منذ ثلاثين سنة كانت س هانم حرم ع باشا حاملا في الشهر التاسع ، وكانت لها خادم مخلصة هي الأخرى حامل في الشهر التاسع ، لكن احدا لم يكن يعنيه حمل الخادم ، والكلام والاهتمام يدوران على حمل الهانم ، بل إن الخادم نفسها لم تكن تهتم بحملها أو تتحدث به قدر اهتمامها وتحدثها بحمل سيدتها
واقترب يوم الحادث السعيد - للهانم - ولم يكن أحد يذكر ان يوم الخادم يقترب ايضا ، وتكاد هي تنسي يومها من فرط تحمسها ليوم سيدتها
وأحست السيدة بالآلام فلزمت الفراش ، وجيء على عجل بالطبيبة المولدة ، وهي اوربية ، وبلغ حماس الخادم ذروته ، ولازمت حجرة سيدتها ، واخذت في فرحة تعد المعدات
وطال الوقت بالسيدة وهي تضع ، ولقيت آلاما كبيرة . وبينما الجميع حول فراشها في ترقب والم وامل إذا بالخادم تصرخ فجأة وتجلس مكانها وتلد في بضع ثوان مولودا ذكرا
وكانت مفاجأة مربكة للحاضرات ، والخادم كانت اشدهن ارتبا كا ، فقد بلغت بالسكينة النشوة لولادة سيدتها إن لم تنتبه إلي آلامها الأولى . وعندما احست بالألم الأخير الكبير وأدركت ما سيحدث ارادت ان تجري إلي خارج الحجرة فلم تستطع أن تخطو . . والآن وقد وقع منها هذا الحادث - غير السعيد - في أقل الأزمنة والأمكنة ملاءمة لوقوعه فقد همت بأن تجمع نفسها وما ولدت وتجري ، لكن ذلك لم يكن هينا . . واضطرت الحاضرات ، والطبيبة ايضا ، إلى ترك الهانم برهة والإنصراف إلي مساعدة الخادم وتلقي وليدها
ولم يلبث بعض الحاضرات أن رأين في هذا الطارئ المفحم ناحية مضحكة ، لاسيما وأن الهانم ، رغم آلامها ،
كانت البادئة بالضحك ، فأشاعته في الحاضرات ، ثم انهالت على الخادم مختلف النكات والشتاتم الدعابية .
ويظهر أن ضحك الهانم ساعد في تحريك جنينها ، فلم تلبث ان صرخت هي الأخرى وتمت ولادتها في بضع دقائق . . والمولود ذكر .
ولم يكن القدر المداعب قد فرغ بعد ، ففي هرج الفرح بمولود الهانم لحظ الحاضرات أن الخادم تتحرك في ألم كظيم ، وإذا بها تلد مولودا ثانيا ذكرا ايضا .
وضج الحاضرات بالضحكات ، وتصايحن بالنكات والدعابات ، ولو أن الطبيبة كانت تري أن أمر هذه الخادم جاوز حد الفكاهة.
وتحول القدر المداعب إلي الهانم ، فقد كانت لا تزال تتأوه ، ولم تلبث أن وضعت هي الآخر مولودا ثانيا ذكرا أيضا في إثر مولودها الأول .
وكأنما تحولت الحال إلى مباراة بين الخادم وسيدتها والخادم في هذا المجال ابرع ، فقد ارسلت صيحة واختتمت المباراة بمولود ثالث ذكر كذلك .
وبلغ المرح ذروته بين بكاء خمسة مواليد ، وكان للحاضرات شغل أي شغل في إلباس هذه المخلوقات وتهيئتهم للدنيا ، كل وما يليق به ، وبالماء الذي منه خلق والبطن الذي منه انحدر ، ثم نقلت الخادم وبنوها من هذا المكان الذي ليس لهم إلي المكان الجدير بهم على وجه هذه الأرض .
وكرت الأيام ، وباعدت بين من ولدوا تحت سقف واحد ، ونبت كل في تربته وبيته . . في النبات تختلف البذور ويسقي بماء واحد ، وفي الإنسان نوع البذرة واحد ويسقى بماء غير واحد ، هناك تختلف الثمار لاختلاف البذور ، وهنا تختلف الثمار لاختلاف الماء .
