الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 234الرجوع إلى "الرسالة"

مصطفى صادق الرافعي، ١٨٨٠ - ١٩٣٧

Share

-  ١٩ -

بين الرافعي وطه   (٢)

لم تكن بداية هذه المعركة تنذر بما آلت إليه، فما كانت في  أولها إلا خصومة بين مذهبين في الأدب وأسلوبين في الكتابة،  فما لبثت من بعد أن استحالت إلى حرب شعواء يتقاذف فيها  الفريقان بألفاظ الكفر والظلال والإلحاد والغفلة والتعصب  والجمود، وانتقلت من ميدان الأدب واللغة إلى ميدان الدين  والقرآن، ثم إلى ميدان السياسة والحكومة والبرلمان، ثم إلى  ميدان القضاء. والدكتور طه رجل لا تستطيع أن تفرق بين  مذهبه في الأدب ومذهبه في الدين، ولا بينهما وبين مذهبه في  السياسة. والرافعي رجل كان لا يفرق بين الدين والأدب، ولا  يعرف شيئاً منهما ينفصل عن شيء أو يتميز منه، ولكنه في  السياسة كان يتحلى بفضيلة الجهل التام، فلا تعرف له رأياً في  السياسة تؤاخذه به أو تناقشه فيه، لأنه كان لا يعرف من  السياسة إلا حادثة اليوم بأسبابها، لا بأصحابها. وكم جر عليه هذا  الجهل السياسي من متاعب! وكم ألصق به من تهم! ولكنه هنا  كان من عوامل توفيقه في هذه المعركة

في سنة ١٩٢٥ كانت الحكومة للأحرار الدستوريين  ولأصدقائهم. والأحرار الدستوريين حزب طه حسين، نشأ  بينهم ووقف قلمه على الدعاية لهم. فلما رأى علي ماهر باشا أن  يضم الجامعة المصرية إلى وزارة المعارف، أنضم معها الدكتور طه  حسين أستاذ الأدب العربي بالجامعة.

ومضى الدكتور طه يحاضر طلابه في كلية الآداب محاضرات  في الأدب الجاهلي، على الأسلوب الذي رآه لهم؛ فلما استدار العام

جمع طه محاضراته في كتاب أخرجه للناس باسم   (في الشعر  الجاهلي) ؛ وقرأ الناس كتاب الدكتور طه حسين بعد أن  سمعه طلابه منجماً في كلية الآداب، فقرءوا رأياً جديداً في الدين  والقرآن رجح ما كان عندهم ظناً بالدكتور طه حسين وكتاب  السياسة الأسبوعية. فقال الأكثرون من القراء: هذا كفر  وضلال. وقالت طائفة: هو خطأ في الفكر وإسراف في حرية  الرأي. وقال الأقلون: بل هو الأسلوب الجديد لتجديد الآداب  العربية وتحرير الفكر العربي. وظل الرافعي ساكتاً، إذا لم يكن  قد قرأ الكتاب بعد، فما نبهه إلى خطره إلا مقالان نشر أحدهما  الأستاذ عباس فضلي القاضي في السياسة الأسبوعية، وكتب  ثانيهما الأمير شكيب أرسلان في كوكب الشرق، فكان فيهما  الإنذار للرافعي بأنه قد آن أوانه. . .

وانتضى الرافعي قلمه وكتب مقاله الأول فبعث به إلى جريدة  (كوكب الشرق) ، ثم مقالات ثلاثاُ بعده، ولم يكن قد قرأ الكتاب ولا عرف عنه إلا ما نشرت الصحف من خبره؛ فكانت  المعركة بذلك في ميدانها الأول: خصومة بين مذهبين في الأدب  وفي الكتابة وفي طرائق البحث. على أن الرافعي لم ينس في هذه  المقالات أن له ثأراً عند طه، فجعل إلى جانب النقد الأدبي في  هذه المقالات شيئاً من أسلوبه المر في النقد، ذلك الأسلوب  الذي لا يريد به أن يفحم أكثر مما يريد أن يثأر وينتقم. ثم تلقى  كتاب الدكتور طه حسين فقرأه، فثارت ثائرته لأمر جديد. . .

