لا ندري ما الذي يحمل الدكتور زكي مبارك على أن يحرف كلام الناس ثم يتهمهم بأنهم يحرفون كلامه! لقد أتهمنا حين
أنكرنا عليه قوله: (اشغلني عنك يا رباه بما سيكون في الجنة من أطايب النعم) بأننا حذفنا قوله عقبه: (فإن بصري أضعف من أن يواجه نورك الوهاج) ليجوز لنا أن نصفه بسوء الأدب في الدعاء، وسوء الفهم للدين. والجملة التي أخذناه بها لا يمكن أن يصلحها أية جملة أو جمل يمكن أن تضاف إليها، فضلاً عن جملة يصح في نفسها أن تكون موضع مؤاخذة لأنها تثني على الله سبحانه بما لا يكاد يصلح ثناء على الشمس التي خلقها. فلو أننا ذكرناها لآخذنا كاتبها مؤاخذة أخرى، ولكننا اكتفينا بمحاسبته على أشنع غلطتيه، كما سبق أن نبهنا
والآن يأتي الدكتور في خطابه في العدد ٣١٩ من الرسالة فينسب إلى كاتب فيها أنه قال: إن من حق الدكتور أن يتكلم في الأدب لأنه دكتور فيه، وليس من حقه أن يتكلم في الدين لأنه ليس دكتوراً فيه! والذي نعرفه أن الكاتب الذي يعنيه الدكتور لم يقل هذا، وإنما قال إن للدكتور أن يتظرف أو يتمجن في أسلوبه حين يكتب في الأدب الذي هو دكتور فيه، وليس له أن يتظرف أو يتمجن حين يكتب في الدين أو حين يدعو الله. فهو ينكر على الدكتور لا مجرد الكتابة في الدين، ولكن إساءة الأدب في الكتابة، سواء أكان دكتوراً في الدين أم غير دكتور فيه. وأظن نعمة الإسلام التي يحمد الدكتور الله عليها من شأنها أن تجعل الدكتور يوافق الكاتب على ما قال، سواء أقر بما سماه الكاتب تمجنا في دعاء زكي مبارك الذي دعا أم لم يقر.
على أننا مع هذا نحب أن نصارح الدكتور زكي مبارك أن خيراً له وللناس أن لا يكتب في الدين، لا لأنه غير دكتور في الدين ولكن لأنه غير متمكن فيه. وفرق بين الاثنين. فلو كان متمكناً في الدين لجاز له أن يكتب فيه ولو لم يحمل فيه شهادة أو لقباً ما. ولكنه للأسف غير متمكن، ودليل ذلك أخطاؤه الكثيرة التي وقع فيها، والأخطاء التي لا يزال يقع فيها كلما كتب في الدين أو فيما يتصل به.
والخطأ في الدين ليس كالخطأ في الأدب، كما أن الحال في الدين ليس كالحال في الأدب فوضى لا يهتدي فيها بمعيار يميز الخطأ من الصواب. فمعيار الحق والصواب في الدين موجود لا يخطئ، إلا وهو الكتاب الكريم والسنة المطهرة. ما وافقهما كان هدى وصوابا، وما خالفهما كان خطأ وضلالًا. والعقل بعد أن ثبت عنده أن القرآن من عند الله، وأن محمداً رسول الله، ملزم
- ملزم بمنطقه هو - أن يسمع ويطيع من غير تردد ولا ريبة سواء فهم الحكمة أم لم يفهم، كما يقبل النظريات الرياضية مهما بدت معقدة غريبة. إن للعقل طبعاً أن يحاول الفهم ما استطاع، بل هذا هو واجبه، لكن ليس له أن يوقف السمع والطاعة في الدين على الفهم و (المعقولية) وإلا أصبح الدين رأياً يتغير، أي أصبح غير دين
فقول الدكتور زكي مبارك إن لكل مسلم الحق في أن ينظر إلى الله وإلى الوجود كيف شاء في حدود المنطق والعقل، قول يحتاج إلى تكملة، تكملة الاهتداء بالكتاب والسنة، لأن العقل قوة لا تستطيع تفكيراً صحيحاً إلا من مقدمات صحيحة. والمقدمات الصحيحة في الدين - بعد الدخول فيه بالعقل - لا توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله. فإذا لم يهتد العقل بهما فقد ضل سواء السبيل
والدكتور زكي مبارك في تطبيقه ما يسميه المنطق والعقل كثيراً ما يخالف الكتاب والسنة كما فهمهما أولو العلم من المسلمين من لدن زمن الرسول إلى يوم الناس هذا. ومن هنا كانت أخطاء الدكتور، ومن هنا كان ما يشكو منه من سوء الظن به. فلو أنه اهتدى بالكتاب والسنة في تفكيره لقلت أخطاؤه كثيراً، ولجاءت حين تجيء من نوع لا يضره ولا يضر الناس. إذن لما قال - مثلاً - (اشغلني عنك يا رباه) بأي شيء لأي سبب؛ ولما جزم بأنه سيدخل الجنة بكتابه (التصوف الإسلامي) فضلاً عن أن يدخل معه (على حسابه) ألوفاً من الأدباء كما يقول، لأن الزيات - في زعمه - قال قولاً كهذا (والزيات رجل صادق الإيمان ورجاؤه عند الله مقبول) فإن هذا النوع من الكلام حابط باطل في الدين، فقد شهدت بالجنة من هي خير من الزيات لمن هو خير من زكي مبارك فأنكر النبي ذلك عليها وقال: من أدراك؟
ويجب أن يذكر الدكتور أن الإسلام ليس مجرد إقرار، ولكنه أيضاً عمل. والكتابة عمل، بل هي من الأديب من أهم الأعمال. فليراقب الدكتور الله في كتابته فلا يأتي فيها بما ينكره الإسلام، فإن فعل فلن يجد في المسلمين إلا من يحسن الظن به، فإن الذي حمل على سوء الظن به إنما هو ما وجد فيما كتب إلى الآن من مخالفة الكتاب والسنة حتى فيما يتعلق بالأساسي من الأمور (بور سعيد)