وتخرج التوأمان في الجامعات ، وأحدهما طبيب ، وله شغف بالدرس والبحث والتجريب ، أما التوائم الثلاثة
فجروا لكسب العيش منذ الطفولة ، وصغار الحيوان تمشى يوم تولد.
ثم حدث أن مرض الباشا والأبن الطبيب يقوم على علاجه ، ويفحص ويرسم خطة العلاج ويستدعي من يري استدعاءه ، واستدعي الأمر فحص دم الباشا ، وهو مبحث تخصص فيه الابن ، وطالما حلل وجرب في دم نفسه ودم غيره لتعرف خصائص الدماء
وبينما الابن عاكف على دم الباشا يفحص ويحلل إذا به يلحظ عرضا ومن غير قصد ظاهرة وقف حيالها مبهونا . . إن دم ابيه الباشا ودمه من فصيلتين مختلفتين !!. .
. عجبا!! . كيف يكون هذا ؟ . . ذهل الشاب عما كان يتقصاه ، وراح يحقق هذا الأمر الغريب . اختبر نوع الدم واعاد الاختبار وأعاده والنتيجة هي لاريب ، إلا أن يكذب عينيه ، ويوده لو انهما تكذبان . . إما ان تكون نظرية فصائل الدم خطأ ، أو أن يكون . . ؟! سوأتاه !!.. .
وذكر الشاب أن له أخا توأما..لن يأكل ولن ينام حتى يختبر دم أخيه أيضا . لكن الأمر يجب أن يبقى سرا ، وهو سر جد خطير ، عليه في أخذ دم اخيه ان يتلطف ولا يشعرن بحقيقة مقصده احدا .
- أخي لقد حللت دم ابيك الباشا كما طلب الإخصائيون ، واستحسنت ان اشفع بتحليل لدمى ودمك لتتوفر جميع العناصر لقرار سديد ، وقد حللت دمي فهل لي من دمك . ؟ .
- من غير شك أيها الأخ ! دمي كله فداء أبي ، وهو الذي أعطانية
وفي مختبره ألقي الشاب جسمه على مقعد في دوار من الحيرة . إن دم أخيه من دم الباشا بينما دمه هو دم غريب! لو ان دم أخيه كان مثل دمه لوجد للغز تفسيرا على كل
حال ولو أنه تفسير شنيع بغيض . أما والأمر ليس كذلك فما التفسير ؟ !
وفي مارج الحيرة مرت بخاطر الشاب فكرة كما تمرق السهام في معمعة . ذكر ما سمعهم كثيرا ينتدرون به ويتفكهون عن يوم مولده والأربعة الآخرين . . رحماك ربي !! . . افي الممكن ان يكون حدث في ذلك اليوم خطأ فظيع ؟ !
لابد من البحث عن الثلاثة أبناء الخادم واختبار دم كل ، مع إبقاء السر في خباء كثيف . مهمة ليست هينة ، لكن ليس منها محيص
وعثر الشاب علي واحد من الثلاثة ، وألبس اللقاء وجها مصطنعا محكما من المصادفة المحضة . وكان سؤال عن الحال وحال الأخوين ، وعن صحة الجميع ، وكان كلام عن الصحة لايسر ، فالفقر والمرض توأمان هما الاخران ، وكان واجبا ان يدعوهم إلى عبادته للعلاج ، وجاءوا ، واخذ من دمائهم ، وإن فحص الدم لتبرره جميع الأدواء
...برح الخفاء . . دم واحد من الثلاثة من دم الباشا ، واحد يشتغل خائطا للملابس العربية في دكان صغير في أحد الأحياء . ودم الآخرين من دم الشاب الطبيب
...آه ! !. . هذا الخائط الفقير الجاهل المهزول هو ابن الباشا ، وهذا الشاب الفارع المثقف الانيق ابن من ؟ ! . . عندما ولدا أدخل الأول في ثوب ابن الخادم وأخذ سمته في الحياة على مقتضى ذلك الثوب ، وادخل الثاني في ثوب ابن الباشا وأخذ سمته . غلط مرعب !
قال الشاب : " . . لكن اي غلط هو ؟ ! ولو كنت نشأت خائطا فقيرا جاهلا مهزولا فماذا كان ذنبي أنا ؟ ! أى فرق كبير بين مصادفة الدخول في ثوب ومصادفة الانحدار من صلب ؟ ! " هل هذا منطق ؟ ! . أم أنانية ؟ ! .
