تتردد في هذه الأيام في أوربا وأمريكا أصداء صيحات كثيرة ، تعبر عما في نفوس العالم من مشاعر قوية أثارتها هذه الحرب الطاحنة ، التي تدور رحاها في مشارق الأرض ومغاربها . فقد تكشفت أمام أعين الجميع ما تنطوي عليه النظم القائمة من عناصر الفساد ، تلك العناصر التي أدت بالإنسانية إلي هذا النضال الهائل الذي يكلف العالم من الضحايا ما لا يستطيع العقل أن يتصوره ، بعضها ضحايا من الأموال والجهود والموارد التي لا يسهل تعويض العالم عنها ، والبعض الآخر ضحايا عزيزة من النفوس البشرية التي لا تقوم بالأموال ولا بموارد الأرض كلها .
وهذه الصيحات لا تخلو من نبرات الأنغام الحزينة ، التى تعبر عن الآلام المبرحة التي تقاسيها الإنسانية المعذبة
من الكوارث التي جرتها على الأمم عناصر الشر الكامنة في بعض النظم ، وفي بعض الثقافات ، وفي كثير من أساليب السياسة الدولية . ولكن هذه الصيحات لا تخلو كذلك من أنغام أخري مستبشرة ، تعبر عن الآمال الكبرى التي تعلقها الشعوب المتمدينة على النظم الجديدة ، التي لا مناص من إقامتها بعد أن تضع هذه الحرب الطاحنة أوزارها ، وتنتصر قوي الحق المجاهد على عواصف الطغيان الجامحة التي لا تعترف إلا بالحديد والنار ، ولا تعرف في الوجود قانونا سوي قانون الغابة - قانون القوة والبطش والافتراس .
وإنه لمما يملأ القلوب ثقة بالمستقبل أن السحب المظلمة . التى كانت تلبد الأفق كله منذ سنتين ، قد أخذت تتفرق
رويدا رويدا ، ويلوح من بينها لون السماء الأزرق الصافي ، وأن الأعاصير العاصفة التى كانت تهز دعائم العالم قد أخذت تخبو وتضمحل ، ولم تستطع أن تقتلع تلك الدعائم المتينة التى بنتها الإنسانية على مدى قرون طويلة من جهاد ونضال وتفكير وتصميم .
لقد تنبه ذهن العالم عندما هزته هذه الحرب ، وجعل بنظر ويفحص ويتأمل . ولا شك في أن المحن تحمل دائما على مقابلة الحقائق في صراحة وشجاعة ، لأن الأمم التي تجالد في وجه الموت لا تستطيع أن تغرر بنفسها وتخادعها ، وتداري عنها الحقائق مهما بلغت من القسوة ، لأنها تعلم علم اليقين أن الآلام المبرحة التى تقاسيها اليوم في جهادها ، ليست سوي نتيجة محتومة لعدم جرأتها في مواجهة تلك الحقائق من قبل في صراحة وشجاعة
فهناك سيل قوي من التفكير في مختلف مبادئ الحياة ، وسيل من الكتب التي ألفها قادة الفكر في أوربا وأمريكا ليعالجوا ما في النظم القائمة من عناصر الضعف ، وليرسموا الخطط لنظام إنساني جديد ، يطلع على العالم ويحقق له أعظم قسط مما يصبو إليه من المثل العليا الإنسانية
ونحن في مصر في قلب العالم المتمدين كله ، وقد قاسمنا الأمم المتمدينة حظها من المشقة ، وشاطرناها آلامها وآمالها ، وقمنا بجهدنا كله في سبيل نصرتها . لم تكن مصر بمنجاة من هذه الحرب ، وما كان لها أن تكون بمنجاة منها ، وهي بحكم موقعها الحغرافي وعلاقاتها الدولية واقفة في قلب ميدان المعمعة العامة . فكان عمالها يعملون كما يعمل العمال الإنجليز والأمريكان في بلادهم ، وفي خارج بلادهم ، في الميدان الداخلي الذي لا يقل في خطورته عن ميدان جبهة القتال ؛ وكانت مصر تجود لحلفائها عن رضا وطواعية بكل ما تملك من وسائل النصر؛ من مواصلات وموان ومؤن ومستشفيات ، وتؤدي كل ما تستطيعه من المساعدة على إحراز النصر
صادرة في ذلك عن روح الولاء لمعاهدتها التي أبرمتها مع حليفتها ، لم تأل في ذلك جهدا ، وهي راضية بكل ما يجره هذا عليها من المشقة ، لأنها تقدر وتدرك أن مستقبلها الذي تتطلع إليه مرتبط بانتصار مبادئ الديمقراطية التي تكفل للإنسان حقوقه الطبيعية في الحرية الإنسانية ، وتكفل للأمم كرامتها واستقلالها . وقد أظهر الشعب المصري في أشد أوقات الخطر ثباتا وإخلاصا للشرف ، لا يستطيع أحد أن ينكر سموهما ، ولم يتردد المنصفون من كبار ساسة الأمم المتحالفة وزعمائها في أن يجاهروا بإعجابهم بذلك الموقف النبيل الذي وقفه شعب مصر . فنحن نتطلع إلى ذلك اليوم السعيد الذي يعود فيه السلام بعد انتصار مبادئ الحق والعدالة الإنسانية ، مطمئنين إلي يقيننا في أن المستقبل سيحقق لنا ما كنا نصبو إليه دائما من الحياة الكريمة في ظل استقلالنا المكفول بالمعاهدة . فليس من الغريب إذن أن تتردد في قلوب هذا الشعب المصري كل صيحات المفكرين في أوربا وأمريكا ، وأن تجيش في أعماق قلوبه أصداء تلك الآلام التى تعانيها البشرية ، وتلك الأمال التي تتطلع إليها شعوب العالم المتمدن جميعا .
