الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 140الرجوع إلى "الثقافة"

مصدر تاريخى مهمل

Share

هناك مصدر هام من مصادر التاريخ الاسلامى لم أر إلى الآن من اتجه إليه واستفاد منه مع ما فيه من غنى وثروة ، وتظهر أهميته إذا عرفنا أنه يلقى ضوءا قويا على الحياة الاجتماعية فى العصر الذى يعرض له ، وهذا هو الجانب الضعيف فى كتب التاريخ عندنا ؛ فأهم نقطة ترتكز عليها هذه الكتب هى الخلفاء والملوك والأمراء والوزراء ؛ أما الشعب نفسه فلسنا نعرف حالته إلا من ثنايا الكلام ومما يذكر عرضا لا قصدا ؛ فإذا كان هذا الصدر الذى أشير إليه يعنى بشرح الحالة الاجتماعية للعصر ، فلا شك أنه يكون مصدرا لا يصح إغفاله ، وتجب العناية به .

تلك هى كتب الفتاوى فى الفقه ، وما أكثرها ؛ ووجه أهميتها أن مؤلفها - عادة - يكون من أكبر رجال عصره علما وفقها ومركزا ، حتى تتجه إليه الأنظار بحكم مركزه العلمى أو منصبه الرسمى ؛ فإذا حدثت أحداث تنازع فيها الناس - وخاصة الأحداث العظام - هرع الناس إليه يستفتونه ؛ وليسوا يقتصرون فى مسائل الاستفتاء على المسائل الفقهية بأضيق معانيها ، بل على المسائل الاجتماعية بأوسع معانيها ، فيكون لنا من هذه الأحداث وشرحها وبيان أسبابها ورأى العلماء فيها صورة بديعة لعقلية الناس فى ذلك العصر . ولأسق لذلك مثلا يوضح الفكرة :

فمثلا بين يدى الآن " الفتاوى الحديثية " لابن حجر الهيتمى ، وهو إمام مشهور مصرى الأصل والمنشأ ، وعاش بعض زمنه الأخير فى مكة ، وكان فى القرن

العاشر الهجرى ، فقد ولد فى محلة أبى الهيتم من أعمال الغربية سنة ٩٠٩ ه ، ودرس فى الأزهر ، ورجع الناس إليه فى الفتوى ، ومنذ سنة ٩٤٠ استقر فى مكة وأقام بها إلى أن توفى سنة ٩٧٤ ، واشتهر اسمه فى العالم الاسلامى ، واستفتى من جميع الأقطار .

تقرأ هذه الفتاوى فتجد فيها صورا مختلفة تتبين منها جانبا من الحياة العقلية المسلمين فى هذا القرن .

فهذه صورة ترينا أن العالم الاسلامى إذ ذاك كان مضطربا بين حركتين متناقضتين فى شأن التصوف وما إليه : إحداهما الحركة التى قام بها ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ يطعن فيها على ابن عربى وابن الفارض وابن سبعين والغزالى وغيرهم من المتصوفة ، ويدعو إلى الرجوع للكتاب والسنة ، وترك البدع كالتوسل بالأولياء وزيارة القبور وغير ذلك . والأخرى حركة تؤمن بالصوفية وكراماتهم وشطحاتهم إلى أقصى حد .

وقد كانت هاتان الحركتان عنيفتين فى عهد ابن تيمية ، وكان من جرائهما اضطهاده وسجنه إلى أن مات ، فالتف حوله علماء يؤيدونه وعلماء يكفرونه ويناهضونه ؛ وانتقلت هاتان الحر كتان إلى القرن العاشر الذى تصوره هذه الفتاوى .

وإذ كان ابن حجر هذا فقيها شافعيا محدثا متصوفا فقد أيد الصوفية وآمن بكل شىء يدعون إليه ، وهاجم ابن تيمية فى عنف ، وادعى أنه لا يقام لكلامه وزن ، وأنه مبتدع ضال مضل جاهل غال ؛ وأفاض فى مدح الصوفية الذين هاجمهم ابن تيمية ، كابن عربى وابن الفارض والغزالى .

