لم يكن لنا إلى ما قبل عشرين سنة أو ما حولها تاريخ مفصل لنهضة البلاد الوطنية يضمه كتاب، ولا سند صحيح لحركتها القومية يحتويه سفر، وإنما كان هذا التاريخ مطموس المعالم مبهم الحدود، حتى لو أراد دارس أن يقف عليه أو يلم به لأعياه السعي ولعميت عليه السبل، إذ لا يجد مهما جد في البحث وأمعن فيه إلا أنباء مبعثرة هنا وهناك بين صفحات أسفار لا يبلغها الحصر، ولو هو ظفر بشيء منها لوجده مما لا يشبع نهمه ولا يروي غليله. ومن الغريب أن يظل جهادنا لوطنن ا وكفاحنا في سبيل تحرير بلادنا، بغير تاريخ يبين أطواره، ويسجل أدواره، ويكشف عن نصيب كل جيل منه بما أنفق فيه من جهد وما قدم له من عمل!
وقد ظل هذا النقص بادياً في تاريخنا إلى أن قيض الله له مؤرخاً محققاً، وقانونياً كبيراً، وسياسياً محنكاً، ومجاهداً مخلصاً، هو الأستاذ الجليل عبد الرحمن الرافعي بك. توفر حفظه الله على دراسة هذا التاريخ والبحث عن تفاريقه الممزقة بين مئات الأسفار، واستقل بأعبائه وحده يؤلف بين هذه التفاريق ويجمع أشتاتها، مستنفداً ما وسعه من جهد في سبيل تمحيصها واستخلاص الحق منها، باذلاً في سبيل إحسان عمله كل نفيس من نفسه وماله، مما لا يكاد يستطيع فرد أن ينهض وحده به، حتى أخرج لنا في أصدق صورة وأبلغ بيان عملاً ضخماً، وعلى إنه ملأ مما عمل لهذا التاريخ تسعة أسفار كبار فإنه قد بقى منه أجزاءً أخرى ستظهر إن شاء الله
كان الذي بعث عزيمة المؤلف على هذا العمل أنه كان يريد أن يضع (تاريخاً لفقيد الوطن العظيم مصطفى كامل علي مثال كتاب (بول دشانل) عن (جامبتا) خدمة للقضية الوطنية
وأداءً لواجب الوفاء نحو من تلقى عنه مبادئ الوطنية الأولى) ولكنه وجد أن تاريخ هذا الزعيم يستتبع (الكلام عن مبدأ ظهور الحركة القومية بمصر والتطورات التي تعاقبت عليهاِ) فجعل همه أن يدرس هذه الحركة (من بدء ظهورها إلى اليوم) ذلك بأن مصطفى كامل إنما كان (يمثل دوراً من أدوار الحركة القومية سبقته أدوار وتلته أخرى، ولا تكون دراسة الحركة القومية وافية إذا اقتصرت على عصر واحد من عصورها، بل يجب أن يتناولها البحث بأجمعها)
ولما أنشأ يدرس الأدوار التي تقدمت عصر مصطفى كامل لكي يصل إلى مبدأ هذه الأدوار، وجد بعد مواصلة الدرس ومطاولة البحث إن (للروح القومية التي بدأت تظهر في أواخر القرن الثامن عشر - يجب أن يرجع مبدأ الحركة القومية المصرية؛ وإن أول دور من أدوارها هو عصر المقاومة الأهلية التي اعترضت الحملة الفرنسية في مصر)
ولم يقف به البحث عند دراسة الحركة القومية، بل وجد إن تاريخ هذه الحركة يدعو إلى (دراسة نظم الحكم التي تخللت أدوارها، ذلك إن سياسة الحكم وأساليبه كانت في مختلف العصور والبلدان الرئيسية لظهور الانقلابات والحركات القومية كما إن لهذه الحركات أثراً فعالاً في تطور نظام الحكم)
ولما استوت له هذه الطريقة ووضع لها المعالم وأحكام الحدود، أخذ يؤرخ هذه الأدوار على ما قدمنا، ثم زاد عليها ما يلابسها وما يتصل بها من دراسة الحركات العلمية والفكرية والاقتصادية مما هو كمال لها، وتمام عليها، بما في ذلك من ترجمة رجال هذه الحركات كلها
ولقد كنت أود أن أفصل القول في وصف هذا العمل العظيم الذي يعد بلا ريب من أعظم الأعمال التي يقوم بها المجاهدون المخلصون في سبيل أوطانهم، وإن أبين شيئاً مما جاء في هذا التاريخ الزاخر الذي أوفى فيه مؤلفه الجليل على غاية ليس
فوقها مرتقى لهمة، ولا وراءها مذهب لذي إحسان، حتى يعرف القارئ الكريم مقدار هذه المعلمة الوطنية ويقف على هذا النهج الفريد من التأليف الذي يجمع بين عف القول وصدق اللهجة وبين بلاغة العبير وتقرير الحق، ثم ما وراء ذلك من وزن الأمور بمعيار الدقة والنزاهة وهو ما اتصف به مؤلفنا الجليل سواء كان ذلك في أقواله وأفعاله أو في جهاده وتآليفه
كنت أريد ذلك كله أو بعضه، ولكن ما أصاب الصحف في هذه الأيام من ضيق الصفحات وقلتها يضطر الكاتب إلى أن يلزم القصد في القول والإيجاز في التعبير
من أجل ذلك أراني مرغماً على الوقوف عند الكلام على هذا الجزء الذي عقدت من أجله هذه الكلمة ولكن بعبارة موجز لا تعدو بضعة سطور. تكلم المؤلف الفاضل في هذا الجزء عن تاريخ مصر القومية مدى عشر سنوات (من سنة ١٨٨٢ إلى سنة ١٨٩٢) وهي السنوات الأولى للاحتلال وفصل القول في جميع ما جرى للبلاد في هذه الفترة من كل النواحي تفصيلاً لا يوجد مثله في كتاب. وبحسبك إنه قد جاء على غرار ما سبق من الأجزاء من حيث التحقيق والاستيعاب، فلم يدع صغيره ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا ترك ناحية من نواحي هذه الفترة من تاريخنا إلا بينها وجلاها. فجزاه الله بما قدم من عمل صالح لبلاده خير الجزاء، ووفقه بعنايته وفضله إلى إتمام ما بقي لهذا التاريخ من أجزاء، إنه سميع الدعاء.
(المنصورة)

