الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 186الرجوع إلى "الثقافة"

مصر والسودان، في أوائل عهد الاحتلال، كتاب جديد ألفه الأستاذ عبد الرحمن بك الرافعي

Share

في التعريف بالكتاب يقول المؤلف بمطلع المقدمة : " يشتمل هذا الكتاب على تاريخ مصر القومي مدى عشر سنوات ، من سنة ١٨٨٢ إلى سنة ١٨٩٢ ، وهي السنوات الأولى للاحتلال " . وقد قسم مؤلفه هذا اثني عشر قسما أو فصلا أردفها بفصل ثالث عشر أفرده للوثائق التاريخية الهامة المرتبطة بالكتاب .

والكتاب من مؤلفه لا يستغرب ، فهو حلقة من سلسلة تأريخ الحركة القومية المصرية الذي اضطلع الرجل بعبئـه المرهق ، وهو مظهر للروح الذي نعرف من الرجل ، والذي ينتظم بقية حلقات هذه السلسلة الذهبية ، بل ينتظم كذلك مؤلفاته الثلاثة الخارجة عن هذه السلسلة كما تنيء عنواناتـها وهي : " حقوق الشعب " و " الجمعيات

الوطنية " و"نقابات التعاون الزراعية " ؛ فليس الروح الغالب علي هذا الكتاب الجديد إلا روح الدفاع العلمي التاريخي ، المستند في الوقت عينه إلي عاطفة صادقة ، عن حقوق الشعب المصري في شئونه الداخلية والخارجية ، وعن مصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، دفاعا موظفاً بالتوجيه الاصلاحي المؤثر .

وليس في مقدوري أن ألخص الكتاب ، ولا أن أحصى المواضع التي اثارتني إثارة خاصة لهذا السبب أو ذاك ، ولكني أحاول الوقوف عند بعض المواضع وقفات لب تنجو من عيوب العجلة .

                   -1-                                                                                                                               تزدحم صفحات الكتاب بمعلومات تاريخية في الدرجة الأولى من الأهمية علمياً ووطنياً أو وطنياً وعلمياً ، ومع ذلك فاني أسجل على نفسي الجهل بكثير منها ، ولو كان شركائـي في هذا الجهل قلائل لهان الخطب ، ولكنه مع الأسف الشديد غير هين ، فقد آن إذاً أن نخض برامجنا التعليمية خضاً عنيفاً ، وآن إذاً أن نزيد عنايتنا في معاهدنا بالتاريخ القومي الحديث .

إنني أختار هذه الأمثال أسردها سرداً : ١ - " يرجع إنشاء المحاكم الأهلية إلي عهد وزارة شريف باشا الثالثة ، قبل الاحتلال ، ففي ١٧ نوفمبر سنة ١٨٨١ ، صدر القانون المعروف بلائحة ترتيب المحا كم الأهلية ، وهي تتضمن معظم القواعد العامة للنظام القضائي الحالي ، ومنها . إنشاء محكمة ابتدائية في كل من مصر والإسكندرية ، وفي كل مديرية من الوجه البحري والقبلي وفي السودان وباقي ملحقات الحكومة المصرية ، وإنشاء محاكم جزئية . . ومحكمتين استئنافيتين بمصر وأسيوط ومحكمة نقض وإبرام بالقاهرة . . . ؛ ومنها عدم جواز عزل قضاة المحاكم ، إنما يكون للحكومة حق استبدال من تري فيه عدم اللياقة والاستعداد في أثناء السنوات الثلاث

الأولى من تاريخ تعيينه ، وعدم نقل القضاة من محكمة إلي اخري إلا برضاهم وبمقتضي أمر يصدر من الحضرة الخديوية بناء على طلب وزير الحقانية وبعد أخذ رأي محكمة النقض والابرام " ( ص ٥٧ و ٥٨ ) .

ب - " كان التعليم إلي سنة ١٨٨٢ مجانياً في أقسامه الثلاثة : الابتدائـي والثانوي والعالي ، وكانت العلوم تدرس باللغة العربية إلا في مدرسة الحقوق . "( ص ٢٠٣ و ٢٠٤ ) .

ج - اشتهر موقف شريف باشا الوطني ، ولكن قليلا منا من يذكر نص استقالته ، ويعني بالناحية الدستورية الرائعة في قوله : " ولا يخفى أن هذه المقترحات مخالفة لفحوي النظامات الشورية الصادرة في ٢٨ أغسطس سنة ١٨٧٨ التي نص فيها على أن الخديوي يجري أحكام البلاد باشتراكه مع النظار ، فبناءً على ذلك نضطر هنا إلي أن نطلب من مقامكم العالي أن تقبلوا استعفاءنا لأنه لا يمكن لنا والحالة هذه أن ندير البلاد على أصول شورية " ( ص ١٢٥ و ١٢٦ ) .

