في التعريف بالكتاب يقول المؤلف بمطلع المقدمة : " يشتمل هذا الكتاب على تاريخ مصر القومي مدى عشر سنوات ، من سنة ١٨٨٢ إلى سنة ١٨٩٢ ، وهي السنوات الأولى للاحتلال " . وقد قسم مؤلفه هذا اثني عشر قسما أو فصلا أردفها بفصل ثالث عشر أفرده للوثائق التاريخية الهامة المرتبطة بالكتاب .
والكتاب من مؤلفه لا يستغرب ، فهو حلقة من سلسلة تأريخ الحركة القومية المصرية الذي اضطلع الرجل بعبئـه المرهق ، وهو مظهر للروح الذي نعرف من الرجل ، والذي ينتظم بقية حلقات هذه السلسلة الذهبية ، بل ينتظم كذلك مؤلفاته الثلاثة الخارجة عن هذه السلسلة كما تنيء عنواناتـها وهي : " حقوق الشعب " و " الجمعيات
الوطنية " و"نقابات التعاون الزراعية " ؛ فليس الروح الغالب علي هذا الكتاب الجديد إلا روح الدفاع العلمي التاريخي ، المستند في الوقت عينه إلي عاطفة صادقة ، عن حقوق الشعب المصري في شئونه الداخلية والخارجية ، وعن مصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، دفاعا موظفاً بالتوجيه الاصلاحي المؤثر .
وليس في مقدوري أن ألخص الكتاب ، ولا أن أحصى المواضع التي اثارتني إثارة خاصة لهذا السبب أو ذاك ، ولكني أحاول الوقوف عند بعض المواضع وقفات لب تنجو من عيوب العجلة .
-1- تزدحم صفحات الكتاب بمعلومات تاريخية في الدرجة الأولى من الأهمية علمياً ووطنياً أو وطنياً وعلمياً ، ومع ذلك فاني أسجل على نفسي الجهل بكثير منها ، ولو كان شركائـي في هذا الجهل قلائل لهان الخطب ، ولكنه مع الأسف الشديد غير هين ، فقد آن إذاً أن نخض برامجنا التعليمية خضاً عنيفاً ، وآن إذاً أن نزيد عنايتنا في معاهدنا بالتاريخ القومي الحديث .
إنني أختار هذه الأمثال أسردها سرداً : ١ - " يرجع إنشاء المحاكم الأهلية إلي عهد وزارة شريف باشا الثالثة ، قبل الاحتلال ، ففي ١٧ نوفمبر سنة ١٨٨١ ، صدر القانون المعروف بلائحة ترتيب المحا كم الأهلية ، وهي تتضمن معظم القواعد العامة للنظام القضائي الحالي ، ومنها . إنشاء محكمة ابتدائية في كل من مصر والإسكندرية ، وفي كل مديرية من الوجه البحري والقبلي وفي السودان وباقي ملحقات الحكومة المصرية ، وإنشاء محاكم جزئية . . ومحكمتين استئنافيتين بمصر وأسيوط ومحكمة نقض وإبرام بالقاهرة . . . ؛ ومنها عدم جواز عزل قضاة المحاكم ، إنما يكون للحكومة حق استبدال من تري فيه عدم اللياقة والاستعداد في أثناء السنوات الثلاث
الأولى من تاريخ تعيينه ، وعدم نقل القضاة من محكمة إلي اخري إلا برضاهم وبمقتضي أمر يصدر من الحضرة الخديوية بناء على طلب وزير الحقانية وبعد أخذ رأي محكمة النقض والابرام " ( ص ٥٧ و ٥٨ ) .
ب - " كان التعليم إلي سنة ١٨٨٢ مجانياً في أقسامه الثلاثة : الابتدائـي والثانوي والعالي ، وكانت العلوم تدرس باللغة العربية إلا في مدرسة الحقوق . "( ص ٢٠٣ و ٢٠٤ ) .
ج - اشتهر موقف شريف باشا الوطني ، ولكن قليلا منا من يذكر نص استقالته ، ويعني بالناحية الدستورية الرائعة في قوله : " ولا يخفى أن هذه المقترحات مخالفة لفحوي النظامات الشورية الصادرة في ٢٨ أغسطس سنة ١٨٧٨ التي نص فيها على أن الخديوي يجري أحكام البلاد باشتراكه مع النظار ، فبناءً على ذلك نضطر هنا إلي أن نطلب من مقامكم العالي أن تقبلوا استعفاءنا لأنه لا يمكن لنا والحالة هذه أن ندير البلاد على أصول شورية " ( ص ١٢٥ و ١٢٦ ) .
