الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 655الرجوع إلى "الثقافة"

مصر والغرب يلتقيان :, نحن وباريس

Share

تحتفل مدينة باريس في غضون هذا الشهر - يوليه - بذكري مرور ألفي عام على تأسيسها في سلسلة احتفالات قومية وشعبية ، شاركتها مصر فيها رسميا بإيفاد بعثة من أعضاء بلدية القاهرة ، حيث قدمت هدية رمزية من أحدث البلديات إلى أقدم البلديات في العالم .

والواقع أن لباريس شهرة عالمية لم تدانها عاصمة أخري من عواصم العالم ، وقد احتلت مكانة فريدة في الأدب العربي الحديث ، وظفرت بسلسلة مؤلفات وأبحاث وقصائد لم تظفر بها عاصمة أخرى ؛ ولعل سر هذا الظفر والإعجاب أن العاصمة الفرنسية كانت ولا تزال ينبوعا من ينابيع الثقافة الحديثة ، وموردا من مناهل العلم والتفكير ، عبت منه طائفة من عظماء مصر الأفذاذ وزعماء الإصلاح فيها وأعلام الأدب والفن والقانون ؛ فقد تلقي الثقافة في باريس كثيرون من أفراد الأسرة المالكة ، وعلى رأسهم الخديوي إسماعيل والسلطان حسين كامل ، ومن رؤساء الدولة : نوبار وشريف وفخري وحسين رشدي وحسين سري وسعد زغلول . ومن الوزراء : على مبارك واسماعيل سري وعثمان غالب وواصف غالي وطه حسين وهيكل ، إلى غيرهم من فحول المشتغلين بالسياسة والاجتماع والفلسفة والطب والعلوم والعسكرية .

وباريس اسم ساحر جذب إليه أقلام طائفة من أعلام المؤلفين والباحثين والشعراء ، وفي المكتبة العربية عدة مؤلفات تحمل اسم باريس ، في مقدمتها كتاب رفاعة رافع الطهطاوي الموسوم بعنوان " تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز " المطبوع ببولاق في عام ١٨٣١ .

طوى رفاعة رافع الطهطاوي صدر شبابه في عاصمة النور ، وكان أحد أفراد البعثة العلمية التي أوفدت إلى فرنسا في عام ١٨٢٦ ، فراعته باريس مؤسساتها العلمية ودور كتبها وملاعب التمثيل فيها وما تزخر به من ألوان المتاع

والمسرة ، ولفت نظره عوائد أهلها وأخلاقهم وتراثهم الثقافي ، فأخذ يقارن ويوازن بين ما يقع عليه نظره في شتى ارجائها وبين ما ألفه في مصر ، وكان من نتيجة هذه المشاهدات والنظرات التى انطبعت في ذهنه أن عكف على دراسة تاريخها والنظم السياسية والاجتماعية التى صدرت عنها ، وكانت ثورة سنة ١٨٣٠ تجتاح باريس ، والمباحث الدستورية والمبادئ الديمقراطية تشغل الأذهان ، لذلك كان من الطبيعي أن يعنى رفاعة بما لمسه من كتب فيدرسه ويستقصى أصوله ويكون له إلى جانب ماشاهده ودرسه أثر واضح في كتابه . ومن حسن حظ رفاعة أن عرض مسودات كتابه قبل أن يفكر في طبعه على نخبة من المستعربين الفرنسيين وفي طليعتهم سلفستر دى سامي و كوسان دى برسفال ، فامتدحا مجهوده وأثنيا علي المعلومات التي حصل عليها وشجعاه على طبع هذا الكتاب .

أما الكتاب الثاني الذي ظفرت به المكتبة العربية فهو " الدنيا في باريز " الذي طبعه شيخ العروبة أحمد زكي باشا في عام ١٩٠٠ لمناسبة افتتاح المعرض الدولي بعاصمة فرنسا ، ويعد هذا الكتاب دائرة معارف عن باريس : شعبها ، آثارها ، أعلامها ، دور العلم والفن فيها ، متاحفها ، قصورها ، ملاهها ، حدائقها ، مطاعمها ، مصانعها ، مما يعطي القارئ العربي فكرة واضحة عنها .

وللدكتور زكي مبارك كتاب طبعه في عام ١٩٣١ بعنوان " ذكريات باريس - صور لما في مدينة النور من صراع بين الهوي والعقل والهدى والضلال ويقول في مقدمته : عرفت باريس وأهل باريس معرفة قلما تقدر لإنسان سواي ، ولم يكن ذلك فقط لابي اتصلت بها نحو خمسة أعوام ، وإنما كان ذلك لأني وصلت إليها بعد يأس وبعد شوق فكنت أشهب محاسنها في شعره ونهم . "

والكتاب عبارة عن مجموعة رسائل موجهة إلى صديق ،

كان المؤلف ينشرها على صفحات جريدة " البلاغ " وفي هذه الرسائل أوصاف عن الأنظمة الدستورية في فرنسا وسهرة في جامع باريس ، وذكريات عن الحي التلاتيني - حي الطلبة - وصور مشرقة باسمة لطائفة من أساتذة جامعة باريس ولاسيما المستعربين منهم .

وكان الأستاذ أحمد الصاوي من الكتاب الذين فتنوا بباريس ورددوا اسمها اكثر من مرة في ثنايا مقالاته وأبحاثه وأحاديثه ، وقد دفعه هذا الإعجاب إلى أن يصدر كتابا يحمل اسم " باريس " استكتب فيه طائفة من أعلام عصره ، من رجال الاقتصاد والمال والأدب والفن والقانون ، وملأه بصور من أقلام الكتاب الأجانب الدين وصفوا الحياة في باريس .

