الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 296الرجوع إلى "الثقافة"

مشكلتان . . .

Share

كثر الخلط في هذه الآيام بين مشكلتين لا علاقة بينهما البتة ، إحداهما دينية عنصرية قد أفحمت في السياسة إفحاما ، والأخري سياسية قومية قد علق حلها محل الأولى ، كأن بين الحلين صلة !

فأما الأولى ، فهي مشكلة اليهود العالية وما هم فيه من اضطهاد طال أمده واستفحل أمره ،  وأما الثانية ، فهي مشكلة فلسطين ومستقبل شعبه السياسي . لقد حيرت هاتان المشكلتان القديمتان ساسة جيلنا حيرة كبرى  ، فدار حولهما جدل ونفاش ملأ الجو الدولي ضجيجيا ، ثم جاءت الحرب ، فتضاءلت مشاكل السلم بجانب ما استجد من مشاكل الحرب ، وهدأت لذلك العاصفة الكلامية لا نصراف الجميع - بما فيهم العرب واليهود - عن المهم إلي الأهم .

أما اليوم ، والأخبار السارة تتدفق من كل ناحية ، فقد اقتنع الجميع - وعلي رأسهم المستر تشرشل رسول الحيطة والحذر - بقرب انتهاء هذه الحرب الضروس ، فأخرجوا مشاكل السلم القديمة من جمعية النسيان ، وألقوا بها إلي مسرح السياسة من جديد .

ولكن الموقف اليوم بالنسبة إلى هاتين المشكلتين يختلف اختلافا بينا عما كان عليه سنة ١٩٣٩ ، فقد جدت عوامل كثيرة - بعضها واضح وبعضها مستتر - غيرت من أسباب اهتمام الرأي الدولي بهما ، وحفزت كل فريق إلى المطالبة الآن بما يدعيه من حقوق ، وبتطبيق ما يقترحه من حلول ، وسيكون لهذه المؤثرات الجديدة أهميتها بلا شك عند الفصل في هاتين القضيتين . لذلك ، يجب على الباحث فهمها قبل أن يحاول الإحاطة بالموضوع نفسه أو اقتراح الحلول .

أما أهم هذه العوامل فتتلخص فيما يأتي :

١ - تطور اضطهاد اليهود في أوروبا إلي مجزرة هائلة ، يذبح فيها - على حد قول وزارة الخارجية الأمريكية نفسها - حوالي سبعة آلاف نفس يوميا :

وقد أكد هذا المصدر بعينه هلاك ما يقرب من مليوني يهودي - أي أكثر من ثلث يهود أوروبا النازية - منذ ابتداء هذه الحرب ، وتعرض الباقين منهم - وعددهم يربو على ثلاثة ملايين - لهلاك محقق في القريب العاجل ، إن لم نجد الأمم المتحدة سبيلا إلي إنقادهم . أفنعجب بعد هذا أن قامت الأرض وقعدت لصراخهم ؟ أنلوم إخوانهم في الدين أن أعماهم منظر الدم اليهودي ، وهو يسير بغزارة ، عن الحقائق ، فتمسكوا كالمجانين بحل لا ينفع ولا يجدي في محنهم هذه ؟ إنما تعجب كل العجب لتلك الشعوب المتمدنة وحكوماتها التي لم تعر هؤلاء البؤساء إلا الغرر اليسير من اهتمامها ، فهلك من هلك دون أن تبذل مساعي الجبابرة لإنفاذهم . أما اللوم ، فنوجهه إلي أولئك الصهيونيين الذين استغلوا مآسي إخوانهم في أوروبا وعطف العالم عليهم ، فروجوا لمشروع الوطن القومي ، مع علمهم بأن ليس في تحقيقه خلاص ليهود أوروبا ! وقد نشطت هذه الفئة أخيرا فراحت تضاعف مجهودها لخوفها من أن نهار الهتلرية في أوروبا قبل أن تتمكن من استخلاص وعد صريح بإعادة فتح باب الهجرة في فلسطين على مصراعيه ، فنقلت من يد الصهيونية حينئذ أكثر الحجج تأثيرا في الرأي العام الدولي .

3- اقتراب موعد انتخابات الرئاسة للولايات المتحدة ، ومحاولة كل من الحزبين ، الديمقراطى والجمهوري ، استمالة الناخبين اليهود إليه ؛ وذلك بإعلان العطف على مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين . ففي أمريكا ما يقرب من ستة ملايين من اليهود - ثلثهم في ولاية نيويورك ، وهي أهم ولاية من الوجهة الانتخانية - يتبوأ الكثير منهم مراكز رفيعة في جميع مرافق الدولة . لهذا ، أسرع

الساسة الأمريكان إلى إعداق الوعود عليهم ، جاهلين أو متجاهلين ما في ذلك من نقض لوعود سابقة قطعتها أمريكا على نفسها ، كعهد الأطلنطي وغيره ، أو من مساس بحقوق شعب صغير يكن لأمريكا كل صداقة .

٣ - تحقيق الحرب لبعض ما تبقى من أماني العرب السياسية ، فقد استقلت سوريا ولبنان استقلالا يكاد يكون تاما ؛ ولم يبق بذلك من شعوب العرب تحت الانتداب الأجنبي إلا شعب فلسطين ، فحفزته هذه الحقيقة إلى المطالبة من جديد بحقه المهضوم .