د - كان وزير الداخلية في وزارة نوبار التي خلفت وزارة شريف باشا ، رجلا يسمي محمد باشا ثابت ؛ وكان وكيله رجلا يسمي كليفورد لويد ، فاستقال الأول غير محتمل غطرسة الثاني وعدم اعتداده بسلطة الوزير ، وقال في كتاب استقالته : " إني قبلت الانتظام في هيئة الحكومة تحت رئاسة دولتكم ، على أمل أن أقوم بخدمة وطنى العزيز الذي نشأت فيه وربيت ، ولكني بالنظر للأسباب التي أوضحتها شفاهاً لدولتكم رأيت أن آمالي قد حبطت وان ليس في الإمكان تحقيقها ، لا في الحال ولا في الاستقبال ، وفضلا عن ذلك علمت من قرائن الأحوال ، أن ليس في وسعي المحافظة على شرف المصلحة فيما بعد . " ( ص ١٧٨ ) .
ه - وهذا الوكيل نفسه يذيع عنه أنه يعذب المسجونين في سجونـهم ؛ ويحاول النائب العام مستر مكسويل تحقيق هذه الاشاعة ، فيمنع بأمر هذا الوكيل من دخول السجن ( ص ١٧٩ ).
و - النزاع الدبلوماسي الفرنسي- المصرى بسبب إغلاق الصحيفة الفرنسية المسماة ( البوسفور أجبسيان ) ص ١٨٤-١٨٦
ز- ميثاق النزاهة الذي امضاه سفراء انجلترا وفرنسا وألمانيا والنمسا والمجر والروسيا وإيطاليا ( ص ٢٤٥ )
ح - الإشادة ببطولة الأبطال من أمثال عبد القادر باشا حلمي ومحمد بك توفيق ( ص ١٢٧ ثم ١٣٧).
- 2- ويمضى المؤلف في كتابه فتحس بتوجيهاته الوطنية والاجتماعية والاقتصادية الطيبة ، دون أن يطيل هو الضرب على هذه النغمات ، لأن إشارته قوية على إيجازها ، او لأن الحادثة المروية هي في ذاتها أقوى من أن تفتقر إلي كلام . وهنا أيضا أسرد الأمثال :
أ - يقول المؤلف في تصوير الوطنية وعلاقتها بالفضائل :
" وهبط مستوي الوطنية في النفوس هبوطاً كبيراً ظهر أثره على مدى السنين ، وتحللت الأخلاق والفضائل ، ففسدت النفوس ، والتوت الضمائر ، وفشا الجبن والنفاق ، والذل والرياء ، وعمت النفعية والأنانية ، وتضاءل الخير ، وقل البر والعطف والإحسان ، ونقص الوفاء والأخلاص ، وانعدمت الكرامة والمروءة ، ولا غرابة في هذه النتائج ، فالنفوس إذا فقدت الوطنية ،
فقدت معها الأخلاق الكريمة ، لان الوطنية ، إلى جانب الدين ، منبع الأخلاق والفضائل " ( ص ١٩٨ ) . ب - ينوه المؤلف في مرارة بانتشار الربا " انتشاراً
ذريعاً " ثم يقول : " وساعد علي ذيوعه ما فطر عليه معظم الطبقات من قصر النظر ، وعدم تقدير العواقب ، وحب الظهور والأسراف ، ووجد المرابون من هذا الضعف ، ومن النظم والقوانين ، ورعاية المحاكم المختلطة ، ما جعلهم يتغلغلون في مختلف الأوساط ، في العواصم والبنادر الخ " ( ص ٢١٥) .
ثم يومئ في الصفحة التالية إلي حديث للأمير حسين كامل عن الفلاح ، قال فيه : " وهو لكى يسد حاجات زراعته في مواعيدها مضطر دائما إلى الاستدانة بالربا الفاحش " .
وهذا الالتفات مفهوم جيدا من مؤلف " نقابات التعاون الزراعية " وصديق المرحوم الأستاذ عمر بك لطفى .
ج - يقول المؤلف في شرح أسباب الثورة المهدية : " لقد كانوا - يريد حكام السودان - خليطاً من الترك والشراكسة أو المصريين ، وكانوا كلهم سواءً في إرهاق الأهلين ؛ هذه حقيقة قد نشعر بالمرارة إذ نقررها ، ولكنها الحقيقة الواقعة التي لا يجوز أن نتجاهلها ، بل علينا أن نعترف بـها ، وأن نستخلص العبرة منها ، فلو أن كل موظف مصري يشعر بأن عليه واجباً قوميا لمنصبه وبلاده ، ويؤدي هذا الواجب بأمانة واستقامة ، لكان ذلك من عوامل عظمة مصر وسعادتـها " ( ص ٩٨ ) .