فنحن نردد هذه الأصداء لأنفسنا في خلواتنا ، وفي مجامعنا ، وعلى صفحات جرائدنا ، وإن كان مفكرونا لم ينطقوا بها في سيل من المؤلفات يشبه ما صدر عن أوربا وأمريكا .
نحن على بقين من أن المفكرين والزعماء ورجال الحكم والسياسة العملية في مصر يعرفون حقيقة الموقف ، ويتخذون له اهبة من الاستعداد النفسي والذهني ولكنا لا نزال نتطلع إلي التعبير الصريح عن كل ما في نفوسنا ، ولا نزال نرجو أن تتهيأ لنا صورة واضحة من موقفنا في الوقت الحاضر ، ومن مآلنا في المستقبل بعد تمام النصر ؛ لا نزال نتطلع إلي تجلية الصورة التي سيكون
عليها موضعنا في النظام الجديد الذي سيشمل العالم كله بعد حين ، محققا تلك المبادئ العليا التي تبذل مصر جهدها مع الإنسانية في سبيل انتصارها . حقا إن العالم لم يفرغ بعد من جهاده ، ولم تخطر له بعد فكرة السلام ، لأنه لا يزال في قلب المعمعة ، ولا يزال همه الأكبر بلوغ الهدف الأوحد وهو النصر ، ولكن ذلك الجهاد الشاق لم يشغله عن التفكير في الغد ، وما يكون فيه من تعمير وتنظيم وإصلاح شامل .
وجدير بنا أن نعد عدتنا منذ الآن لرسم خطط حياتنا في المستقبل ، حتى نكون على استعداد لمشاركة الإنسانية في بنائها إذا ما حان وقت إقامة النظام الحديد .
لقد مرت بمصر تجربة سابقة في الحرب الماضية ، ونرجو أن نكون قد أفدنا من تلك التجربة درسا يحمينا مما رقعنا فيه من الأخطاء منذ ربع قرن ؛ فقد أغفلنا في تلك الحرب ما كان يجب ألا نغفل عنه ، وهو مقابلة الحقائق في صراحة وشجاعة ، وإعداد العدة للمستقبل بتحديد مقاصدنا ووسائلنا ، ورسم الصورة التي نرجو أن تكون عليها بلادنا ، وقنعنا بما كان في نفوسنا من آلام وآمال مبهمة ، فلما انتهت الحرب وجاء وقت التنظيم لم تكن لنا خطة واضحة فيما نريد ، ولا في الوسائل التي نسلكها للوصول إلي أغراضنا ؛ ولذلك لم نستطع أن نتجنب صدمات المفاجأة ، فلما بدأ زعماؤنا يتحدثون ويعربون عن أماني البلاد لم تكن النفوس مستعدة للتفكير في هدوء واطمئنان ، وحدثت النتيجة المحتومة ، وهي التصادم بين وجهات النظر المختلفة ، وكان ذلك التصادم سببا في كثير من النكبات ، كما أنه أدى إلي إضاعة سنوات عدة في نضال وكفاح قبل أن نستطيع الوصول إلي التفاهم وتلافي وجهات النظر المختلفة . ولو كنا قد صارحنا أنفسنا وصارحنا سوانا بكل ذات أنفسنا ، لما كان هناك موضع للمفاجأة بعد الحرب ، ولكنا استطعنا الوصول إلي
التفاهم في يسر طبيعي ، لأن المسألة المصرية ليست من المشاكل المعقدة في شيء ، إذا نظر إليها نظرة عادلة .
إننا نعتقد أن موقف مصر ليس فيه شيء من التعقيد ، فان نظرة واحدة إلى ماضينا وحاضرنا تكفي لكي تزيل كل شبهة تحيط بمستقبلنا ، فمصر في حاضرها وفي ماضيها أمة جديرة بالحياة الكريمة المستقلة . فهي في ماضيها ذات ثروة من الفضل على العالم كله ، فقد أمدته بأساس ثقافاته ، وقامت على نشر المدنية فترة آلاف السنين على الأمم كلها ؛ وشعب مصر كان ولا يزال شعبا عاملا مجدا ، يقدم إلى الإنسانية خدمات جليلة لا تستطيع الاستغناء عنها . وهو يستطيع أن يؤدي إلي عالم الغد خدمات جليلة أخري أعظم قدرا وأجل شأنا مما سبق له تأديته في كل العصور الماضية .