٥ - نضوج فكرة الوحدة العربية ، وتطورها من حلم لذيذ يستبعد تحقيقه إلى سياسة عملية تدور حولها المشاورات والمناقشات أما أسباب هذا التطور فترجع إلي : أولا : نيل سوريا ولبنان لاستقلالهما ، فزالت بذلك عقبتان كبيرتان كانتا معترضتين طريقة الوحدة .

ثانيا : ما لمسته الشعوب العربية من فائدة التضامن ، كما ظهر جليا فيما أصابته تلك الشعوب من نجاح سياسي باهر، عند احتجاجها على مجلس الكونجرس الأمريكي بسبب نظره في مشروع إنشاء دولة يهودية في فلسطين .

ثالثا : تشجيع بريطانيا لتلك الوحدة ، لشعورها بأن في صداقتها لحلف عربي قوي صوتا لمصالحها في الشرق الأوسط

وقد أجمع سياسة العرب كلهم على استحالة تكوين مثل هذه الوحدة دون إشراك فلسطين فيها ؛ كما اشترطوا لتحقيق ذلك أن تنال استقلالا لا يشوبه شائبة عن كل من الصهيونيين والإنكليز . فأصبحت بذلك المشكلة الفلسطينية في نظر هؤلاء الساسة أهم عقبة تعترض سبيلهم ، فانصرفت جهودهم إلى استنباط حل يحقق لفلسطين العربية استقلالها . وقد أصبح لبريطانيا نفسها ، بسبب تشجيعها للوخدة العربية ، مصلحة كبرى في الوصول بأسرع ما يمكن إلي مثل هذا الحل .

5 - شدة اهتمام الدول الغربية اليوم بالشرق الأوسط ومصيره ، ويرجع ذلك إلى عوامل شتى : منها العاطفية ، والسياسية ، والاقتصادية ، والحربية . فقد لعب هذا الشرق دورا هاما أثناء الحرب ، فكان مسرحا لعمليات حربية هائلة ، فوضت إحداها دعائم الإمبراطورية الرومانية الجديدة ، وألحقت غيرها بالجبش الألماني " الذي لا يقهر " هزيمة نكراء لم تقم له بعدها في هذه القارة قائمة . فلا عجب إذا أن اهتم الغربيون بالأقطار التي شاهدت بطولة أبنائهم ورويت بدمائهم .

كما أن ساستهم يقدرون حق قدرء ما سيكون لهذا الشرق من عظيم الشأن بعد الحرب في عالي السياسة والاقتصاد ؛ فهو همزة الوصل بين ثلاث قارات ؛ وفيه شعوب فنية تطلب المزيد من ثقافة الغرب وبضائعه ؟ وبه موارد غنية ، كالزيت مثلا ، بدأ التنازع عليها اليوم بين الحليف والحليف .

كل هذه العوامل مجتمعة ، قد حولت الأنظار إلي شرقنا هذا ، وجعلت للدول الغربية مصلحة كبرى في تنمية موارده والمحافظة على هدوئه السياسي . فانكب ساستهم على دراسة مشاكله ، وأهمها مشكلة فلسطين . أيعقل بعد هذا أن تفرض هذه الدول حلا لهذه المشكلة قد تري شعوب الشرق فيه ما يجبرها على مقاومته بالسيف والنار ؟

٦ - التجاء بعض يهود فلسطين إلى سياسة العنف والإرهاب . وقد أثارت هذه السياسة عليهم - وعلي اليهود إطلاقا - موجة استياء في بريطانيا ؛ كما أن تمسك العرب بأهداب السكينة طيلة هذه الحرب قد زاد من عطف الشعب البريطاني على قضيتهم .

٧ - تسلح كل فريق في فلسطين تسلحا خفيا واسع المدى . فالجميع يستعدون لنضال فاصل لا بد من أن ينشب في القريب العاجل ، إن لم نجد السياسة قبل ذلك مخرجا بصون السلم ويحفظه .

٨ - تنظيم الدعاية ضد الصهيونية واتساع مداها - فقد انشأ العرب مكاتب عديدة في لندن وفي نيويورك ، لا هم لها إلا نشر الدعوة للقضية العربية . ثم جاءهم العون اخيرا من ناحية غربية ؛ فقد قام نفر من اليهود أنفسهم بتأليف هيئة منظمة لمقاومة الصهيونية أسموها مجلس اليهودية الأمريكي . وقد بدأ هذا المجلس أعماله فعرض على العالم وجهة نظر الكثيرين من اليهود الذين يعترفون جهارا بأن لا حق لهم مطلقا في فلسطين ، بل يرون في الصهيونية خطرا كبيرا عليهم ، فهي يطلبها لحقوق سياسية لليهود ، وهم هيئة دينية ليس إلا ، قد تضر بمصالحهم الحقيقية ضررا بليغا .

وقد يكون هذا التطور الأخير يشيرا بنسف الصهيونية من أساسها ، فترجع اليهودية إلي سابق عهدها طيلة هذه القرون كلها ، كإحدي الديانات السماوية الثلاث ، وينبذ اليهود كل علاقة لهم بالسياسة .

اشترك في نشرتنا البريدية