- 3- ومن فضائل الكتاب امتلاؤه بعشرات النصوص الهامة خلال بحوثه ، فضلا عن الوثائق الكاملة التي أفرد لها الفصل الأخير . ولقد سلفت إشارة إلي نص استقالة شريف باشا ، ونص استقالة محمد باشا ثابت ، فلأضف على سبيل التمثيل نص إقالة الخديوي توفيق لوزارة نوبار باشا ( ص ١٨٧ ) ونص الخطبة الافتتاحية لأول جمعية عامة
لقضاة محكمة الاستئناف ، تلك الخطبة التي ألقاها رئيسها إسماعيل باشا يسري ، وسجل فيها هذه الكلمة او الحكمة : " سادتي : لا تحسبن الظلم منحصراً في أخذ المال من يد مالكه بغير حق ، بل يعم من لم يستخلصه من يد الظالم ، ويرده المستحق ؛ فالتعاون على إقامة الحق من أعظم الواجبات ، وإنصاف المظلوم من الظالم من ألزم الحقوق ، قد اجتمعنا للشروع بما نيط بنا من هذا العمل الجسيم ، فعلينا أن نتعاضد على إنجازه على الوجه المستقيم " (ص ٦٦).
-4- وإذا جاز لي أن أختم كلمتي بإبداء بعض ملاحظات فاني أسجل ما يأتي راجياً أن أكون أنا الذي فاتني بعض الأمر فخيل إلي أن ثمة ما يستوجبها :
أ - تناول المؤلف الكلام في فصل شائق عن " النتائج العامة للاحتلال الأجنبي " - الفصل ١3 من ص ١٩٧-٢١٦ .
ولست أدري لماذا خلا الفصل المذكور من الكلام عن أثر الاحتلال في القضاء . إن الكتاب يعرض للمحاكم الأهلية بالفصل الرابع ، ولكنه لم يتناول العلاقة بين الاحتلال والقضاء بوجه عام وفي مختلف جهاته ، ولا نجد شيئاً يتصل بهذا الأمر إلا قول المؤلف ( ص ١٩١ ) :
" وفي عهد رياض باشا صدر المرسوم الخديوي بتعيين مستر جون سكوت مستشاراً قضائياً لوزارة الحقانية ، وكانت مهمته السيطرة على وزارة الحقانية ، وزيد عدد المستشارين الانجليز في محكمة الاستئناف الأهلية . "
وهنا نلمس فراغاً آخر ، فقد كان من الخير أن يتولي المؤلف بتحقيقه الدقيق ، بيان مؤهلات وكفايات ومزايا أولئك المستشارين والقضاة الانجليز واحداً واحداً ، لنعرف البواعث التي كانت تسيطر على اختيارهم ، ومدى الاعتبار
السياسي من جهة والاعتبار الشخصي المحلى من جهة أخري في تلوين ذلك الاختيار . لقد كان من أولئك القضاة الانجليز رجال متميزون بالعلم والعدل والنظام مثل بوند وهالتون ، ولكن هل كانوا جميعاً كذلك ؟ إن كثيراً من أسمائهم مازال حقلا بكرا للبحوث ، فقد قيلت الأقوال في سبب تعيين " دابرلوغلو " وقيلت الأقوال في مدى كفاية " ويلمور " الذي عزى إليه وضع تقرير طلب فيه إحلال اللغة العامية مكان العربية ، وظلت اسماء أخري مجهولة الصفات مثل " الستون " و " ساتو" فهل تظفر هذه المسألة في عمومها أولًا ، ثم في أفرادها ثانياً بإهتمام مؤرخنا الكبير ؟ لتكونن إذاً تحية أخري إلي جوار التحية المباركة التي توجه بها في مطلع الفصل الرابع إلي القضاء الأهلي
ب - عرض المؤلف في المقدمة ( ص ٤ ) لمجلس شوري القوانين ، فقال إنه "بقي في السنوات العشر الأولى للاحتلال خاضعا مستسلماً ، وظل موقفه طوال هذه السنوات سلبياً محضاً ، ولم تبد منه ظواهر تدل على الحياة والوجود ، واقتصر عمله على النظر في المشروعات التى كانت الحكومة تعرضها عليه ، وإبداء مقترحات لا تحفل الحكومة بها ، ولم يكن له أي أثر في تطور الحوادث ، وتعاقبت الأحداث الجسام ، دون أن يٌسمع له صوت ، أو يحرك ساكنا للدفاع عن حقوق البلاد ، وكان أعضاؤه يعدون أنفسهم موظفين لدي الحكومة ، ليس لهم أن يحاسبوها أو يراقبوها ، فيما تفعل وتقرر ، وبقي المجلس خلال هذه المدة لا عمل له ولا وجود ، وكذلك شأن الجمعية العمومية "
ولولا عبارة " في السنوات العشر الأولي " لاستشكلت على المؤلف بما جاء في ص ٢٠٤ من كتابه عينه ، وهو جزء من تقرير لجنة الميزانية بالمجلس المذ كور ، فان العبارات
المنقولة تنبئ بتفكير وحيوية وعناية في البحث ، والتفات حسن إلى المصلحة العامة وأنا اقتبس من تلك المقتبسات ما يأتي : " إن نشر التعليم قد تقهقر تقهقراً كليا عما كان عليه قبل ذلك ، ويحسن بنا أن نقول : إن القابضين على زمام نظارة المعارف العمومية وإدارتـها ، قد سعوا بكل اجتهاد إلي طرق تقليل التعليم وسد أبوابه بكل حيلة في وجوه الأمة الخ " .
