الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 193 الرجوع إلى "الثقافة"

مصر والسودان، في أوائل عهد الاحتلال

Share

شكر وتعقيب :

أما الشكر فأزجيه إلي المحامي الأديب الأستاذ عبده حسن الزيات على مقالته الشائقة التي نشرها في عدد ٢١ يوليو سنة ١٩٤٢ من ( الثقافة )الغراء وضمنها بحثا ممتعا عن كتاب ( مصر والسودان في أوائل عهد الاحتلال ) . اشكره على تقديره للكتاب وصاحبه كما اشكره على حسن إحاطته بالموضوع ، ودقة نظره في العموميات والتفاصيل . وهي ميزة أعرفها عنه في بحوثه ومؤلفاته ومذكراته في قضاياه

ولقد تفضل الأستاذ الأديب بإيراد بعض ملاحظات عنت له من قراءة الكتاب ، واستوضحني رأيي فيها ، أو ردي عليها . ويسرني أن أساجله النظر فيما أورده منها ، لأن الحقيقة بنت البحث والمناقشة .

ا- لاحظ الاستاذ الأديب أني لم أستوف الكلام في الفصل الرابع والثاني عشر عن أثر الاحتلال في القضاء . وبيان مؤهلات القضاة والمستشارين الانجليز الذين ولوا القضاء في مصر واحدا واحدا ، ومدى الاعتبار السياسي من جهة والاعتبار الشخصي المحلي من جهة اخرى في اختيارهم .

وهي ملاحظة جديرة بالنظر . فإنه يكون بحثا ممتعا شائقا أن أتناول هؤلاء القضاة فردا فردا ، وملابسات تعيينهم ، ودراسة شخصياتهم ، واثرهم في القضاء . وإن كان معظمهم لا يقع تعيينهم وتوليتهم القضاء في العشر السنوات الأولى للاحتلال ، وهي موضوع الكتاب . علي انني قد اكتفيت في هذا الصدد بالعموميات دون التفاصيل فذكرت تحبيذ اللورد دفرن في تقريره إدخال العنصر

الأوربي في المحاكم الأهلية وإسناد وظيفة النائب العام إلي محام انجليزي . وبايعازه عين فعلا السير يقسون مكسويل نائبا عموميا في ٢٤ مارس سنة 3 ١٨٨ ، بدلا من اسماعيل يسري باشا ( ص ٢٥ ) . تم تعيين أول مستشار قضائي بريطاني لوزارة الحقانية وهو مستر جون سكوت في ١٥ فبراير سنة ١٨٩١ . وكانت مهمته السيطرة على وزارة العدل كما سيطر الانجليز على الوزارات الأخرى ، وزيادة عدد المستشارين الانجليز في محكمة الاستئناف الأهلية ( ص ١٩١ ) . ومما أوردته في كتاب ( محمد فريد ) من تهديد الاحتلال لاستقلال القضاء في قضية التلغرافات ( ص ٢٦ )

ب - وتساءل الناقد الأديب في لباقة وحسن أسلوب إذا كنت مستعدا لتعديل حكمي علي اعضاء مجلس شوري القوانين في السنوات العشر الأولى للاحتلال ، مشيرا إلي ما بعده قسوة في الحكم ، إذ قلت عن هذا المجلس إنه بقي في العشر السنوات الاولي للاحتلال خاضعا مستسلما ، وإن موقفه في هذه السنوات كان سلبيا محضا .

وأراني معتدلا في هذا الحكم ، ومنصفا أيضا لمجلس شوري القوانين . فإنه لم يفتني في كتاب(مصطفى كامل ) أن اقسم ادوار المجلس إلى ثلاثة : الدور الاول دور الخضوع والاستسلام ويبتدي منذ إنشائة سنة ١٨٨٣ إلى سنة ١٨٩٢ ، ثم الدور الثاني وهو دور اليقظة والحياة من سنة ١٨٩٢ حتى سنة ١٩٠٤ . والثالث دور التراجع منذ ابرم الاتفاق الودي بين انجلترا وفرنسا ( ص ٣٤٧ كتاب مصطفي كامل ) ثم أعقب هذه الأدوار دوران آخران وهما دور التجدد والنشاط ، ويبدأ من ١٩٠٨ حتى ختام ١٩١٠ . ثم دور التراجع من جديد تحت تأثير التهديد ( ص ٣٥٠ كتاب محمد فريد ) . فلكل دور من هذه الأدوار حكم يختلف عن الأدوار الآخرى ثناءً ونقداً . وأحسب أن هذا هو معني الإنصاف وسبيله ، وقد اثنيت على المجلس فيما

