يتتبع العراقيون ، بإهتمام شديد ، أنباء شقيقتهم مصر . وما يتجدد فيها من احداث وتيارات سياسية لها علاقة بمستقبلها وصلة بحريتها وكرامتها كدولة في طليعة البلاد العربية مكانة ، ويرون في كفاح الشعب المصري ونضاله - شعبا وصحافة وحكومة - في سبيل الاستقلال ووحدة وادي النيل ، لونا من الوان الجهاد العربي يتطلب من جميع العرب إظهار شعور مؤلف وإحساس مشترك وكلمة موحدة لتأييد مصر في قضيتها الوطنية وامانها القومية وجهادها في سبيل الحرية والاستقلال ، ومؤازرتها في حقوقها الواضحة الصريحة في السودان ، الذي محاول السياسة الإنجليزية ، بما طبعت عليه من دهاء وتلون ، إخفاء مطامعها الاستعمارية فيه تحت ستار من المفاوضات والاستفتاءات ...
فالشعب العراقي وصحافته كانوا يتطلعون بلهفة وقلق إلى مراحل المفاوضات المصرية - البريطانية ، ويطالعون صحافة مصر ويتعقبون تصريحات ساستها وزعمائها باستمرار للوقوف على سير هذه المفاوضات ونتائجها وتكتب الصحف العراقية وبنشر الكتاب المقالات العديدة مؤيدين مصر في حقوقها الوطنية وصراعها الجبار مع بريطانيا التي تريد السيطرة على أعالي الوادي بحجج واهية لا تستند إلى منطق سديد أو حق دولي واضح ...
ولم يكن مبعث اهتمام العراقيين بحوادث مصر وترقبهم النتائج المفاوضات وأملهم في نجاح مصر بتحقيق استقلالها التام ووحدتها مع السودان إلا إيمانا منهم بأن ما ستكسبه مصر من حرية ومجد سيكسبه العراق ايضا ، وسبتفتح أمامه باب المفارضات مع بريطانيا لتحقيق استقلاله التام وتطمين حقوقه السياسية وحربته الاقتصادية .
وعند ما إذاعت البرقيات قرار مصر بقطع المفاوضات مع انجلترا وإلغاء المعاهدة التي تربطها وإياها والاحتكام إلي مجلس الأمن أكبر العراقيون جرأة مصر الوطنية واستبسالها في سبيل حربتها ووحدتها وتحقيق اهدافها القومية ، وأخذت صحافة المراق تطالب الحكومة أن تشد أزر مصر في معركة الحرية التي تخوضها وأن تتفق الدول العربية جميعها على منهج واحد في سبيل نصرة مصر في مجلس الأمن وإظهار عدوان انكلترا عليها بمحاولتها خرق جميع المواثيق والبيانات والعهود التي ضمنت حرية الشعوب وكفلت سيادتها ونوع الحكم الذي تريده لنفسها.
إن مشاكل مصر مع بريطانيا كمشاكل العراق معها . . مصر تطالب الإنكليز بالجلاء عن أراضيها وتعديل المعاهدة وإلغاء جميع الامتيازات السياسية والاقتصادية لهم في مصر والسودان . . وكذلك العراق يطالب ويريد من بريطانيا ان تجلو جيوشها عن اراضيه ، وتعديل المعاهدة تعديلا يتلاءم مع تقدم العراق ووعيه في السنوات الأخيرة ، وان تتيح له استعمال حقوقه السياسية وفق مصلحته وطموحه ، والتمتع بخيرات بلاده وكنوزها للإنشاء والتعمير .
مصر فيها السودان وقناة السويس ، والعراق فيه النفط وكونه طريق الهند ، ولذلك نرى ربطانيا ندو حقوق البلدين وتكيلهما بمعاهدات جائرة ، تتتملص بشتى الخيل واساليب الخداع والتمويه من تعديلها وعدم إفساح مجال القوة والسيادة للبلدين ليتمتع شعباهما بالحرية التى وعدت بها أثناء الحرب ، يوم كانت المانيا لا تزال قوة عسكرية مرهوبة الجانب ، فهذلت آنذاك من المواثيق والعهود والبيانات ما بدلت حتى اطمأن الشعب العربي ووثق بعهودها ، فسخر أرضه وسماءه وموارده ومواصلاته ، وبذل الكثير من دماء ابنائه في سبيل نصرتها . فكانت
نتيجة كل هذا البدل والمفاداة إرهاق مصر والعراق للماهدات جائرة وجيوش جرارة وامتيازات مرهقة كاننا أعداء لها لا حلفاء.