د - كان وزير الداخلية في وزارة نوبار التي خلفت وزارة شريف باشا ، رجلا يسمي محمد باشا ثابت ؛ وكان وكيله رجلا يسمي كليفورد لويد ، فاستقال الأول غير محتمل غطرسة الثاني وعدم اعتداده بسلطة الوزير ، وقال في كتاب استقالته : " إني قبلت الانتظام في هيئة الحكومة تحت رئاسة دولتكم ، على أمل أن أقوم بخدمة وطنى  العزيز الذي نشأت فيه وربيت ، ولكني بالنظر للأسباب التي أوضحتها شفاهاً لدولتكم رأيت أن آمالي قد حبطت وان ليس في الإمكان تحقيقها ، لا في الحال ولا في الاستقبال ، وفضلا عن ذلك علمت من قرائن الأحوال ، أن ليس في وسعي المحافظة على شرف المصلحة فيما بعد . " ( ص ١٧٨ ) .

ه - وهذا الوكيل نفسه يذيع عنه أنه يعذب المسجونين في سجونـهم ؛ ويحاول النائب العام مستر مكسويل تحقيق هذه الاشاعة ، فيمنع بأمر هذا الوكيل من دخول السجن ( ص ١٧٩ ).

و - النزاع الدبلوماسي الفرنسي- المصرى  بسبب إغلاق الصحيفة الفرنسية المسماة ( البوسفور أجبسيان ) ص ١٨٤-١٨٦

ز- ميثاق النزاهة الذي امضاه سفراء انجلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا والمجر والروسيا وإيطاليا ( ص ٢٤٥ )

 ح - الإشادة ببطولة الأبطال من أمثال عبد القادر باشا حلمي ومحمد بك توفيق ( ص ١٢٧ ثم ١٣٧).

                    - 2-                                                                                                                         ويمضى المؤلف في كتابه فتحس بتوجيهاته الوطنية والاجتماعية والاقتصادية الطيبة ، دون أن يطيل هو الضرب على هذه النغمات ، لأن إشارته قوية على إيجازها ، او لأن الحادثة المروية هي في ذاتها أقوى من أن تفتقر إلي كلام . وهنا أيضا أسرد الأمثال :

أ - يقول المؤلف في تصوير الوطنية وعلاقتها بالفضائل :

" وهبط مستوي الوطنية في النفوس هبوطاً كبيراً ظهر أثره على مدى السنين ، وتحللت الأخلاق والفضائل ، ففسدت النفوس ، والتوت الضمائر ، وفشا الجبن والنفاق ، والذل والرياء ، وعمت النفعية والأنانية ، وتضاءل الخير ، وقل البر والعطف والإحسان ، ونقص الوفاء والأخلاص ، وانعدمت الكرامة والمروءة ، ولا غرابة في هذه النتائج ، فالنفوس إذا فقدت الوطنية ،

فقدت معها الأخلاق الكريمة ، لان الوطنية ، إلى جانب الدين ، منبع الأخلاق والفضائل " ( ص ١٩٨ ) . ب - ينوه المؤلف في مرارة بانتشار الربا " انتشاراً

ذريعاً " ثم يقول : " وساعد علي ذيوعه ما فطر عليه معظم الطبقات من قصر النظر ، وعدم تقدير العواقب ، وحب الظهور والأسراف ، ووجد المرابون من هذا الضعف ، ومن النظم والقوانين ، ورعاية المحاكم المختلطة ، ما جعلهم يتغلغلون في مختلف الأوساط ، في العواصم والبنادر الخ " ( ص ٢١٥) .

ثم يومئ في الصفحة التالية إلي حديث للأمير حسين كامل عن الفلاح ، قال فيه : " وهو لكى يسد حاجات زراعته في مواعيدها مضطر دائما إلى الاستدانة بالربا الفاحش " .

وهذا الالتفات مفهوم جيدا من مؤلف " نقابات التعاون الزراعية " وصديق المرحوم الأستاذ عمر بك لطفى .

ج - يقول المؤلف في شرح أسباب الثورة المهدية : " لقد كانوا - يريد حكام السودان - خليطاً من الترك والشراكسة أو المصريين ، وكانوا كلهم سواءً في إرهاق الأهلين ؛ هذه حقيقة قد نشعر بالمرارة إذ نقررها ، ولكنها الحقيقة الواقعة التي لا يجوز أن نتجاهلها ، بل علينا أن نعترف بـها ، وأن نستخلص العبرة منها ، فلو أن كل موظف مصري يشعر بأن عليه واجباً قوميا لمنصبه وبلاده ، ويؤدي هذا الواجب بأمانة واستقامة ، لكان ذلك من عوامل عظمة مصر وسعادتـها " ( ص ٩٨ ) .