فمصر في قلب العالم بغير شك ، ولا غني للعالم كله عن سواحلها وقناة سويسها في حركة الملاحة التي ستزداد قوة وخطورة في السنوات المقبلة بعد الحرب . وجو مصر الصافي وصحراؤها الفسيحة تجعل فيها أعظم مركز جوي يربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب لكل أمم الأرض ؛ وشعب مصر العامل ما بين فلاح وصانع يبرهن كل يوم على أنه قوة عظيمة في الإنتاج ، ويستطيع أن يسابر أمم الأرض في توفير الخيرات وتحقيق السلام ؛ وسماحة نفوس أهل مصر لا تزيد عليها سماحة نفوس أعظم الأمم الغربية ، إذا لم نقل إنه لا يدانيهم شعب في هذه السماجة ، فقد كانت الدولة المصرية في كل العصور ملجأ آمنا للقاصدين ، ومنزلا رحبا لجهود أصحاب الذكاء والهمة من أبناء الأمم الأخرى ، تفتح ذراعيها لمشروعاتهم ، وتظلهم بعطفها وكرم وفادتها . ولم يخرج شعبها عن هذه السماحة في عصر من العصور ، فكان ولا يزال يرحب بالنزلاء ويتعاون معهم ، مع أنه قد مرت به أوقات قاسي فيها الشدائد والمحن علي أيدي
البعض من الخبثاء من هؤلاء النزلاء ، الذين لم يقابلوا كرم المصري بمثله ، بل جازوه سوءا وظلما ومكرا سيئا بكرمه ورحابة صدره ولين جانبه وتسامحه . هذه الميزات كلها وسواها مما لا يقع تحت حصر تزيل كل شبهة تحيط بمستقبلنا ؛ فمصر أمة صالحة فيها كل عناصر الصلاح للتعاون العالمي ؛ ودولة مصر المستقلة دولة عرفت كيف تحفظ شرفها وكيف تشارك في توجيه مستقبل الإنسانية نحو الكرامة والحرية .
وإنه ليجدر بنا أن نبدأ بالهدف الأول الذي يهمنا فنظهره صريحا لأنفسنا ولسوانا . ذلك الهدف هو أن ننظر في علاقتنا مع حليفتنا فنزيل منها كل لبس ، ونضعها وضعا جديدا تقتضيه طبيعة الأمور . فقد قامت المعاهدة المصرية الإنجليزية على أساس افتراض مسلم به ، وهو أن هناك خطرا من اعتداء بعض الدول عليها . ولكن العالم سيكون بعد الحرب غير عالم الأمس ، هذا لا شك فيه ، وإنا نرجو بل نكاد نتأكد من أن تغييرا جوهريا سيطرأ عليه . وذلك أنه لن تكون العلاقات بين الدول قائمة على الفوضي وقانون الغابة ، بل ستكون العلاقات فيما بينها على مواثيق إنسانية قوية مثل ) ميثاق الأطلنتيق ( وسيكون للدول مجتمعة هيمنة فعلية علي تنظيم تلك العلاقات وإحاطتها بمنابتها ، فلن يكون هناك خطر من اعتداء قوي علي ضعيف ، أو استغلال موارد شعب وحرمانه من حق الحياة في سبيل إتخام شعب آخر وتوفير وسائل الترف له .
ومصر بلاد لا تقاس ثروتها الطبيعية بشيء من تلك الثروات الهائلة التي كشفت عنها هذه الحرب في البلاد الأخرى . فنحن نلتمس الكفاف من العيش ، كشعب مزدحم ، بوسيلة العمل المتصل والجهاد المستمر للحياة . إن شعب مصر يكسب قوته بنشاطه وذكائه وقوة احتماله . ولذلك كانت أبسط قواعد العدالة الإنسانية أن يعترف له بحقه كاملا في حياته ، ويترك لجهاده السلمي ليشارك في مبادلة
دول العالم خدمات بخدمات مثلها . هذا أقل ما يجب لشعب عامل يعتمد في الحياة على أشرف وسيلة ، وهي عرق الجبين . فما دامت مصر ستصبح بعد هذه الحرب في مأمن من المطامع الخارجية بفضل النظام الدولي الجديد ، فليس شيء أقرب إلي الطبيعة من أن يعاد النظر في المعاهدة التي عقدت مع حليفتها ، لأن تلك المعاهدة قد تمت في ظروف كانت فيها المخاوف ثائرة من الأطماع الوحشية التي كانت تجتاح العلاقات الدولية قبل سنة 1939
هذا هو هدفنا الأول الذي يجب أن نصارح أنفسنا به ونصارح به حلفاءنا . وأملنا كبير في أن ما دلت عليه الحوادث السالفة من حسن النية والإخلاص نحو معاهدتنا سيكون أكبر عون لنا على الوصول إلي تفاهم سريع يطمئن إليه الجميع

