كان الرأى الشائع فى مصر منذ بضع عشرات من السنين ان الرؤساء ينبغى أن يختاروا دائما من الأجانب ، كانت الحجة التى يستند إليها اصحاب ذلك الرأى هى أن المصرى لا يحسن الرئاسة . فكان الأجانب يحشدون من بلاد مختلفة ، ويرسلون إلى مصر ليكونوا رؤساء لمصالحها .
وكان بعض هؤلاء الرؤساء لا يحمل من مؤهلات الرئاسة إلا شهادة ميلاده الأجنبية . فكانوا إذا اخذوا مقاعدهم ، واستووا على كراسيهم الضخمة فى غرفهم الفخمة ، احسوا فيها بينهم وبين أنفسهم شيئا من الحيرة فيما هم قاءلون . وقد كان بعضهم يقحم فى وظيفة تحتاج إلى براعة فنية ، أو خبرة عملية ، فكان موقف الجهلاء من هؤلاء الرؤساء يشعرهم حرجا شديدا ، لانهم مطالبون بحكم رئاستهم بأن يوجهوا الشئون الفنية ، ويعيدوا النظر كرتين على اعمال مرءوسهم ، ليتيقنوا من انهم قد
أحسنوا القيام بها . ولكنهم مع ذلك قد اهتدوا إلى طريقة سحرية عجيبة ، مكنتهم من القيام بأعباء الرئاسة بغير ان يتكلفوا مشقة ، ولا يعانوا حرجا ، وبغير أن يكون عندهم علم بفن أو خبرة بعمل .
وهذه الطريقة السحرية العجيبة تتلخص فى كلمتين ، وهما " مش تمام " فكان الرئيس الجاهل من هؤلاء يسير منتفش الريش ، منتفخ الأوداج ، وبضع احيانا بين شفتيه بيئة بديعة ، أو سيجارا طويلا ، ثم باقى على اعمال مرءوسيه نظرة عابرة ممتلئة بالثقة والكبرياء ، فيرفع المرءوسون اعينهم إليه فى إجلال لا يخلو من الخوف ، وتخفق قلوبهم من شدة الهيبة ، وتضطرب ايديهم خوف ان يظهر فى عملهم عيب تحت نظرات الرئيس الفاحصه .
ثم يتجه الرئيس الجاهل الاجرف بنظرة عجلى إلى أحدهم ، ويشير بأصبعه إلى موضع من المواضع قائلا : مش تمام. فيضطرب فؤاد المرءوس المسكين ، حتى يكاد ينخلع ، ثم يقلب نظره فيما حوله ليرى ذلك الذى قد كشف الرئيس
العظيم عن خلله ، وأشار إليه قائلا " مش تمام " فما يزال يعيد بصره إلى عمله كرة بعد كرة ، حتى يعثر على عيب تافه فى عمله كان قد اغفله ولم يبال إصلاحه لتفاهته . فيعلو الندم حتى يصبغ وجهه خجلا ، ويلوم نفسه على إهمالها لوما شديدا ، ثم يقبل على اصلاح العيب ، وقد امتلأ قلبه إعجابا بمقدرة الرئيس العظيم الذي تلمح عينه الخلل مثل هذه الدقة فى لحظة قصيرة ونظرة عابرة ، ويتهامس المرءوسون .
فيقول بعضهم لبعض : حاذروا من عين ذلك الرئيس الداهية ، فهو اعلم العلماء ، وأبرع الخبراء ، وانبغ النبغاء .
وهكذا كان الرئيس القديم إذا أحيل على المعاش وحل محله رئيس اخر من بنى بلدته ، فسأله عن سر عمله وعن دقائق فنه ، وعن عصارة خبرته ، لم يتردد على أن ينصحه بحفظ كلمتين اثنتين ، وبعلمه طريقة إلقائهما فى كبرياء " مش تمام ! " .
ولكن ذلك الزمن مضى وانقضي ، وانتقلت بلادنا بحمد الله إلى حال غير حالها الأول ، فسار منها الرؤساء والمرءوسون ، وصار منها من يضعون البينة بين الشفاء ، أو السيجار الذي يبلغ طوله الأشبار ، ويسيرون في كبرياء يفتشون وهم منتفشو الريش ، منتفخو الأوداج ، لكى يطلعوا على اعمال سواهم من بنى بلدتهم ، إذ يؤدون واجباتهم تحت رئاستهم .
ولكن الحال مع ذلك لم يتغير . فإن عدة هؤلاء الرؤساء ما زالت هى العدة القديمة التى كان ينتصر بها سلفهم من الأجانب ، فما هى سوى كلمتين اثنتين لا تزالان قائمتين للدلالة على النبوغ والذكاء والرياسة والاستعلاء ، وهما " مش تمام " .
والذى يتبادر إلى الذهن أن الرئيس إذا لم يعجبه الحال عهد إلى الإرشاد والتعليم ولم يكتف بالإشارة والانتقاد . فالرئيس المهندس مثلا إذا قال لمرءوسه مش تمام ، كان عليه ان يخلع طربوشه ويشمر عن ساعده ويظهر بالعمل كيف يكون التمام
وهكذا ينبغى أن يكون حال الرؤساء جميعا مهما اختلفت الفنون وتنوعت الاعمال . ونصيحتى لشكل من يفهم عمله ويؤديه على وجهه إذا سمع نقد رئيسه الذى يقول له " مش تمام " أن يطالبه بأن يرشده ويعلمه وان يطلعه على ما عنده من علم وفن وخبرة مباشرة العمل نفسه وإظهار مواضع الخلل وطرائق إصلاح الخلل
ولكن وباء " مش تمام " قد يؤدى أحيانا إلى نتائج محزنة ؛ فقد يكون الرئيس الجاهل قليل الحكمة خفيف العقل حتى إنه يصدق نفسه ويزعم انه رئيس حقا . فلا يكتفى بأن يقول الكلمتين ، بل يخلع طربوشه فعلا ويشمر عن ساعديه ويأخذ فى إصلاح ما يظنه خللا ، وهناك تكون الطامة الكبرى .