- 3-                                                                                                                          ومن فضائل الكتاب امتلاؤه بعشرات النصوص الهامة خلال بحوثه ، فضلا عن الوثائق الكاملة التي أفرد لها الفصل الأخير . ولقد سلفت إشارة إلي نص استقالة شريف باشا ، ونص استقالة محمد باشا ثابت ، فلأضف على سبيل التمثيل نص إقالة الخديوي توفيق لوزارة نوبار باشا ( ص ١٨٧ ) ونص الخطبة الافتتاحية لأول جمعية عامة

لقضاة محكمة الاستئناف ، تلك الخطبة التي ألقاها رئيسها إسماعيل باشا يسري ، وسجل فيها هذه الكلمة او الحكمة : " سادتي : لا تحسبن الظلم منحصراً في أخذ المال من يد مالكه بغير حق ، بل يعم من لم يستخلصه من يد الظالم ، ويرده المستحق ؛ فالتعاون على إقامة الحق من أعظم الواجبات ، وإنصاف المظلوم من الظالم من ألزم الحقوق ، قد اجتمعنا للشروع بما نيط بنا من هذا العمل الجسيم ، فعلينا أن نتعاضد على إنجازه على الوجه المستقيم " (ص ٦٦).

-4-                                                                                                                                          وإذا جاز لي أن أختم كلمتي بإبداء بعض ملاحظات فاني أسجل ما يأتي راجياً أن أكون أنا الذي فاتني بعض الأمر فخيل إلي أن ثمة ما يستوجبها :

أ - تناول المؤلف الكلام في فصل شائق عن " النتائج العامة للاحتلال الأجنبي " - الفصل ١3 من ص ١٩٧-٢١٦ .

ولست أدري لماذا خلا الفصل المذكور من الكلام عن أثر الاحتلال في القضاء . إن الكتاب يعرض للمحاكم الأهلية بالفصل الرابع ، ولكنه لم يتناول العلاقة بين الاحتلال والقضاء بوجه عام وفي مختلف جهاته ، ولا نجد شيئاً يتصل بهذا الأمر إلا قول المؤلف ( ص ١٩١ ) :

" وفي عهد رياض باشا صدر المرسوم الخديوي بتعيين مستر جون سكوت مستشاراً قضائياً لوزارة الحقانية ، وكانت مهمته السيطرة على وزارة الحقانية ، وزيد عدد المستشارين الانجليز في محكمة الاستئناف الأهلية . "

وهنا نلمس فراغاً آخر ، فقد كان من الخير أن يتولي المؤلف بتحقيقه الدقيق ، بيان مؤهلات وكفايات ومزايا أولئك المستشارين والقضاة الانجليز واحداً واحداً ، لنعرف البواعث التي كانت تسيطر على اختيارهم ، ومدى الاعتبار

السياسي من جهة والاعتبار الشخصي المحلى من جهة أخري في تلوين ذلك الاختيار . لقد كان من أولئك القضاة الانجليز رجال متميزون بالعلم والعدل والنظام مثل بوند وهالتون ، ولكن هل كانوا جميعاً كذلك ؟ إن كثيراً من أسمائهم مازال حقلا بكرا للبحوث ، فقد قيلت الأقوال في سبب تعيين " دابرلوغلو " وقيلت الأقوال في مدى كفاية " ويلمور " الذي عزى إليه وضع تقرير طلب فيه إحلال اللغة العامية مكان العربية ، وظلت اسماء أخري مجهولة الصفات مثل " الستون " و " ساتو" فهل تظفر هذه المسألة في عمومها أولًا ، ثم في أفرادها ثانياً بإهتمام مؤرخنا الكبير ؟ لتكونن إذاً تحية أخري إلي جوار التحية المباركة التي توجه بها في مطلع الفصل الرابع إلي القضاء الأهلي

ب - عرض المؤلف في المقدمة ( ص ٤ ) لمجلس شوري القوانين ، فقال إنه "بقي في السنوات العشر الأولى للاحتلال خاضعا مستسلماً ، وظل موقفه طوال هذه السنوات سلبياً محضاً ، ولم تبد منه ظواهر تدل على الحياة والوجود ، واقتصر عمله على النظر في المشروعات التى كانت الحكومة تعرضها عليه ، وإبداء مقترحات لا تحفل الحكومة بها ، ولم يكن له أي أثر في تطور الحوادث ، وتعاقبت الأحداث الجسام ، دون أن يٌسمع له صوت ، أو يحرك ساكنا للدفاع عن حقوق البلاد ، وكان أعضاؤه يعدون أنفسهم موظفين لدي الحكومة ، ليس لهم أن يحاسبوها أو يراقبوها ، فيما تفعل وتقرر ، وبقي المجلس خلال هذه المدة لا عمل له ولا وجود ، وكذلك شأن الجمعية العمومية "

