الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 323الرجوع إلى "الثقافة"

مصرع الدكتور أحمد ماهر باشا، يوم كيوم عمر

Share

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما ولي من أمور المسلمين أفضل الناس بعد صاحبيه سيرة وانقاهم صحيفة وأعدلهم حكما واحزمهم في رعاية حقوق الأمة رأيا وأبرهم بالناس وأشدهم شغلا بأمورهم واغفالا لأمور نفسه وذويه . وأشدهم ورعا وتعففا عن الدنيا ومفاتنها . سوى بين الناس وأيقظ في سياستهم رأيه وانام هواء ، فأمن الناس في ظل حكمه واطمأن الضعيف إلي حمايته وكبح المسرفون جماح أنفسهم خشية عدله الذي لا يفرق في الحق بين قوي وضعيف ؟ فكان عهده عهد أمن وعدل وخير وبركة ، وامتد بفضل هذا الروح النبيل الذي أشاعته سياسته العادلة في أمته ظل سلطانها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، وقويت شوكة دولته ونهج ولاته نهجه وساروا في الناس سيرته .

فلو حق لأحد أن يكافأ في حياته وفق عمله ويلقي من الناس جزاء نفعه لهم لكان هو احق الناس بذلك . ولكن ذلك كله لم يغن عنه شيئا ، ولم يحل دون امتداد يد أثيمة إليه اعتدت على حياته وعجلت ختام تلك السيرة الصالحة .

كذلك كان الدكتور أحمد ماهر باشا رئيس الوزراء السابق رجلا من المجاهدين السابقين عرف بصدق الوطنية وشدة الاخلاص لبلاده واشترك في النهضة الحديثة من فجرها ، وكان فيها علما بارزا وركنا قويا من الأركان التي قامت عليها دعائمها وولى الوزارة ورأس البرلمان ، فكان فيهما من أكفأ العالمين وأغزرهم انتاجا واظهرهم استقامة ونزاهة واشجعهم تصرفا وأحكمهم رأيا . وكان في الفترة القصيرة التى رأس فيها الحكومة ظاهر الحرص على

تغليب الروح القومي على النزعات الحزبية الضيقة شديد الاحترام للحرية ، لا يتعصب لرأي ولا يتبرم بنقد ، يفسح صدره لخصومه وانصاره على السواء ويحتكم فيما يقوم بينه وبين معارضيه من خلاف إلي المنطق السليم والحجج القويمة . وكان شجاعا صريحا ، يجهر بما يعتقد ولا يستتر وراء المداراة والإبهام . وكان عف اليد واللسان ، كريم الخلق ، صادق الوعد ، خالص الطوية ، لا يحمل الحقد ولا ينساق وراء العواطف الجامحة ، وكان عالي النفس لا ينزل إلي الصغائر ولا يحتمل الهوان زاهدا فيما يتهافت عليه طلاب الدنيا من أعراضها الزائلة وجاهها الكاذب . فلو كان أحد يستحق - ولا اعتراض على قضاء الله - أن يمد في عمره جزاء عمله وفضله لكان هو أولى الناس بالبقاء في هذه الأوقات التي عزت فيها مثل تلك الرجولة وقلت فيها مثل تلك الشمائل الكريمة . ولكن ارادة الله نافذة وقضاء الله غالب . وهكذا يشاء الحظ العائر أن يقوم غير مفتون بالاعتداء على تلك الحياة الغالية وأن تطوي سريعا تلك الصفحة الكريمة وتحرم البلاد من هذه المواهب السامية والأخلاق العالية

ولو ذهبنا نحلل الدوافع التي قامت برأس ذلك المجرم المفتون لم نجد ما يبرر قيامه بهذه الجريمة الشنعاء . إن كان قتله ليحول بينه وبين اعلان الحرب فما اقصره نظرا واسقمه تفكيرا ! فهل يظن ان قتل فرد يحول بين الامة وبين تنفيذ فكرة إذا اقتنعت بصوابها ؟ ولم يقتل هذا الرجل وهو لم ينفرد في هذا الامر برأيه ولم يدع احدا من ذوي الرأي والمكانة إلا استشاره ، ثم احتكم أخيرا إلى شيوخ الأمة ونوابها ولهم وحدهم الكلمة العليا في توجيه سياسة الأمة ؟ هل غابت كل هذه الاعتبارات عن القاتل الآثم يوم بيت هذه النية ؟ فان كان يجهل الظروف كلها فكيف استحل أن يقطع في الأمر برأيه قبل ان يتبين الحقيقة ويعرف الظروف ؟ .

