من الواضح ان الحرب الحاضرة صراع بين نوعين من التربية ؛ التربية الديمقراطية والتربية الدكتورية . وتدل قرائن الأحوال وسير الامور علي ان أولاهما ستخرج ظافرة
وهناك خطط ترسم من الآن لطبع الجيل الجديد في معظم بلاد العالم على الاساس الديمقراطي . ومن الراجح ان هذه الخطط ستصادف رواجا ونجاحا ؛ فالإنسانية كلها من غير شك متجهة في تقدمها إلي الحياة الديمقراطية التي تقوم على التعاون الحر . وقد برزت الحربان العالميتان - الماضية والحاضرة - إلي الصف الاول من الاهمية فكرة اخري متبعة الديمقراطية ، بل نتيجة لازمة لها هي فكرة المواطنة العالمية World Citizenship وأخذ دعاة الإصلاح وعلماء التربية والاجتماع يناقشون هذه الفكرة في نواحيها التطبيقية ، ويكشفون عن نوع الوفاق - التعارض - بينها وبين مبدأ القومية .
هذان هدفان بدأت تنكشف عنهما اتجاهات التربية العالمية بعد الحرب ، فما هو موقف مصر منهما ؟ وإلى اي حد ينبغى ان تعدل خطط الدراسة وروح المناهج عندنا لتوصل إليهما ؟ ثم ما صلتهما بمشروع الوحدة العربية الذي سار في طريق النجاح خطوات موفقة ؟
إن مصر - بحكم مستواها الثقافي ، ومركزها الجغرافي ، والدور الذي لعبته في الحرب الحاضرة ، والدور الذي ستلعبه في بناء السلام بعد الحرب ، لا تستطيع - ولا ينبغي لها - أن تتخلف عن قافلة الأمم الراقية في سيرها ؛ ومنطق الحوادث الحاضرة يحتم عليها ان تخرج بتفكيرها عن دائرة القومية الضيقة
صحيح أن الدعوة إلي السلام العام قد لا تنطبق والسياسة العملية لبعض الدول الحاضرة وان الأمم الصغيرة يجب ان نحتاط ضد ما قد يخبئه الأيام من نبات الدول الكبيرة . وصحيح أن بناء الاستقلال المصري لا يزال في حاجة إلي الدعم والنقيت ، واننا لا زال بعد في مستهل المرحلة القومية من تطورنا السياسي . ولكن الوضع الدولي لمصر قد تحدد بما لا سبيل إلي النكوص فيه : فهي دولة مستقلة ذات سيادة ، وقد بدات حياتها المستقلة على نظام الشورى
وإذا فمصر - من حيث الهدف الأول من أهداف التريبة الجديدة ، وهو الديمقراطية - مستعدة لأن تحتفظ بمكانتها بين الأمم وتساير التفكير الجديد . غير أنه لا يزال عليها أن تتعهد الحياة الديمقراطية فيها بما يكمل بناءها ؛ فلكى يصبح الشعب ديمقراطيا حقا يجب ان يتعلم كله ، وأن يتحرر من رق الفاقة والذلة ، ويجب أن تقوم الحياة عندنا على أسس ثابتة من الحرية والكرامة والتعاون الصحيح ، وان تزول من كثير من الأذهان فكرة محكم الكبير في الصغير ، وفكرة ثورة الصغير ضد الكبير ، وان تفهم كل هيئة من الهيئات المعني الحق للديمقراطية فتقوم على رعاية الحقوق ، والاضطلاع بالمسؤوليات ، والتزام جادة النقد المثمر ، وإدراك السلة على حقيقتها بين الفرد والدولة ، وبين الحاكم والمحكوم ، وبين المواطن والمواطن
كل هذه نواح يجب أن يكون لها اعتبارها في خطط التعليم ، وفي عوامل التربية المختلفة من صحافة وادب وخيالة وإذاعة وغيرها . وتعهد هذه النواحي يحقق الفرضين معا : يخلق للوطن افرادا شاعرين بكرامهم مستعدين للتضحية
في سبيل بلادهم ، ويجعل من المواطنين المصريين أفرادا ديمقراطيين حقا ، يستطيعون ان يتماونوا وغيرهم من ابناء الأوطان الأخرى ، ويقوموا بنصيبهم في جهود العالمية المشتركة . وإذا فبناء الاستقلال القومي ، وتمكين الديمقراطية الوطنية هما طريق مصر الأول إلى المساهمة في المواطنة العالمية وليس هناك من شك في اننا قد خطونا خطوة واسعة في هذه السبيل بجهودنا في بناء ميثاق الجامعة العربية التي يصح اعتبارها المرحلة الوسطى لامم العرب بين القومية والعالمية ؛ فهي في الواقع قومية واسعة أو عالمية ضيقة ؛ لابد أن تؤتي ثمارها المرجوة قريبا .