لقد كان شيئاً منكراً أن يزعم كاتب أن له الحق في أن  يتجرد من دينه ليحقق مسألة من مسائل العلم، أو يناقش  رأياً من الرأي في الأدب، أو يمحص رواية من الرواية في  التاريخ؛ لم يكن أحد من كتاب العربية ليترخص لنفسه في  ذلك فيجعل حقيقة من حقائق الدين في موضع الشك، أو نصاً  من نصوص القرآن في موضع التكذيب؛ ولكن الدكتور طه  قد فعلها وترخص لنفسه، ومنح نفسه الحق في أن يقول قالةً  في القرآن وفي الإسلام وتاريخ الإسلام؛ وقرأ الرافعي ما قال  طه، فغضب غضبته للدين والقرآن وتاريخ المسلمين، ونقل  المعركة من ميدان إلى ميدان. . .

وكان طه في أول أمره عند الرافعي كاتباً يزعم أن له مذهباً

جديداً في الأدب، فعاد مبتدعاً مضلاً له مذهب جديد في  الدين والقرآن؛ فكما ترى البدوي الثائر لعرضه أن ينتهك،  كان الرافعي يومئذ؛ فمضى يستعدي الحكومة والقانون وعلماء  الدين أن يأخذوا على يده ويمنعوه أن تشيع بدعته في طلاب  الجامعة. . . وترادفت مقالاته ثائرةً مهتاجة تفور بالغيظ وبالحمية  الدينية وبالعصبية للإسلام والعرب، كأن فيها معنى الدم

ونسي في هذه المقالات كل اعتبار مما تقوم به الصلات  بين الناس، فما كان يكتب نقداً في الأدب، بل يصب لهيباً  وحمما وقذائف لا تبقي على شيء. وكان ميدانه في جريدة كوكب  الشرق، وكوكب الشرق يومئذ هي جريدة الأمة وجريدة سعد  وجريدة الشرق العربي كله؛ فمن ذلك لم يبق في مصر قارئ ولا  كاتب إلا صار له رأي في طه حسين وفي دينه، وإن للأمة من  قبل لرأياً في وطنيته ومذهبه، وحسبك بها من وطنية في رأي  الشعب، وطه حسين هو عدو سعد

ووقفت الدوافع السياسية إلى جانب الرافعي تؤيده وتشد  أزره، وإن لم يكن للرافعي في السياسة باع ولا ذراع

وبلغت الصيحة آذان شيوخ الأزهر، فذكروا أن عليهم  واجباً للدفاع عن الدين والقرآن فجمعوا جماعتهم إلى جهاد

وتساوقت الوفود إلى الوزارة تطلب إليها أن تأخذ طه بما  قال؛ وإن طه لأثير في وزارة الأحرار الدستوريين وأصدقائهم،  ولكنها لم تستطع أن تتجاهل إرادة الرأي الإسلامي العام. . .

ومضى الرافعي في حملته تؤيده كل القوى وتشد أزره  كل السلطات

ونشطت النيابة العمومية لتنظر في شكاوي العلماء وتحدد  الجريمة وتقترح العقاب، فعرف الدكتور طه حسين أن عليه  وقتئذ أن يقول شيئاً، فكتب كتاباً إلى مدير الجامعة يشهده أنه  مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولكن  الرافعي لم يقنع فمضى في النقد على جادّته

ولم تجد الجامعة في النهاية بداً من جمع نسخ الكتاب من  المؤلف ومن المكتبات لتمنع تداوله، لعل ذلك يرد الفتنة التي  توشك أن تعصف بكل شيء حتى الجامعة، ولكن الرافعي لم يقنع

فأستمر في حملته على الدكتور طه حسين، وظهيرُه يومئذ هو  الدكتور زكي مبارك. . .!