إن أحسنا الظن لم نستطع أن نجد تعليلا لهذا التصرف الظالم الا أنه هوس غلب على أعصاب مختلة وعقل مضطرب تخيل ثم خال ، وانساق وراء أضاليل وترهات ملأت رأسه وأعمته عن الصواب ، أو هو انتحار حياة فاشلة أعجزها أن تدرك الشهرة والظهور عن طريق العمل النافع فاتجهت إلى هذا الطريق الخاطئ عن غير هدى ولا روية ابتغاء الشهرة المسرحية الممقوتة

هي إذا على أحسن الافتراضات جريمة تدل على خبل في الرأي واختلال في الحكم وسوء فهم للأمور ومقادير الرجال .

وهي جريمة تدل على موت وانعدام روح الانصاف ؟ فالمجرم ينصب من نفسه متهما وقاضيا وجلادا ، لا معقب لحكمه ، ولا يزعجه عن جريمته وازع من دين او رحمة ولا شعور بأي اعتبار انساني .

وهي جريمة تدل على الخسة والجبن يفاجيء فيها المجرم المسلح المتربص رجلا اعزل لم يستعد لمنازلة ولم يتوقع مهاجمة .

وهي جريمة تهدد الحرية وتهدد كرامة الرأي . فبدلا من أن تقرع الحجة بالحجة ويرد على الرأي بالرأي ، يعتمد كل مجرم نذل إلى ازاحة من يعارضه من طريقه ويفرض على الناس جميعا رأيه . وفي سبيل ماذا هذا كله ؟ في سبيل نزوة قامت برأسه سولت له أنه وحده على الحق وطوعت له الاعتداء والإجرام من أجل ذلك

كلا إنها فتنة يجب أن تقمع وحماقة يجب أن تستأصل جذورها حتى لا تنتقل في الناس عدواها

وأيا كانت الدوافع العميقة التى تبعث منها تلك الجريمة الخسيسة فلن نستطيع أن نخلى جو الخصومة الحادة القائمة بين الاحزاب في مصر من مسئولية غير مباشرة عن قيام مثل تلك النزعات الطائشة في رؤوس مختلي الأعصاب من

الشبان . ولعل هذه الحالة تدعو رجال الأحزاب لإعادة النظر في الأسلوب الذي يستعملونه في مجادلاتهم واللغة التي يعبرون بها عن آرائهم ويناقشون بها خصومهم إن كل خلاف بين الأحزاب لا يعدو ان يكون خلافا في الرأي والطريقة . ولن يشك عاقل في حسن نية رجال مصر وقادتها على اختلاف نزعاتهم . ولا يمكن ان يطعن طاعن في صدق وطنيتهم واخلاصهم جميعا للبلاد . ولكن الشباب عرضة لان يصل في فهم هذا الخلاف إلى اقصي الحدود ، وان يفسر العبارات الشديدة التي يتبادلها المتخاصمون على أنها غمز في الوطنية وتشكيك في الاخلاص . ولا يعلم إلا الله إلى اين ينتهى مثل هذا الفهم في بعض الرؤوس ولدي بعض الأعصاب . فلم لا نتقى الله في شبابنا ونجنبهم هذه الاتجاهات الهدامة الفاسدة ؟

لن يكون الدم الزكي الذي سفك دما مهدرا ولا الاستشهاد الكريم الذي حدث تضحية ضائعة إذا افدنا منه تعديلا في أساليبنا في الخصومة ورعاية للانصاف في تقدير أعمال خصومنا . ولعل الشدائد تذهب بالأحقاد والآحزان تغسل ما في الصدور من غل . ولعلنا نستيقظ بعد تلك الصدمة ونضيق من هول هذه الكارثه ليتقارب المتباعدون ويتعاون المتنافرون وخيرما نحيى به ذكري الراحل الكريم ونرضي  به روحه الطاهر في اعلي عليين ، ان نواصل نهجه الحكيم ونتم بناءه الذي وضع قواعده ونسير في معالجة الأمور بمثل روحه القومي وتسامحه الكبير وسعة صدره واحترامه لحرية الرأي وتقديره للحق اينما كان . رحمه الله رحمة واسعة وافسح له في جناته

اشترك في نشرتنا البريدية