إن عالم ما بعد الحرب سيقوم - كما يبدو - على مجموعات من الأمم بدأت تتميز معالمها منذ الآن : فهناك مجموعة الولايات الأمريكية ، واتحاد الجمهوريات السوفيتية ، وشعوب الإمبراطورية البريطانية ؛ وربما تمخضت الحرب من نوع مشابه لهذه من كثير من دول اوربا بعد تحريرها ؛ فقيام الجامعة العربية - إذا - خطوة مسابرة للاتجاه العالي الجديد ، وهي حلة لابد منها في طريق مساهمة الشرق في فكرة العالمية . ولا ريب في أن الشرق العربي مستعد الآن لهذه المرحلة لتوافر عوامل فيه ، لعل أهمها ثلاثة : الأول النهضة الحديثة في كل قطر عربي ، وحرصه علي استقلاله ، وأخذه بنصيب من الحياة الديمقراطية . والثاني اشتراك الجميع في لغة واحدة فصيحة غنية تماضها وبثرونها الأدبية والفكرية ، والثالث الثقافة الإسلامية العامة التي طبعت جمهرة هذه الأمم منذ القدم بطابع الإخاء ، ونشآتهم على اعتبار كل الأقاليم الإسلامية وطنا المسلم .
هذه العوامل الثلاثة اخص مقومات النهضة العربية المشتركة ؛ وهي لهذا تتطلب عناية خاصة ، وتستلزم ان تحاط بضروب من الضمانات حتى لا تتعرض للتصدع الانهيار ؛ فكما يجب ان يقوم بناء الأمة الواحدة على مواطنين أقوياء مستقلين متعاونين ، كذلك يجب أن يقوم بناء الجامعة العربية على وحدات قوية مستقلة متساوية ،
وكل ثغرة تترك للحد من حرية أي وحدة من هذه الوحدات ، أو للاعتداء على كيانها واستقلالها ، تضعف من بناء الجامعة وتعرضه لشتى الأخطار . وما دامت اللغة العربية الفصحى دعامة من اهم دعائم هذا البناء فمن حسن السياسة لمستقبل الأمم العربية أن يحرص عليها ، وان يراعى - في كل ما يقترح من تبسيط نحوها وتيسير كتابها - ذلك الإرث المشترك بين الناطقين بالضاد .
إن علماء الغربية والنفس يفيهوننا إلي أن هناك بعض نواح سيكلوجية لا بد من العناية بها في تربية المواطن الصالح تربية واسعة الأفق غير مقصورة علي الدائرة القومية الضيقة ؛ ذلك أن تحرص المدرسة على تنمية روح التعاطف في الناشئين حتى يحسوا بما يحس به رفاقهم في البيئة الواسعة ، وان يخلق عندهم نوعا من المران في التعاون الحر بما نهئ لهم من الفرض ، وان تعمل على أن يكون التماطف والتعاون عادتين محبوبتين عندهم عاخوطهما به من نواعت تقوي الرغبة فيهما والحماسة لهما . ونحن إذا نظرنا إلي المجتمع العربي من حيث هذه النواحي النفسانية ايقنا ان مهمة العربي في إعداد المواطن العربي ستكون سهلة مدسرة ، فلن يكد الدرس في المدرسة العراقية أو المصرية - مثلا - في خلق عاطفة الحب عند التلميذ للوطن العربي الاكبر ، ولن يحتاج إلي بذل كثير من الجهد في تنمية التعاون والمشاركة الوجدانية في أبناء هذه الأقطار الشقيقة
وإذا اتفقنا على ان تكون الديقراطية هي الروح الذي يوجه جهودنا في التربية الجديدة ، وعلى ان يكون هدفنا الأخير تربية المواطن الاجتماعي الصالح الذي يعمل لمصر وللعالم العربي ، ثم للانسانية جميعا ، وجب ان ننظر بهذا الروح من جديد إلى موضوعات الدراسة ومناهجها في مدارسنا ومعاهدنا : فالتربية الوطنية - مثلا - كانت حتى الآن مجمل همها إعداد المواطن القوي الصالح . ولكن ظروف الحياة الجديدة تحتم علينا أن نوسع في