لقد كانت هذه المقالات التي ينشرها الرافعي في كوكب  الشرق صيحةً مدوية وصلت إلى كل أذن؛ فما أحسب أحداً في  أدباء العربية وقرائها قد فاته منها شيء. لقد كان المصريون وقتئذ مكمومة أفواههم عن السياسة والحديث في شئونها فلعلهم  وجدوا في هذه المقالات ما يعزيهم عن شيء بشيء، إذ كان طه  عندهم يومئذ ما يزال هو طه حسين عدو سعد، ومحرر جريدة  السياسة، وعضو الأحرار الدستوريين

لا أزعم أن اهتمام الناس جميعاً في مصر بهذه المقالات لأنهم  جميعاً قد صار لهم في شئون الأدب رأي، أو لهم في الذود عن  الإسلام حمية، لا؛ ولكنه نوع من التعصب السياسي جاء  اتفاقاً ومصادفة في هذا الوقت نفسه ليكون تأييداً لقول الله  وانتصاراً لكلمته؛ على أن هذه المقالات بإقبال الناس عليها  - لسبب أدبي أو لسبب سياسي - قد بعثت روحاً دينية كانت  راقدة، وأذكت حمية كانت خامدة، وألفت قلوباً إلى قلوب كانت  متنافرة، ونبهت طوائف من عباد الله كانت أشتاتاً لتعمل للذود  عن دين الله

وإني لأذكر مثلاً مما كان من إقبال الناس على هذه المقالات  أنني - وكنت طالباً. . . لم أكن أطيق الانتظار حتى يجيء  بائع الصحف إلى الحي الذي أسكنه لآخذ منه كوكب الشرق،  بل كنت وجماعة من الطلاب نستعجل فنقطع الطريق من المنيرة  إلى باب اللوق راجلين لنشتري من الأعداد المبكرة المسافرة إلى  حلوان، لنقرأها قبل أن يقرأها الناس

وتطورت السياسة المصرية، وتخلى زيور باشا عن الحكم،  وعادت حكومة الشعب يؤيدها برلمان سعد؛ وعكف نواب الأمة  على تراث الحكومة الماضية يفتشون عن أخطائه؛ وما يزال في  آذانهم صدى يرن عما كان من أمر الجامعة وأمر طه حسين،  فأبدى البرلمان رغبته في محاكمته. وقال النواب: نحن نريد.  وقالت الحكومة: وأنا لا أريد. وتشاد عدلي رئيس الحكومة

وسعد رئيس النواب؛ فقامت زوبعة، ونشأت ضجة، وحدثت  أزمة وزارية، ولوح عدلي بالاستقالة، وأصر سعد على وجوب  تنفيذ رأي الأمة، وتعقدت المشكلة. . .

وسعى الوسطاء بالصلح بين الزعيمين؛ فما كان الحل إلا أن  يتقدم النائب الجليل عبد الحميد البنان بشكواه إلى النيابة العمومية  فتسقط التبعة عن الحكومة، وينفذ رأي الأمة، ثم تسير  القضية إلى غايتها أمام القضاء وكان بعد ذلك ما كان

وإذ كان انضمام الجامعة إلى وزارة المعارف عملاً من أعمال  علي ماهر وزير المعارف، فإن ما ثار حول الجامعة بسبب الدكتور  طه حسين قد دعا نائباً أو نواباً إلى اقتراح محاكمة علي ماهر بما  فعل للجامعة، وبما غير من نظام التعليم العام من غير أن يكون  ذلك من حقه الدستوري. . . ولكنه ظل اقتراحاً لغير التنفيذ

ليست كل هذه الحوادث من تأليف الرافعي، ولكنها شيء  يتصل بتاريخه وله أثر فيه أي أثر؛ فلولا ما كان من الخصومة  بين الرافعي وطه، لما قامت هذه الضجة، ولا ثارت هذه  الثائرة، ولما كان في التاريخ الأدبي أو السياسي لهذه الحقبة  شيء مما كان