قبل أسبوعين حمل زعيم ديلى يهودي في إحدي صحف لندن التي تناصر الصهبونية على الإنكليز ووصفهم بالإنحطاط الخلقى ، لأنهم خانوا وعودهم للصهبونية ، فما أحق العرب في وصف الإنكليز بهذا الوصف ، لأنها في الحقيقة لم تخن أى وعد وعدت اليهود ، ولكنها خانت جميع الوعود والعهود التي اعطتها للعرب ؛ وهذا التاريخ بذلك منذ قيام العرب بثورتهم التحريرية حتى الآن .
عاشت مصر في صراع مستمر ومقاومة لا هوادة فيها ولا لين وجهاد متصل الحلقات ، لكي تتمتع بسيادتها الكاملة كأمة ناهضة ، لها حقها في الحرية والأستغلال ، فكان الإنكليز دائما حجر عثرة في هذا السبيل ، تؤيدهم قوتهم العسكرية للحد من طموح الشعب المصري وتأخير تقدمه وعرقلة أمانيه . . وكذلك العراق عاش مع انكلترا في جهاد مستمر وتورات متصلة ؟ فمنذ الاحتلال البريطاني للعراق سنة ١٩١٨ حتى الآن والعراق يناضل نضال الحبابرة في سبيل استغلاله وسيادته . وبذل الكثير من الشهداء في سبيل توطيد حكمه الوطني وتقليص النفوذ البريطاني من جميع دوائره ومؤسساته ، فكان الإنكليز أيضا يقفون امام كل وثبة عراقية ويسخرون عملاء هم التشويه وعرقلة الأماني العراقية ، مستغلين ظروف الحرب ومساعدة سنة ( ١٩٣٠ ) للتدخل والسيطرة وتثبيت سلطاتهم في العراق وعلى العراقين.
إن العراقبين أخذوا بعد انسحاب الحيوش الروسية والإنكليزية والأمريكية من إيران وبعد جلاء الحيوش الأفرنسية عن سورية وابنان بتحسون بضرورة جلاء الإنكلبز عن بلادهم جلاء تاما ، وان السيادة العراقية ستبقى عرضة للامتهان ما دامت الجيوش الأجنبية باقية في البلاد . وفي جميع مناهج الآحزاب والكتل والجماعات
التي تألفت أخيرا في العراق مواد صريحة تطالب بهذا الجلاء . وتطالب بتعديل المعاهدة تعديلا يتفق والتطورات التي شملت العالم بعد الحرب الأخيرة . وما ارتبط به العراق من معاهدات ومواثق تستلزم سيادته التامة الناجزة .
العراق ومصر أخوان في الجهاد . . ففي العراق كما في مصر ثورة نفسية وسخط على الإنكلز عن ريد الجلاء وتعدبل المعاهدة وإناء الامتيازات ، وكذلك في مصر ثدوي سبحات الشعب ضد الإنكليز وسياسهم الرامية إلي اقتطاع السودان عن مصر والاحتفاظ بقوائهم فيها ، والعراقيون ينتظرون بفارغ الصبر فوز مصر في نضالها الوحي لأن فوزها انتصار لهم وبداية لهزيمة الاستعمار البريطاني من البلاد العربية .
وإذا كان العراق الآن تشغله قضاياه الداخلية ويهتم بنتائجها لانها تقرر مصيره في الحرية والاستقلال ، فانه وهو في غمرة هذا الفضال الوطني بتطلع إلى أخبار مصر ، ويسره أن تتفق كلمة الحكومة والأحزاب والشعب على رأي واحد وهو عدم الرضوخ لإنكلترا والالتجاء إلي مجلس الأمن ، ولهم من نزاهة أعضائه وتأييد الدنيا العربية ما يكفل لقضيتهم النصر ولأمانيهم التحقيق .
لقد كانت أول مادة في منهاج وزارتنا الجديدة " العمل على تعديل المعاهدة العراقية البريطانية على أساس ضمان المصالح المتبادلة بين الند والند وعلى ضوء مبادئ ونصوص ميثاق الأمم المتحدة . . وهو صدى لما يتجاوب في نفوس العراقيين وما يأملون تحقيقه في المستقبل القريب .
إن العراق يري في مصر زعيمة الشرق العربي . وهي وإياه الآن في نضال مع الانكليز ومن ورائهما دول العرب وشعوبهم ، يقفون صفا واحدا جنودا في معركة الحرية التي تخوضها مصر اليوم وسيخوضها العراق غدا .