وليس يدل هذا القول على رأي ابن حجر وحده ، بل يدل على اتجاه العقلية نحو الحركة التى تؤيد الصوفية وخفوت صوت المعارضين ، لأن كثيرا من أهل هذا

العصر ناصر ابن حجر كما حكى هو ، وانضموا إلى الشعب فى الانتصار للصوفية بجميع مظاهرها . وقد قص علينا ابن حجر نفسه فى هذه الفتاوى أن العالم من العلماء - فى زمنه - إذا اعتقد فى التصوف والمتصوفة أقبل الناس عليه وعلى كتبه وتبركوا به ، كالشيخ زكريا الأنصارى ؛ أما إن أنكر على الصوفية شيئا من أقوالهم ، صد الناس عنه ولم ينتفعوا بعلمه ، كالشيخ البقاعى ؛ فقد كان عالما جليلا ، وكان نابغة فى حسن العبارة وقوة الذكاء وسعة العلم ، وخاصة التفسير والحديث ، وألف فى تفسير القرآن وفى مناسباته كتبا - قال ابن حجر عنها إنها لو كانت للشيخ زكريا لكتبت بماء الذهب - ولكن البقاعى كان يعترض على ابن عربى ويفند بعض أقواله ، ويؤلف الكتب فى نقده ، ويري فى ابن الفارض أنه شاعر جيد ، ولكنه متصوف غير جيد ، وأنكر على الغزالى قوله : (( ليس فى الإمكان أبدع مما كان )) فهاج عليه العامة ، ثم حكم بتكفيره وإهدار دمه ، وكاد يتم ذلك لولا تدخل بعض الأمراء ، فاستتيب وجدد إسلامه ؛ ودخل عليه بعض أهل العلم فوجده وحده ، فما زال يضربه بفعله على رأسه حتى أشرف على التلف ، وقام العلماء يؤلفون الكتب فى الرد عليه والذب عن الغزالى ، وأصيب بضيق التنفس فاعتقدوا أن هذا سر ابن الفارض .

ويرسم الكتاب صورة الاندفاع وراء الاعتقاد بالمغيبات والكرامات والشطحات والجن ، وهى صورة تبعث على الشفقة والأسى على ما وصلت إليه العقلية فى هذا العصر .

ويصور لنا ابن حجر الجدال حول تعليم البنت الكتابة والقراءة ، فيستفتى فى ذلك ، فيفتى بأنها تعلم العلم ، ولكن لا تعلم الكتابة . ويروى حديثا أن لقمان مر على جارية تعليم فقال : (( لمن بصقل هذا السيف ؟ )) أى أنها تعلم الكتابة لتذبح بها . ويقول إن المرأة إذا تعلمتها

توصلت بها إلى أغراض فاسدة ، لأنها تبلغ بها فى أغراضها ما لم تبلغه برسولها ! فلأجل ذلك صارت المرأة بعد الكتابة كالسيف الصقيل الذى لا ير على شىء إلا قطعه ، ثم قال : (( واعلم أن النهى عن تعليم النساء الكتابة لا ينافى طلب تعليمهن القرآن والعلوم والآداب ، لأن فى هذه مصالح عامة من غير خشية مفاسد تتولد منها ، بخلاف الكتابة .

ويستفتى فى كلمة الأشراف : من هم ؟ وما تاريخ عمامتهم الخضراء ؟ فيذكر أن اسم الشريف كان يطلق فى الصدر الأول على من كان من أهل البيت ولو كان عباسيا أو عقيليا (١) ، ومنه قول المؤرخين الشريف العباسى والشريف الزينى (٢) ، فلما ولى الفاطميون مصر قصروا الشرف على ذرية الحسن والحسين فقط ، واستمر هذا إلى الآن ؛ وأما العلامة الخضراء فلا أصل لها ، وإنما حدثت سنة ٧٧٣ هجرية بأمر الملك شعبان بن حسن ، وفى ذلك يقول ابن جابر :

جعلوا لأبناء الرسول علامة

                    إن العلامة شأن من لم يشهر                       نور النبوة فى وسيم وجوههم

                    يغنى الشريف عن الطراز الأخضر

فإذا كانت هذه العلامة الخضراء حادثة ، فلا يؤمر بها الشريف ولا ينهى عنها غيره .