ولولا عبارة " في السنوات العشر الأولي " لاستشكلت على المؤلف بما جاء في ص ٢٠٤ من كتابه عينه ، وهو جزء من تقرير لجنة الميزانية بالمجلس المذ كور ، فان العبارات

المنقولة تنبئ بتفكير وحيوية وعناية في البحث ، والتفات حسن إلى المصلحة العامة وأنا اقتبس من تلك المقتبسات ما يأتي : " إن نشر التعليم قد تقهقر تقهقراً كليا عما كان عليه قبل ذلك ، ويحسن بنا أن نقول : إن القابضين على زمام نظارة المعارف العمومية وإدارتـها ، قد سعوا بكل اجتهاد إلي طرق تقليل التعليم وسد أبوابه بكل حيلة في وجوه الأمة الخ " .

نعم ؛ ولكن هذا التقرير قدم في ديسمبر سنة ١٨٩٤ أي في السنة الثانية عشرة ، فخرجت العشر السنون الاولى !

نعم ؛ ولولا هذا التحفظ أيضا لأشرت إلي الفضل التشريعي للمجلس المذكور في تعديل قانون العقوبات سنة ١٩٠٤ ، فان حسن التفاته قد أنتج تعديلات هامة يتصل بعضها بالمصلحة العامة ، فهو - مثلا - الذي طلب إضافة فقرة إلى مادة القذف ، تقرر أن " الطعن في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة ، أو مكلف بخدمة عامة ، لا يدخل تحت حكم هذه المادة إذا حصل بسلامة نية ، وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة ، وبشرط إثبات حقيقة كل فعل أسند إليه "

ومع ذلك فإن علينا أن نذكر " السلطات " الضيقة التي لم يخول القانون النظامي غيرها لمجلس الشوري وللجمعية العمومية ؛ إننا نقرأ هذا القانون النظامي في فصل الوثائق من الكتاب ، فنحس التضييق الخانق ، ونتردد كثيراً في أن نتابع المؤلف في انتقاداته للاشخاص المكبلين قبل أن تنتقد البنيان الذي كبّْلوا فيه . ولست أدري أيكفي لانصافهم إجراء الموازنات ؟ إن الاستاذ المؤلف أقدر مني على تقرير الحكم ، فهل هو مستعد لتعديل حكمه القاسي ؟

ج - ونحن في مقام محاكمة وعدالة ، لا يكون غريباً أن نقفز من إنصاف الهيئات إلي إنصاف الفرد ؛

لقد أنصف المؤرخ رياض باشا حين أورد ماله وما عليه : لقد آخذه بقبوله تعيين مستشار قضائي لوزارة الحقانية وغير ذلك ؛ ولكنه لم ينس أن يسجل له إلغاء المعونة وإلغاء " قومسيونات الاشقياء " والاتفاق مع الدول علي خفض فائدة الدين العام ( ص ١٩٠-١٩٣ ) ، فهل نجد قريباً من هذا الروح حين الكلام عن خلف رياض ، تعني مصطفى باشا فهمي ؟ يكفي أن نقول إن القارئ يحس وهو يتلو ما أورده المؤلف بشأن هذا الوزير بعد الكلام عن وزارة نوبار باشا أنه - أي مصطفى فهمي - كان أسوأ بكثير من نوبار ، في حين أنا نتقهقر قليلا من الصفحات ، فنري المؤلف يقول إن نوبار كان " الوزير الوحيد الذي قبل تشكيل الوزارة عقب استقالة شريف باشا التاريخية " ( ص ١٨٨ ) . ومعنى هذا أن مصطفي

فهمي لم يقبل ما قبله نوبار ، وهو لم يشارك نوبار في الحكم إلا بعد تأليف وزارته بثلاثة أعوام حين استقال البطل عبد القادر باشا حلمي من وزارتي الحربية والداخلية ، فخلفه فيهما مصطفى باشا فهمي . وإذا كان المؤلف قد أحصي لوزارة رياض باشا مآثر كثيرة ، فلا ننس أن مصطفى فهمي كان أحد أعضائها ، منذ تأليفها إلي استقالتها .

وبعد فانى لست مديناً لأستاذى الرافعي بك بهذه المعلومات الثمينة فحسب ، ولكني مدين له أيضاً بهذه المتعة العقلية والروحية التي ظفرت بها وأنا أقرأ  كتابه والتي سأظفر بها كلما أعدت قراءته .

اشترك في نشرتنا البريدية