آفاقها حتى نتجاوز بناشئتنا حدود القومية المصرية إلي ميدان الوطن العربي الا كبر ، يدرسون أهله ونظمه وحياته السياسية كما درسوا مصر ، ويتسع المجال أمامهم الفهم أشكال الحكم من ملكية وجمهورية وغيرهما ويوازنون بين نواحي التشريع والتنظيم في هذه الأفكار ، واضعين كل نظام في مكانه من تاريخ الأمة وتقاليدها وخصائصها النفسانية ، وطرائق حياتها ، وصلاتها بالعالم الخارجي ، مدركين عناصر الاشتراك في حياة تلك الأمم مقدرين ما تفيده من تعاونها وتبادل المصالح بينها . حتى إذا ما أتموا تلك المرحلة كانوا علي استعداد لأن يدرسوا الأنظمة الدولية من سياسية وثقافية واقتصادية وغيرها ، ويدركوا تشابك المصالح بين امم العالم ، وتوقف سعادة كل منها على سعادة الاخري ، وما جرته ويجره الحروب التى تثيرها شهوة التوسع والتملك من دمار وشقاء ، وما يمكن ان تنعم كل أمم الأرض من رخاء إذا حرصت على السلام ووجهت مجهل إلي الإصلاح والبناء
كذلك الأدب إذا أحسن اختياره ودرسه امكن - بجانب تربيته للذوق الفني ، وزيادته في ثقافة الفرد ومعارفه عن الأشخاص والأشياء - أن يمد الناشئ بأمثلة من البطولة والتضحية والإيثار تحبسها إليه ، وان يعرض عليه من أوصاف الحروب ونتائجها وشرورها ما ينفره منها ، ومن ثمرات السلام والتعاون والإخاء الإنساني ما يحذبه للتعلق بأهدابها .
إن اغراض الأدب كثيرة ، ومظاهره متعددة ، ولكل منها مكانه الذي يحسن استعماله فيه . ولكن همنا الأول هنا ان ننشئ مواطنا على حب الوطن وحب الإنسانية وحب السلام ؛ فطبيعي إذا أن يكون من بين نماذج الادب التي تحرص عليها نماذج تعين على تحقيق هذه الأهداف ، وعلى الأخص مما يعرض صورا حقيقية من الحروب وفظائعها ، ومن حل المشكلات بالطرق السلمية ، ومما يصور نتائج التعصب وضيق الافق ، ومما
يحلو صورة مشرعة بالعطف من حياة الشعوب الآخر وعاداتها وفلسفاتها ومعضلاتها ، وادبنا في قديمه وحديثه خصب غني في هذه النواحي . فالقرآن حافل بروائع الآيات في الشورى والجهاد ، ولين الجانب مع الناس : وحسن الأدب في الاجتماع . وسفن الرسول وعهوده وخطب الخلفاء الراشدين وسيرهم مثل عالية في ديمقراطية الراعي مع رعبته ، وعدله بين قويها وضعيفها ، وتقريره أصول العدالة والإنصاف بين افرادها . والشعر العربي أروع ما يكون في أبواب الحماسة والإباء ونصرة الضعيف وحماية الذمار وتضامن المجموع ؛ وفيه قصائد نص فيما تريده من تصوير أهوال الحروب ومشكلاتها ، وجلال السلم ونعمته ؛ وحتي الشعر الذي يمجد الحروب ويخلد أيامها ، يعطي الدرس فرصة تغتم في الموازنة بين حروب العصور الماضية وفروسينها ، وحروب العصر الحديث ووحشيتها ووقوع آثارها على غير المحاربين .
ومن شعرائنا الحديثين من صوروا عواطف العروبة وتقنوا ببطولتها وجمال حواضرها ، والحان الامها ؟ ومن كتابنا من تناولوا عبقريات العروبة والإسلام ، وجلوا تاريخ زعماء الإصلاح الحديث ونقلوا كثيرا من منتجات الفكر الأجنبي إلي اللسان العرب .
هذه كلها نماذج في متناول المدرس الحديث ، وفيها وفيها شابهها عون على تحقيق ما تتجه إليه الإنسانية اليوم من التمكين للديمقراطية ومن نشر روح الإخاء العام .