والفتاوى تدل على انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين الشعب ، وكثرتها كثرة مفرطة ، وتناولها أدق الأشياء فى المأكل والملبس والزواج والطب وما إلى ذلك ، وسيطرتها على عقول الناس وسلوكهم ؛ والخاصة يهرعون إلى المفتين يستفتونهم فى شأنها ، فبدلا من أن يهجموا

عليها ويبددوها ، يجتهدون فى الكثير منها أن يجدوا لها مخرجا ، فيقولون رواها فلان فى كتابه وفلان فى مسنده ، ولا يقرون بضعف الضعيف ووضع الموضوع إلا فى القليل النادر ، ويتركونها تأكل عقول الناس وتشعوذ سلوكهم .

ثم من غريب أمر هؤلاء المفتين من الفقهاء والمحدثين فى ذلك العصر أنهم لا يؤمنون بأن هناك علوما وراء علومهم ، ولا تخصصا وراء تخصصهم ، ويؤمنون بأن الفقه والحديث كافيان وحدهما للاجابة عن كل سؤال ، سواء اتصل بالتاريخ القديم أو بالطب أو بالفلك أو طبقات الأرض أو ما شئت من العلوم ؛ فاذا سئل المفتى عن شىء من ذلك فما عليه إلا أن يقلب كتبه ليعثر على حديث ضعيف أو قول شيخ قديم ، فيكون هو الجواب ، وهو الصواب ، وهو كل الحق ، فالشيخ ابن حجر يسأل عن السواد الذى فى القمر ، فيجيب بأن عليا كرم الله وجهه سئل عن ذلك فقال : هو أثر مسح جناح جبريل ، لأن الله خلق نور القمر سبعين جزءا كنور الشمس ، فمسحه جبريل بجناحه فمحا منه تسعة وستين جزءا حولها إلى الشمس ، فأذهب منه الضوء وأبقى فيه النور ، فذلك قوله تعالى : (( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصيرة )) .

ويفتى بأن القمر يقطع الفلك فى شهر ، والشمس لا تقطعه إلا فى اثنى عشر شهرا . ويفتى فى الطعومات وما يناسب منها وما لا يناسب . ويفتى فى مقدار المدة بين الأنبياء ، وفى عدد زوجات سليمان وسرياته الخ ، مما يدل على أن هؤلاء المفتين لا يحترمون للعلم اختصاصه .                              ٠٠٠

ثم كان الناس فارغين يبحثون فى أوهام ويتساءلون عما لا يمكن العلم أن يصل إليه ، ويتجادلون فى فروض ، ويضيعون أوقاتهم فيما لا ينبنى عليه فى الحياة عمل ؛ هم

يتساءلون : هل يجوز زواج الجن ؟ وهل يروى عنهم الحديث ؟ وهل خلقت الملائكة دفعة واحدة أو على دفعات ؟ وهل الجن تتشكل كالملائكة ؟ وهل الجن يموتون ؟ وهل كان إبليس عارفا بالله ثم سلب منه ذلك ؟ وهل يدخل مؤمنو الجن الجنة ؟ وهل الأفضل المشرق أو المغرب ؟ وهل تصح الصلاة خلف الجن ؟ وهل أذن للأنبياء أن يخرجوا من قبورهم ويتصرفوا فى الملكوت ؟ الخ

هذه عقليات فاشية بين المسلمين فى القرن العاشر ؛ ثم يجدوا فى الحياة جدا فهزلوا ، ولم يجدوا من ينير عقولهم فسخفوا ، وما زلنا إلى الآن نرث تركتهم المثقلة بالديون ، ويعانى المصلحون أشد العناء فى محو هذه الأوزار وإزالة هذه الآثار .

هذه بعض صور لما عثرت عليه فى هذه الفتاوى ؛ وقبل ذلك قرأت فى (( فتاوى ابن تيمية )) فوجدت فيها من الفوائد التاريخية ما لم أجده فى كتب التاريخ نفسها . أفلست ترى - بعد ذلك - أن هذه الفتاوى مصدر تاريخى هام لتأريخ الحياة الاجتماعية فى العصور المختلفة ، وأن المؤرخين لم ينصفوا فى إعمالها ؟

أحمد أمين

اشترك في نشرتنا البريدية