على أن هذه المعركة قد خلفت لنا شيئاً آخر، هو أغلى  وأمتع، ذلك هو كتاب:   (المعركة تحت راية القرآن)  وهو جماع  رأي الرافعي في القديم والجديد، وهو أسلوب في النقد سنتحدث  عنه بعد

ولقد ظلت الخصومة قائمة بين الرافعي وطه إلى آخر أيامه،  بل أحسبها ستظل قائمة ما بقيت العربية وبقي تاريخ الأدب؛ فما  هي خصومة بين شخص وشخص تنتهي بنهايتهما؛ بل هي  خصومة بين مذهب ومذهب سيظل الصراع بينهما أبداً ما دام  في العربية حياة وقدرة على البقاء

وما أعرف أن الرافعي وجد فرصة ليغمز طه في أدبه، أو وجد  طه سانحة لينال من الرافعي في فنه ومذهبه، إلا أفرغ كل منهما

ما في جعبته. وكم مقالٍ من مقالات طه حسين قرأه علي الرافعي  فقال: اسمع، أنه يعنيني. وكم مقال أملاه علي الرافعي أو قرأته له  فوجدت فيه شيئاً أعرف من يعنيه الرافعي به. ومرة أو مرتين  قال الأستاذ الزيات للرافعي: أرجو أن تعدل في أسلوب هذا  المقال - مما ينشر في الرسالة - فإني لا أحب أن يظن طه أنك  تعنيه بشيء تنشره في الرسالة وعلي تبعته عنده

ولما ثارت في الجامعة في العام الماضي مسألة المسجد والمصلي  والدروس الدينية وفصل الفتيان عن الفتيات، كتب الرافعي  مقالا للرسالة غمر فيه طه وحيا شباب الجامعة، ولم يجد الأستاذ  الزيات بداً من نشره. وفتن الرافعي بمقاله ذاك وحسن عنده  وقعه، فأنشأ تتمة له بعنوان   (شيطان وشيطانة)  يعني طه وتلميذته،  ولكن الزيات وقف له واحتج حجة، رعاية للصديق القديم طه.  وكان أول مقال يكتبه الرافعي فترده له الرسالة. وقد أغتاظ  الرافعي لذلك غيظاً شديداً، وأحسبه مات وفي نفسه حسرة من  عدم نشر هذا المقال. لو كان لي أن أعرف أين صورة هذا  المقال لأوجبت على الرسالة أن تنشره بحق التاريخ الذي لا  يحابي الأحياء ولا الأموات، ولكن أين أجده؟ الأستاذ الزيات  يقول: لقد رددته إليه. والدكتور الرافعي يقول: لم أجده على  مكتب أبي؛ وما كان بين هذا المقال وبين أجل الرافعي إلا قليل

ولم يتلاق الرافعي وطه وجها لوجه في النقد بعد هذه المعركة  حول كتاب   (في الشعر الجاهلي) ، ولكن المعارك بينهما ظلت  مستمرة من وراء حجاب، تنتقل من ميدان إلى ميدان

ولما أشترك الرافعي في المباراة الأدبية في العام الماضي، ونال  في بعضها من الجائزة دون ما كان يطمع، لم ينسب ذلك لشيء  إلا لأن طه كان عضواً في اللجنة. . . وطه خصم عنيد. . .

أما بعد فهذا شيء للتاريخ أثبته على ما فيه، ليس فيه رأيي  ولا رأي أحد معي؛ ولكنه شيء مما حكاه لي الرافعي أو قرأت  في كتبه، فكتبته في موضعه من هذا البحث بضمير المتكلم ومالي  فيه إلا الرواية، وذلك حسبي من العذر إن كان علي معتبة أو ملام

(شبرا)

اشترك في نشرتنا البريدية