددهم ستة ملايين .
ولعل أعجب ما في الأمر أن الصهيونية تضر ضررا بليغا بمصالح اليهود انفسهم ! فعددهم في العالم حوالي ١٦ مليونا ، منهم اليوم في فلسطين نصف مليون فقط ، إلي جانب مليون من العرب . ولا تتسع فلسطين اليوم لأكثر من مليونين ، بين عرب ويهود - كما شهدت بذلك اللجنة الملكية البريطانية نفسها ، أما إذا نفذت فيها بنجاح مشاريع عمرانية واسعة النطاق كالتي أشار بها بعضهم ، فقد تتسع بعد سنين طويلة لستة ملايين من السكان ، أي لخمسة ملايين من يهود العالم . أما الباقون منهم ، وهم عشرة ملايين - أي الأغلبية الكبرى - فستتعقد بلا شك مشكلتهم ، خصوصا إذا تألفت في فلسطين ، كما يطلب الصهيونيون ، دولة يهودية لحما ودما تمنح رعاياها الجنسية اليهودية . أتمنح هذه الدولة الملايين العشرة من اليهود خارج فلسطين الجنسية اليهودية ؟ أم يحتفظون بجنسيتهم القديمة ، الأمريكية في أمريكا ، والإنكليزية في انجلترا وهكذا ؟ إن مثل هذه السياسة تحوي في ثناياها بذور الشقاق بين اليهود وجيرانهم أينما وجدوا ، فسيشعر الجميع بأن اليهودي في وسطهم له جنسية غير جنسيتهم ، كما يدين بالولاء لدولة غير دولتهم ، فيعاملونه معاملة الأجنبي والغريب ، حتى في أكثر الدول تسامحا !
أفيرضى اليهود بحل كهذا ، فيه سعادة مشكوك
فيها خمسة ملايين من إخوانهم في الدين ، وشقاء أكيد لعشرة ملايين ؟
هذا عن المصلحة . وقد رأينا أن مصلحة الجميع - بما فيهم اليهود أنفسهم - تتقابل عند سياسة ترك فلسطين للعرب وإقصاء الصهيونية عنها . أما عن المبدأ فأمره هين : يتنازع شعبان اليوم السيادة على فلسطين ، كما يتنازع فردان ملكية عقار . للأفراد أن يحتكموا إلي قضاة ، يطبقون المبادئ المقررة في قانون تلك البلاد ، أما بين الشعوب فالوضع غير ذلك . فالقانون الدولي ما زال في حداثته . لهذا أخذت الدول من يوم ان كثرت العاملات بينها تبحث عن مبادئ تطبق فيما قد ينشأ من نزاع بين الامم والشعوب . وقد وفقت بعد الحرب الماضية إلي اختيار مبدأ يعمل به في مثل هذه الأحوال ، هو مبدأ تقرير المصير . فلا يحق لشعب أن يدعي ملكية بلد من البلاد إلا إذا اثبت ان اغلبية سكانه الحاليين يوافقونه على امتلاكه .
أما اليهود ، فيبنون حقهم في فلسطين على امتلاكهم لها منذ ثلاثة عشر قرنا ! وعلى وعد بذله لهم شعب لا حق له البتة في بذل مثل هذه الوعود ، فهو لا تملك التصرف في مستقبل شعب آخر بغير رضاه !
لقد عادت الدول في هذه الحرب ، فأكدت في ميثاق الأطلنطي تمسكها بمبدا تقرير المصير ، فهل تفي بوعدها ، ام تعتبر ان هذا التضخم في الوعود كتضخم النقد من مستلزمات الحرب ، يعالج بعد الحرب بسحب " قصاصات الورق " كلها ، من جنيهات ووعود ، والرجوع إلي قاعدة الذهب والاستغلال من جديد ؟