يستوجب الثناء . وأيد الأستاذ صحة رأيي بذكر الأمثلة علي حسن قيام المجلس بواجبه ، إذ كانت كلها غالية لمرحلة ( الخضوع والاستسلام ) التي تقع في العشر السنوات الأولى للاحتلال .

ومما تجدر ملاحظته أن نظام المجلس الضيق ظل كما هو في ادواره المتعاقبة ، مع ذلك لم يمنعه من ان يؤدي واجبه في بعض المواطن . وفي هذا دليل كاف على ان ضيق النظام لا يصلح عذرا للمجلس في تقصيره وفي موقفه السلبي .

انتقل الباحث الأديب بعد ذلك من الكلام عن إنصاف الهيئات إلي إنصاف الفرد . واختار لملاحظته الكلام عن " مصطفى فهمي باشا " قد ذكر أني انصفت رياض باشا إذ أوردت ماله وما عليه فأخذت عليه قبوله تعيين مستشار قضائي بريطانى لوزارة الحقانية . وسجلت له في باب الحسنات إلغاء العمولة ، وإلغاء قومسيونات الإشقياء وتخفيض فائدة الدين العام . وتساءل : هل يجد قريبا من هذا الروح حين الكلام عن خلف رياض باشا اي مصطفي فهمي باشا . وأشار إلي أن ما ذكرت عن هذا الوزير بعد الكلام عن وزارة نوبار يشعر القارئ أنه أسوأ من نوبار .

وإني مجيب علي هذا التساؤل بأني علي العكس كتبت عن نوبار بأشد ما كتبت عن مصطفى فهمي . ولا يكفي لهذه الموازنة الاقتصار على نبذة( نظرة في اعمال وزارة نوبار باشا ) ص ١٧٧ وما بعدها . بل يحسن الرجوع إلي الفصل التاسع باكمله ( إخلاء السودان ووزارة نوبار ) ص ١٢٧ وما بعدها . فان في هذه الصفحات ) إبرازاً لحسامة التبعة التي حملها نوبار باقراره إخلاء السودان وضياع نصف الامبراطورية المصرية .

أما استشهاد الأستاذ الأديب بقولي إن نوبار كان الوزير الوحيد الذي قبل تشكيل الوزارة عقب استقالة شريف باشا التاريخية ( ص ١٨٨ ) وأن هذا معناه أن مصطفي فهمي باشا

لم يقبل ما قبله نوبار ، فلا أشاطره هذا الاستنتاج . لأن الوزارة لم تعرض علي مصطفي فهمي عقب استقالة شريف . بل عرضت فقط على رياض فأبي قبولها . وأقر شريف باشا على موقفه المشرف ، ثم عرضت على نوبار فقبلها على قاعدة إخلاء السودان والأذعان للنصائح الانجليزية ( ص ١٢٧ ) . فلا فضل إذا لمصطفي فهمي في هذا الصدد ،

ولعل الأستاذ الأديب يقتنع بحكمي علي مصطفي فهمي باشا ويأتي لم أتحامل عليه قط . كما لم أتحامل علي أي أحد سواء ، إذا رجع إلي ما كتبته عن وزارته وسياسته وأعماله في كتاب مصطفي كامل . فإن وزارته كانت حقا أوج السلطة للاحتلال .

وأخيرا فاني أكرر شكري للأستاذ عبده حسن الزيات على عرضه البديع لآرائه وملاحظاته

اشترك في نشرتنا البريدية