أذكر يوما رئيسا من هذا الصنف مر بجماعة من العمال الذين هم تحت رئاسته ، فلم يعجبه عملهم ، وشمر عن ساعده وأخذ في بدء قطعة من الخشب ومدها إلى تروس الآلة فاندست بينها وهى دائرة ، فإذا بالالة تطقطق ثم تنكسر فى لحظة . ولما سئل ذلك الرئيس عن فساد الالة ألقى كل المسئولية على عاتق العامل المسكين الذى اضطره إلى ان يضع عود الخشب بين التروس !
وهذا الصنف من الرؤساء كثير العدد فى هذه الآيام ، وهو موجود بين صفاد الرؤساء كما انه موجود بين كبارهم . ولست أبالغ إذا قلت إن الكثير من كبار الموظفين بل من الوزراء من هذا الصنف . وهؤلا ، لهم نفوذ عظيم وجاه كبير ، ويستطيعون ان يدسوا قطعا طويلة من الخشب بين كثير من التروس . بل إني لست أبالغ إذا قلت إن هؤلاء هم المسئولون عن تكسر كثير من تروس الآلة الإدارية المصرية المسكينة .
وهناك صنف ثالث من الرؤساء الذين لا يزيد رأس مالهم على هاتين الكلمتين مش تمام ! وهم الذين يحترفون السياسة عادة . فهؤلاء إذا كانوا في المعارضة أي خارج
الحكم أكثروا من استعمال هاتين الكلمتين ، حتى ليكادون يتخذونهما شعارا . فهم كلما عرض عليهم مشروع تقدمت به الحكومة قالوا : مش تمام ، وإذا سمعوا عن خطة يرسمها وزير قائم في الحكم قالوا : مش تمام ، فما يزالون يرددون هذين اللفظين حتى يصدقوا أنفسهم ويبلغوا حد الاعتقاد بأن الحكم القائم كله مش تمام . والمصيبة الكبرى أن اعتقاد هؤلاء الساسة يعدي غيرهم ؛ فهم إذا قالوا مش تمام صاح من ورائهم عدد عظيم من الاتباع والاشباح قائلين مش تمام ، بغير ان يعرفوا ما هذا الذي يصفونه بذلك الوصف .
والأدهى من ذلك أن هؤلاء الساسة إذا اتفق لهم يوما ان يقبضوا على زمام الحكم بدأوا عملهم بإزالة كل ما بداه سلفهم لكي يبرهنوا على انهم كانوا صادقين في صيحتهم الأولى عند ما كانوا خارج الحكم .
ولهذا كانت كل جهودنا عبارة عن هدم متصل ، فما تكاد حكومة تبنى مترين فوق الأرض حتى تأتي حكومة بعدها فتهدم ما بنته ، ثم تبدا هى الأخرى فتبني مترين فوق الأرض ثم يدركها الاجل فتأتي بعدها حكومة جديدة تهدم ما بنته ، وهكذا .
فنحن بحق نجاهد في هدم متصل ، والمسئول عن هذا كله هو حبنا لهذين اللفظين الخفيفين الذين ورثناهما عن الجهلاء من الرؤساء الأجانب : " مش تمام ! " .
أذكر مثلا أنه في عام ١٩٣٦ عقدت معاهدة بيننا وبين الإنجليز ، فقال أصحاب الحكم عند ذلك إنها تمام ، وقال من هم خارح الحكم إنها مش تمام .
ثم قبلها الجميع تحت ضغط الحوادث ، فصارت معاهدة عظيمة قضينا نحو سبع سنوات ، ونحن نسمع الكثيرين يشهدون بحمدها ، ويفزعون الفزوع منها ، ويبنون الصروح العالية على قواعدها . ثم تبينت الامة أخيرا حقيقتها ، واجمعت على أنها كانت في الحقيقة مش تمام ! سواء في ذلك
من في الحكم ومن في المعارضة . ثم تقدمت الحكومة القائمة إلى مجلس الأمن ، تقول إن المعاهدة المصرية الإنجليزية أصبحت لا ترضى مصر ، وإن الحاضر يدعو إلى أن تكون مصر دولة مستقلة تضم كل ارجاء الوادي ، واعدت المدة للذهاب إلى مجلس الأمن لتعلن لملأ العالم قضيتها ،
وتدلي بحجتها ، بنية تحرير وادي النيل من أقصاه إلى أقصاه فماذا حدث ؟ حدث اننا نسمع فجأة صيحة عالية ممن هم خارج الحكم تنادي : لا ، لا . مش تمام ! مش تمام . فما ذلك الشئ الذي يقصده ذلك النداء ؟
أهو أننا لا نحب أن تتحرر مصر من معاهدة ١٩٣٦ ؟ أليس هذا مما يدعو إلى العجب والارتباك ؟
ألسنا نجاهد دائما في سبيل الهدم بفضل هذا الاتجاه الذي لازمنا أطول مما ينبغي له أن يلازمنا ؟ أما آن لنا أن نقلع عن " موضة " مش تمام ؟