وشجع كتاب الأستاذ الصاوي غيره من الكتاب على تخصيص مؤلفات تحمل اسم " باريس " فأصدر الأستاذ نزيه مسعد كتابه " ليالي باريس " ويشمل عدة صور عن مسارح باريس ودور اللهو فيها ، والحياة في حي مونيارتاس - حي الفن واللهو - وأبحاث عن الجاليات الشرقية والعربية التي تقطن عاصمة فرنسا . وأصدر الأستاذ شفيق رزق الله كتابه " معالم باريس " وفيه اوصاف شائقة لرحلة المؤلف إلى بعض عواصم أوربا ، وخص بالذكر باريس ومعالمها الأثرية والعلمية والفنية ، ثم كتاب " أنت وأنا في باريس " للأستاذ جوزيف خوري ، ويحوي لوحات باسمة لما انطبع في نفس المؤلف لدي زيارته باريس

وللدكتور طه حسين باشا كتاب موسوم بعنوان .  صوت باريس ولا يفهم من عنوان هذا الكتاب أن به أوصافا أو صورا عن باريس ، وإنما هو عبارة عن مجموعة مسرحيات فرنسية لخصها المؤلف عن كتاب المسرح الفرنسي وقد اتخذ لها هذا العنوان تخليدا لذكرى النكبة التي حلت بباريس عندما وطأتها أقدام الغزاة الجرمان .

وقد تغني بمفاتن باريس وأمجادها التاريخية طائفة من شعراء العربية وحركت عاصمة النور أوتار قيثارة الشعر بين أناملهم ، وكان اشد هؤلاء الشعراء حماسة اميرهم شوقي الذي وضع لبان الثقافة في صدر شبابه بباريس وكان مفتونا بإنتاج طائفة من ادبائها ومفكريها ، فهو يدافع عن سمعة باريس بقوله :

زعموك دار خلاعة ومجانة ودعارة يا إفك ما زعموك

تلدين أعلام البيان كأنهم أصحاب تيجان ملوك أربك

والعلم في شرق البلاد وغربها ما حج طالبه سوي ناديك

والعصر انت جماله وجلاله والركن من بنيانه السموك

أخذت لواء الحق عنك شعوبه ومشت حضارته بنور بنيك

وخزانة التاريخ ساعة ساعة عرضها للفخر خير كنوزها ماضيك

ولشوقي قصائد أخري عصماء يصف فيها معالم باريس : كثير السين ، وغاب بولونيا ، ومئوي نابليون بونابرت ، وهي جميعا لا تقل حماسة وروعة عن القصيدة التي استشهدنا بعض أبياتها .

وتزخر دواون طائفة من شعرانا : كمطران وحافظ والجارم ورامي ومحمد تيمور وزكي مبارك وعبد الغني حسن وبشر فارس وعزيز فهمي بقصائد تعد من عيون الشعر العربي الحديث ، يشيدون فيها بمحاسن باريس ويتغنون بأمجادها وينوهون بعلو كعبها في العلوم والفنون وسائر ضروب الثقافة

وكانت محنة باريس في عام ١٩٤٠ حين احتلت أرضها القوات النازية مثار وحي لطائفة من شعرائنا ، وفي مقدمتهم على محمود طه الذي نظم عدة قصائد وفي مقدمتها قصيدته التي يرثي فيها لحال باريس ويستنهض همم أهلها بقوله :

ساحة البستيل حان الملتقي  وتعالت صرخة الفجر الوليد

فوق أحجارك صرعي اسهم  فللذات كتبت سفر الخلود

فاذكريهم بالذي مر بهم  واقرئي تاريخهم ثم أعيدي

وظفرت باريس بإهتمام الأدب الشعبي العربي ، فنظم محمود بيرم التونسي عدة ازجال يصف فيها الحياة في جوانب باريس ، كزجله الذي يقول فيه " الحظ كان محتكر والناس تروح له باريز " وزجله الذي يصف فيه ليلة ١٤ يوليه - عبد الحرية - فيقول :

الفجر نايم وأهلك ياباريس صاحيين

معمرين الطريق داخلين على خارجين

إن دقت اثنين صباحا خشي مونيارتاس

حي العذاري السكاري تحت كعب الكاس

وجوه عزلها جمالها عن وجوه الناس

من كل نجمة عانقها في سماها هلال

تجذب بنورها أمم في الهند والشلال

هي افينوس عبادها من ملوك المال

بقي أن تذكر أن هناك أشتاتا من كتب السياحة في الأدب العربي ، أفرد مؤلفوها فيها فصولا عن باريس ووصفوا الحياة بين جوانبها كما وقمت عليها أنظارهم ، ويكاد المقام يضيق عن إحصاء هذه الكتب ، لكننا نذكر منها في سبيل المثال كتاب : في الصيف لطه حسين ، وولدي لهيكل ، وإرشاد الألبا إلى محاسن أوربا لأمين فكري . وخمسة في سيارة لسامي الجريديني ، ومشاهدات لعبد الوهاب أبو العيون ، وسفر السفر إلى معرض الحضر لديمتري خلاط ، إلى غيرها مما تزخر به المكتبة العربية من شتى ألوان كتب السياحة والرحلات .

اشترك في نشرتنا البريدية