نعم ؛ ولكن هذا التقرير قدم في ديسمبر سنة ١٨٩٤ أي في السنة الثانية عشرة ، فخرجت العشر السنون الاولى !
نعم ؛ ولولا هذا التحفظ أيضا لأشرت إلي الفضل التشريعي للمجلس المذكور في تعديل قانون العقوبات سنة ١٩٠٤ ، فان حسن التفاته قد أنتج تعديلات هامة يتصل بعضها بالمصلحة العامة ، فهو - مثلا - الذي طلب إضافة فقرة إلى مادة القذف ، تقرر أن " الطعن في أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة ، أو مكلف بخدمة عامة ، لا يدخل تحت حكم هذه المادة إذا حصل بسلامة نية ، وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة ، وبشرط إثبات حقيقة كل فعل أسند إليه "
ومع ذلك فإن علينا أن نذكر " السلطات " الضيقة التي لم يخول القانون النظامي غيرها لمجلس الشوري وللجمعية العمومية ؛ إننا نقرأ هذا القانون النظامي في فصل الوثائق من الكتاب ، فنحس التضييق الخانق ، ونتردد كثيراً في أن نتابع المؤلف في انتقاداته للاشخاص المكبلين قبل أن تنتقد البنيان الذي كبّْلوا فيه . ولست أدري أيكفي لانصافهم إجراء الموازنات ؟ إن الاستاذ المؤلف أقدر مني على تقرير الحكم ، فهل هو مستعد لتعديل حكمه القاسي ؟
ج - ونحن في مقام محاكمة وعدالة ، لا يكون غريباً أن نقفز من إنصاف الهيئات إلي إنصاف الفرد ؛
لقد أنصف المؤرخ رياض باشا حين أورد ماله وما عليه : لقد آخذه بقبوله تعيين مستشار قضائي لوزارة الحقانية وغير ذلك ؛ ولكنه لم ينس أن يسجل له إلغاء المعونة وإلغاء " قومسيونات الاشقياء " والاتفاق مع الدول علي خفض فائدة الدين العام ( ص ١٩٠-١٩٣ ) ، فهل نجد قريباً من هذا الروح حين الكلام عن خلف رياض ، تعني مصطفى باشا فهمي ؟ يكفي أن نقول إن القارئ يحس وهو يتلو ما أورده المؤلف بشأن هذا الوزير بعد الكلام عن وزارة نوبار باشا أنه - أي مصطفى فهمي - كان أسوأ بكثير من نوبار ، في حين أنا نتقهقر قليلا من الصفحات ، فنري المؤلف يقول إن نوبار كان " الوزير الوحيد الذي قبل تشكيل الوزارة عقب استقالة شريف باشا التاريخية " ( ص ١٨٨ ) . ومعنى هذا أن مصطفي
فهمي لم يقبل ما قبله نوبار ، وهو لم يشارك نوبار في الحكم إلا بعد تأليف وزارته بثلاثة أعوام حين استقال البطل عبد القادر باشا حلمي من وزارتي الحربية والداخلية ، فخلفه فيهما مصطفى باشا فهمي . وإذا كان المؤلف قد أحصي لوزارة رياض باشا مآثر كثيرة ، فلا ننس أن مصطفى فهمي كان أحد أعضائها ، منذ تأليفها إلي استقالتها .
وبعد فانى لست مديناً لأستاذى الرافعي بك بهذه المعلومات الثمينة فحسب ، ولكني مدين له أيضاً بهذه المتعة العقلية والروحية التي ظفرت بها وأنا أقرأ كتابه والتي سأظفر بها كلما أعدت قراءته .

